«سحر الكتاب وفتنة الصورة - من الثقافة النصيّة إلى سلطة اللامرئي» كتاب مهم ومتشعب للدكتور مازن عرفة، يبحث في جملة من القضايا الثقافيّة المعاصرة، تطول العولمة، وتحولات مفاهيم الثقافة، ومفهومها الإنتروبولوجي، وعلاقتها بمفاهيم ما بعد الحداثة.
كما يبحث في المعرفة وأثر الذكاء على إنتاجها، والاتصال الاجتماعي وأدواته، وأوعية المعلومات ومجتمعها، وثقافة الكلمة المطبوعة، وانتقالها إلى ثقافة الصورة المعاصرة التي انتقلت من الصورة الضوئيّة إلى الصورة الإلكترونية، ومن الحداثة إلى ما بعد الحداثة.
العولمة الثقافيّة
يبدأ الدكتور عرفة كتابه بمقدمات منهجية لفهم العصر، عبر الثقافة وتحولات مفاهيمها والعولمة التي اعتبرها من أكثر المفاهيم بروزاً وفاعلية في مختلف المجالات منذ نهاية القرن العشرين، لا سيّما «العولمة الثقافيّة»، الساعية إلى تنميط الثقافة على مستوى العالم، برغم أنها تتلطى خلف الاقتصاد والمال والسياسة.
ويرى أن المفهوم الإنتربولوجي للثقافة هو أحد المفاهيم الثقافية التي شاعت وتطورت ووجدت صداها عبر معرفة عميقة حول حياة المجتمعات، ثم يتعرض إلى إشكالية تحديد من هم صناع الثقافة ومنتجوها، نتيجة تحولات الحياة المعاصرة وتعقيداتها وموقع الفعل الثقافي فيها.
أوعية المعلومات
بعد ذلك، يقف المؤلف عند الاتصال الاجتماعي وأدواته، ومجتمع المعلومات ومفهومه وتطوره التاريخي، ونزوع الفكر باتجاهه، وموقع الإنسان أمام طوفانه، وصولاً إلى ثقافة الكلمة المطبوعة وعالم الحداثة. وفي هذا المجال، يُثير قضية المؤثرات الحسيّة لأوعية المعلومات الورقيّة واستخداماتها كأحد مظاهر ثقافة الحداثة، في مجالات حياتيّة مختلفة.
بعدها ينتقل إلى المحرضات الحسيّة في الفعل المادي للكتابة، ودور الورق والأقلام وهذه المحرضات أثناء الكتابة، في تحقيق هذا الفعل، مشيراً إلى أشكال الكتابة الذاتية، ثم إلى مفهوم الكتاب والاتصالات الاجتماعيّة، بدءاً من المعارف الأولى للإنسانيّة وإمكانيات تسجيلها وحفظها، بوساطة الكتاب الذي يراه أداة اتصال جماعي بعناصره ومحمولاته..
ثم يشير إلى دوافع وحاجات الإنسان للحصول عليه وشرائه وتنضيده في مكتبة منزليّة يصنفها على أنها إحدى الأدوات الأساسيّة التي يتم من خلالها تعامل الفرد مع الكتاب منذ طفولته، وارتباطه بها، وعلاقته الحميميّة مع موجوداتها.
بعد ذلك، يتعرض لهواة جمع الكتاب ومحبيه، والكيفيّة التي تتم من خلالها، تعلق الناس بالكتاب وفئاتهم، والاختصاصات المعرفيّة المختلفة لديهم، كما يثير المؤلف عرفة، جوانب تقانيّة مختلفة، تتعلق بجماليات الكتاب وتنوعاته الطباعيّة الفنيّة، وصولاً إلى ظاهرة القراءة وعالمها الواسع ومنهجياتها وتقاناتها، وتأثير البيئة المحيطة بالقارئ ودفعه إلى فعل القراءة أو الانكفاء عن القيام به.
قداسة النص
في فصل آخر من الكتاب، يُثير المؤلف عرفة، موضوع تقديس الكتب، والكتب المقدسة، ويقف مطولاً عند «القرآن الكريم»، الذي يعتبره المسلمون رمزاً لدينهم ووحدتهم، وإحدى وسائل تأدية شعائر صلاتهم، إذ يوجد في كل الأماكن التي يعيشون فيها، ما يجعله في متناول اليد من أجل قراءته والتبرك به. كما يشير إلى التطورات التقانيّة الكبيرة والمتنوعة التي لحقت بطرائق طباعته..
فبعد أن كان يُخط باليد، صار يُطبع بآلات الطباعة المختلفة، وصولاً إلى أحدث التقانات السمعيّة البصريّة الإلكترونيّة، وهو مع كتابي «العهد القديم» و«العهد الجديد» أصبح منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، من أكثر الكتب المطبوعة على مستوى العالم، وعلى مر التاريخ الطباعي، بما في ذلك، تعدد الطبعات..
والارتفاع الكبير لعدد نسخها. ثم يشير إلى نقطة مهمة هي سيطرة الثقافة الشفهية على الحياة العربيّة إلى فترة ما قبل الإسلام في بيئة صحراويّة لا تعرف الاستقرار الاجتماعي..
وتكاد تنعدم فيها الحوامل الماديّة للتسجيل عليها، وما زالت الثقافة الشفهية التي سيطرت في العصور الأولى للإسلام مستمرة بقوة حتى الآن في العالم الإسلامي وبأشكال مختلفة، خاصة في حفظ الأفراد مقاطع طويلة من القرآن، تصل أحياناً إلى حفظه كاملاً، ويتم هذا على الرغم من سيطرة الكتاب المطبوع والمقروء والمسموع، على حياة المجتمعات الإسلاميّة.
استغلال قديم
يثير الدكتور عرفة مسألة مهمة قديمة - جديدة هي استغلال السلطات التقليديّة، الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، الكتب المقدسة في تقوية نفوذها، وتأكيد سيطرتها على المجتمع والدولة، من خلال أخذها نصوصاً محددة منها، ووضعها في إطار معايير وعمليات تأويل خاصة بها، لمصلحة ممارساتها، وتأكيد وجودها واستمراريتها على رأس هرم السلطة بأشكالها المتنوعة.
حدث هذا في الماضي والحاضر، لا سيّما في المجتمعات التي تطبعها السمات والتقاليد الدينيّة وتميزها عن غيرها، والتي توجد فيها سلطات مطلقة مُستمدة من قوة «الحق الإلهي». ثم يُشير إلى موضوع قداسة الكتب والغطاء الديني - الاستهلاكي..
واستغلال البعض للتوجهات الشعبويّة الدينيّة التي وصلت إلى حد تقديس المكتوب عبر مظاهر الانتماءات إلى التيارات السلفيّة، بحيث أصبح الجميع يشتري كل شيء يوحي بالتعبير عن الانتماء إلى التوجه الديني..
وعلى رأسها الكتب التي باتت تُطبع بمجلدات فاخرة وأنيقة أصبحت تُزيّن البيوت دون الاهتمام بقراءتها، وكانت الأسعار الرخيصة التي تُعرض بها كتب الجيب تسهم في ترويجها، إضافة إلى الجانب الدعائي العقائدي الذي يدعو إلى أفكارها، مستفيداً من أموال الحقبة النفطيّة.
موت المؤلف
ويفرد الدكتور مازن عرفة قسماً كبيراً من كتابه الموسوعي المهم، إلى عملية الانتقال من ثقافة الكلمة المطبوعة إلى ثقافة الصورة، في عصرنا الحالي، معلناً من خلال هذا التحوّل، موت المؤلف. فقد تحوّلت المنظومات اللغويّة هذه الأيام، إلى منظومات سمعيّة ـ بصريّة، إذ تميز القرن العشرون منذ سبعينياته، بانفجار معلوماتي كمي ونوعي، حدث في فروع المعرفة التقليديّة المعروفة..
وفي فروع معرفيّة جديدة، تتوالد وتنمو في سياق التطور الإبداعي الحضاري للمجتمعات، ولا يزال هذا الانفجار بكثافته المعلوماتية مستمراً، ليشمل بتأثيراته جميع مظاهر حياة المجتمعات والأفراد فيها، عبر سيطرة عصر الصورة الثابتة والمتحركة المقرونة بالتعبيرات السمعيّة عليها، وهو الأمر الذي قاد إلى عملية انتقال من النص الحداثي (الورقي) إلى النص ما بعد الحداثي (الإلكتروني)..
ومن ثم تطور مفهوم التناص بنقلات نوعيّة، عندما لم يقف على تفاعل نصوص تعتمد علامات المنظمات اللغويّة فقط، وإنما توسّع وازداد غنى، من خلال دمجه النص اللغوي بسياق تعبيرات أخرى خارج اللغة، تعتمد المنظومات السمعيّة البصريّة.
في البدء كانت الصورة
ففي البدء كانت الصورة ثم كانت الكتابة، إذ إنه في العصور الأولى بدأت التشكيلات الإنسانيّة البدائيّة (القطيع البدائي)، بتلمس خطواتها الأولى في السير نحو الأنسنة المتكاملة، وبدء تشكيل الحضارة، وظهور الفن عند هذا الإنسان، من خلال ارتباطه بمعنى ورؤية، وذلك عندما قام بتنفيذ التخطيطات الأولى للرسوم والنقوش والرموز الملونة التي أحيت الذات الإنسانيّة لديه، ثم تطورت الصورة لتؤدي مهمة أنسنة العالم الماورائي.
وعملية الانزياح من ثقافة الصورة إلى ثقافة الكلمة، لم تحدث دون انعطاف نوعي في حياة البشريّة، ترك تأثيره في مختلف مظاهر نشاطات المجتمعات، الروحيّة والماديّة. وهكذا تمكنت ثقافة الصورة من استعادة دورها من ثقافة الكلمة، لا سيّما بعد ولادة الصورة الضوئيّة، ثم ولادة الصورة الإلكترونيّة وإقصائها للصورة الضوئيّة.
بعد الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، برزت بقوة فتنة الصورة التي انتقلت من الأيقونة إلى الصورة الضوئيّة، ثم برزت فتنة الصورة السينمائيّة، ففتنة الصورة التلفزيونيّة، وصولاً إلى الصورة الإلكترونيّة وفتنة الفيديولوجيا والواقع الافتراضي، ثم الفيديولوجيا وثقافة الصورة، واقتحامها الحياة المعاصرة والمنظومات الأيديولوجيّة، ثم علاقة الفيديولوجيا بالهُويّة، وأنماط مظاهر ثقافة الاستهلاك.
ومع كل هذا التطور العلمي والتقاني المذهل، ومن ثم ازدياد حالة الوعي لدى غالبية الناس، ظل المصطادون في الماء العكر يستغلون الناس، اعتماداً على الدين. فثقافة الاستهلاك، وتحت سحر الصورة الإلكترونية، تستغل إلى أقصى الحدود الرموز الدينيّة والطقوسيّة في تمرير قيمها..
وهي تخلق بهذه الطريقة في لاشعور الأفراد نوعاً التعاطف والتماهي والانسجام بين الحاجات الغرائزيّة والمثُل الروحيّة، بحيث لا يحدث شعور بالذنب عند البعض، بل تشجعهم على متابعة استهلاك هذه الأفلام، وهي بهذا تُدخل في نطاقها أولئك المترددين في متابعة هذه الأفلام لروادع دينيّة أو أخلاقيّة في اللاشعور، بحثاً عن زيادة أرباحها الخياليّة.
لقد عمدت منظومات الاستهلاك التي تستغل أي ظاهرة اجتماعيّة جديدة لترويج منتجاتها، إلى تمرير قيمها الاستهلاكيّة. فبدلاً من الإغراء المفضوح بالعري المباشر، لجأت إلى الإغراء المستتر، واستغلت المرأة من جديد. وهكذا يبقى مفهوم الترويج واحداً، ما دامت المرأة تُشيّأ إلى سلعة.
ما بين التعبير البصري واللغوي
في آخر فصول كتاب «سحر الكتاب وفتنة الصورة»، يقف مؤلفه الدكتور مازن عرفة عند الصورة واللغة، ليؤكد من جديد، أنه في البدء كانت الصورة ثم الكلمة المكتوبة، فالعودة إلى الأصول (من الكتابة إلى الصورة)، ويثير في النهاية، جملة من النقاط المهمة، منها: الخيال والصورة والإبداع، والتمثيلات اللغويّة والتمثيلات البصريّة، والتقانات البصريّة وتطور الوعي الإنساني..
مشيراً إلى قيام الأشعة السينية والأشعة تحت الحمراء، وأشعة غاما، بتجاوز المسافات الأثيريّة والحدود المخفيّة للمرئي، والكاميرات تسمح بالرؤية ليلاً دون أن ينكشف المتعامل بها، وبالرنين المغناطيسي يمكن اختراق الأنسجة والخلايا والأعصاب.
وهذا كله يؤكد أن إنسان القرون المعاصرة قد تقدم خطوات مميزة في فلك أسرار وألغاز الكون والحياة، بعد الجهد الكبير المبذول من اللغة في تسجيلها المعارف الإنسانيّة عبر مسيرة الحضارة، لتنتقل مفاتيح فك الشيفرات إلى الأجهزة البصريّة، فهي التي تمكّن الآن من مضاعفة المعلومات السمعيّة ـ البصريّة بطرائق كبيرة تزيد من قدرة الإنسان على التدخل بفاعليّة أكبر في محيطه.
المواطن الاستهلاكي العولمي
يرى الكتاب أنه إذا كانت التحولات السياسيّة، والتدخلات العسكريّة، هي ما يظهر على السطح، فإن التحولات في العمق أكبر، وخاصة في البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بعلاقاتها المتشابكة معاً.
لقد مثلت الصراعات السياسيّة والعسكريّة أحد أشكال السعي إلى السيطرة الاقتصاديّة التي أصبح مجالها العالم كله في ظل الهيمنة الجديدة، وما يقوم به النظام العالمي الجديد هو تحويل هذا العالم إلى سوق كونيّة واحدة تخضع لمعايير الربح والخسارة، وهو ما يرتبط بتنميط حياة الأفراد وإعادة هيكلة بنى مجتمعاتهم وفق متطلبات الاقتصاد الرأسمالي العالمي ما بعد الحداثي.
ويعني هذا في ما يعنيه، انهيار المفاهيم التقليديّة للحدود السياسيّة القائمة حالياً بين الدول، وبروز إمكانيات اختزال الهويات الوطنيّة المحليّة، من أجل توحيد الأفراد برؤى المواطن الاستهلاكي العولمي الموحد.



