من رحم الحاجة تولد الفكرة، ومن أفكار الشباب يتولد الإبداع الذي يواكب روح العصر الجديد، فالشابان اللذان جلسا على طاولة بمقهى في وسط القاهرة ليطلبا مشروباً متواضعاً لم يعلما أنهما في تلك اللحظة يكتبون عن مشروع سيتحقق؛ بعض الخطوط العريضة التي فكر فيها أحمد مهنى وأحمد البوهي لينضم لهم ثالثهم مصطفى الحسيني..

فيما بعد، منذ سبعة سنوات قادتهم إلى تأسيس مكتبة ودار نشر تحقق ما يتمنوه هم كقراء، فكروا في ما يحتاجه السوق، فأثبتوا نجاحهم، رغم سنهم الصغير وحداثتهم بالمهنة، حيث أسسوا دار «دون» كنافذة للقراءة مفتوحة وسط القاهرة، المدينة التي تعيش حراكاً ثقافياً، يأبى أن يطاله الركود، واستطاعوا تأسيس مكتبة، لها روادها، ودار نشر وملتقى للمبدعين.

عندما بدأ الحلم

دار «دون» هي الحلم الذي تحول لواقع.. هكذا يصف أحمد مهنى، حلمه ومكانه المفضل، الذي يقع كغيره من الدور في وسط القاهرة، وتحديدًا فوق قهوة «البستان»، تلك التي جمعت منذ إنشائها المثقفين، وكبار الكتاب، الذين ساهموا في إثراء الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي بأكمله.

الدار لا تكتفي فقط بكونها دار نشر ومكتبة، بل تم إنشاء بيت «دون» والذي له الفضل الأول في إقامة حلقة وصل بين الكتاب والقراء، حيث تقام حفلات التوقيع، والندوات الثقافية والفعاليات الفنية، بل وورش لتعليم الكتابة والتصوير وغيرها.

من داخل المكتبة

في طابع عربي حميم تتخذه المكتبة لتستقبل بها روادها، تمتلئ المكتبة بكتب من إصداراتها أو من إصدارات مكتبات أخرى، فيما تعلو صورة نجيب محفوظ يافطة «دون»، التي تتوسط المكان، بجانبها صور لعمالقة الفن، كصورة أحمد زكي، الجندي المغلوب على أمره في فيلم «البريء»..

والفنان شكوكو في صورة له مبتسماً، وعلي الكسار في لقطة من عرض مسرحي له، وخلفه إسماعيل ياسين مبتسمًا، وشادية وهي تغني إحدى أغنياتها في فيلم عربي قديم، وأمينة رزق وهي تبكي في مقطع من فيلم آخر، وغيرهم من الشخصيات التي صنعت تاريخ السينما المصرية.

صور تراثية

صور مصر القديمة لها هي الأخرى مكان على حائط مكتبة «دون»، حيث يظهر ميدان التحرير، خاليًا إلا من بعض المارة، وصور لجوامع شوارع المعز والغورية وهي لا يظهر فيها اختلاف عن الآن إلا في أن الصورة قد اكتست بالأبيض والأسود، وامتدادًا في القدم..

فقد ظهرت صور الإعلانات القديمة، مثل إعلان إحدى شركات المياه الغازية أو إعلان لبيع راديو. أيضًا «القلة» و«العود» والسجاد العربي، وجدوا مكانًا داخل الدار، حيث يضفون مزيدًا من البهاء، بلون بني قد أضاف الأصالة، والقدم للمكان.

ما قبل الواقع

ويعود أحمد مهنى لسنوات قبل أن يصبح هذا المكان بهذا الشكل الذي هو عليه الآن فيتذكر قائلًا: منذ ثماني سنوات كنت قارئاً فقط للكتب، أحاول مقابلة الكتاب الذين أحبهم، والحصول على توقيعاتهم، ولصعوبة هذا حاولنا إعادة التواصل بين جيلنا وجيل المبدعين، في الوقت نفسه كان عام 2005 هو عام المدونين..

وهذا جعلنا نقرر نشر كتب لشباب جيلنا تحمل كتابتهم التي نشروها على الفضاء الإلكتروني، لتصبح في كتاب ورقي تتداوله أيادي الشباب، ومن هنا بدأنا إصدار عدة كتب تحمل كتابات مجمعة للشباب، ومنها بدأ مشروع دار «دون» للنشر، والذي أخذ اسمه من بداية الدار نفسها، حيث يقول مهنى: شجعنا التدوين على الدخول في معترك مجال النشر، لننشر فيما بعد كتبًا مستقلة لكتاب كتبوا في الأدب الساخر، والروايات، والقصص القصيرة، وغيرها.

بداية سيئة

كان الكتاب الأول المستقل الذي تصدره الدار، عام 2009 هو كتاب للكاتب نبيل فاروق بعنوان «يا عيني يا مصر»، والذي تحدث عن الحاجة لقيام ثورة مصرية، ثم تلاه في عام 2010 كتاب بعنوان «البرادعي وحلم الثورة الخضراء»، وكتاب «شاب كشك» للمخرج والكاتب عمرو سلامة، وكتاب «يوماً ما كنت إسلامياً» لأحمد أبو خليل، وكتاب «الألتراس» لمحمد جمال بشير، و«سلفي يكتب الروايات سراً» لماجد شيحة، وتخاريف للفنان صلاح عبد الله، وغيرهم.

مساحات أكبر

تمكن الدار الشباب من التواصل معها عبر بريدها الإلكتروني، لتكتشف من خلاله عشرات المبدعين الذين تعددت طبعات كتبهم، حيث يوضح مهنى أن الأعمال تخضع للمراجعة من قبل الدار، ويتم نشرها، لتلاقي بالفعل عديد من الأعمال الغير مشهورة طريقها لقلوب القراء، بل وتتعدد طبعاتها.

كما تحاول الدار أن تخلق مساحات أكبر للتواصل، فمنذ العام الماضي اقترح مؤسسيها عمل مهرجان في ساقية عبد المنعم الصاوي بالزمالك، غرب القاهرة، لإتاحة فرصة أكبر لشباب الأدباء في أن يعرفهم جمهور الشباب المهتم بالحركة الثقافية، وفي الوقت نفسه يقابل القراء كتابهم المفضلين وجهًا لوجه، ومعرفة أفكارهم والحصول على توقيعاتهم على الكتب التي أصدروها، والتصوير معهم لالتقاط تلك اللحظات التي جمعتهم بكتابهم المفضلين.

تحديات

وقال أحمد مهنى «منذ إنشاء الساقية فإنه لم يشهد مثل هذا العدد في فعالية ثقافية، وهذا ما حمسنا لتطوير أنفسنا، واستمرار المهرجان لعام جديد، وأضاف «جمع الكتاب لم يكن سهلًا على الإطلاق» هكذا يخبرنا مهنى عن التحضير لتلك الفعالية، فـ«دون» قد واجهت عددًا من التحديات والمشاكل في إقامة مثل تلك الفعالية الضخمة، أولها المواعيد التي لا يشترط بالضرورة أن تناسب الكتاب، ومعايير اختيار الكتاب الذين يناسبون قطاع الجمهور وقد أثروا فيهم العام الماضي، كذلك مواعيد الدراسة المتغيرة التي من شأنها أن تؤثر على الحضور.

بيت دون

ويقول مهنى: «فكرنا في كيفية استمرارية المهرجان مرة أخرى فكان الاقتراح بإنشاء «بيت دون» في وسط البلد؛ لأنه المكان الذي يجمع كل المكتبات والأماكن الثقافية، وسيكون حلقة الوصل الدائمة للجمهور مع الكتاب.

و«بيت دون» هو حلقة الوصل التي حلم الشباب بتكوينها منذ سنوات عديدة، والبيت تقام فيه فعاليات عديدة مثل الحفلات الغنائية للمغنيين الشباب، أو حفلات التوقيع للكتب حديثة الإصدار، أو أي لقاءات مفتوحة مع الكتاب والأدباء للتواصل مع الشباب، بالإضافة لدورات تدريبية على الكتابة؛ لتثقل تلك الموهبة عند شباب القراء الذين يودون خوض مجال الكتابة، دون أن يكونوا على دراية كاملة بأساليب كتابة نوعهم المفضل من شعر أو قصة قصيرة أو رواية أو غيرها.

كذلك يوفر المكان حجرة للاطلاع، والمذاكرة، أو القراءة وهو ما تحرص عليه الدار لفتح مجال أمام قرائها لتوفير الجو المناسب لهم من أجل القراءة.

مهرجان يجمع القراء بالكتاب

تنظم دار «دون» مهرجان في ساقية عبد المنعم الصاوي بالزمالك، غرب مدينة القاهرة، لإتاحة فرصة أكبر لشباب الأدباء في أن يعرفهم جمهور الشباب المهتم بالحركة الثقافية، وفي الوقت نفسه يقابل القراء كتابهم المفضلين وجهًا لوجه، ومعرفة أفكارهم والحصول على توقيعاتهم على الكتب التي أصدروها، والتصوير معهم لالتقاط تلك اللحظات التي جمعتهم بكتابهم المفضلين.

المهرجان هو يوم واحد في العام، ولا يقتصر فقط على نوع أدبي بعينه، بل يتم المزج بين كتاب الروايات، والقصص القصيرة، والسير، والشعراء، وحتى المغنيين.. في العام الماضي استضافت الساقية المهرجان في قاعة صغيرة بها، وقد استضافت «دون» في العام الماضي عددًا من الكتاب مثل أحمد مراد صاحب رواية «الفيل الأزرق» التي رشحت لجائزة البوكر، وعمر طاهر الكاتب الصحفي، وعمرو سلامة المخرج والكاتب، وغيرهم.

وفي هذا العام أضحى الاحتفال في أكبر قاعة في قاعات الساقية، حيث امتلأت القاعة على آخرها، واضطر المنظمون إلى إتاحة مساحة أكبر بعد فتح ستار القاعة على ساحة الساقية، لينضم عدد من محبي القراءة للمهرجان، وقد استضاف المهرجان هذا العام عددًا كبيرًا من كبار الكتاب مثل أشرف عشماوي والذي ترشحت روايته «تويا» لجائزة البوكر عن القائمة الطويلة، وعمرو الجندي، ومحمد صادق الذي طبعت روايته الأخيرة 21 طبعة.

 أحدث الإصدارات على الإنترنت

تتيح «دون» للقراء موقعًا على الإنترنت يساعدهم في الوصول لمعلومات عن الدار، بدءًا من أحدث الإصدارات، مرورًا بالكتب الأكثر مبيعاً، وأخبار الدار نفسها من حفلات وغيرها، ومقالات لكتاب الدار. الموقع يتيح أيضًا عددا من الأفكار المختلفة للدعاية عبر الفيديو للكتب في منافذ البيع، حيث هناك «برومو» دعائي لكتب ساخرة أو روايات، عبر مجموعة من آراء شخصيات كبرى، أو حتى عن طريق دعاية مضحة وبعض المقتبسات من الكتاب نفسه.