يصدر قريباً في طبعة فاخرة عن إدارة المشروعات بمكتبة الإسكندرية كتالوج «الجامع الأزهر الشريف».. في رحلة عبر الزمان والمكان يطوف بنا الباحثون د. خالد عزب ومحمد السيد حمدي وشيماء السايح بين أروقة الجامع الأزهر الشريف ومدارسه، كاشفين عن كنوزه، من تحف ومصاحف ومخطوطات، عام ونصف العام استطاع خلالها فريق العمل الذي تكون من باحثين ومهندسين ومصورين وخطاطين من مكتبة الإسكندرية وبالتعاون مع كل من مشيخة الأزهر الشريف ..

ومتحف الفن الإسلامي بالقاهرة وخطاطين من العراق استطاعوا جميعاً إنجاز موسوعة علمية شاملة عن الجامع الأزهر الشريف عمارته وتاريخه ما بين حقائق التاريخ وحُسن التصوير ودقة التوثيق تقدم مكتبة الإسكندرية هذا الكتالوج، عرفانًا لما للجامع الأزهر الشريف من مكانة في قلوب المسلمين في كل ربوع الأرض، وذلك بلغات ثلاث هي العربية والإنجليزية والفرنسية.

تاريخ منارة

ففي قلب مدينة القاهرة المحروسة وقلب العالم الإسلامي والعربي يقف الجامع الأزهر شامخاً بمآذنه الخمس ومدارسه الثلاث وأروقته التي احتضنت طلبة العلم من كل بقاع الأرض جاءوا إليه ليتعلموا ثم يعودوا إلى ديارهم لينشروا نور الله والإسلام.

أكثر من ألف سنة والأزهر الشريف باقٍ ودول وملوك وسلاطين يأتون ويذهبون ليظل شاهداً على تاريخ هذا الوطن وتلك الديار منذ أن قام بتشييده القائد الفاطمي أبو الحسن جوهر بن عبد الله الرومي الصقلي الكاتب؛ ليكون مسجداً جامعاً لمدينة القاهرة التي وضع حجر الأساس لها لتكون عاصمة للدولة الفاطمية في مصر (358 - 567 هـ/ 969 - 1171 م)...

وكانت بداية إنشاء الجامع في يوم السبت 24 من جمادى الأولى سنة 359 هـ/ يناير 970 م، وكان الانتهاء منه وافتتاحه للصلاة في يوم الجمعة السابع من رمضان سنة 361 هـ/ يوليو 972 م، أي أن الجامع استغرق بناؤه مدة تبلغ حوالي سنتين وثلاثة شهور.

واختار له موقعًا في الجنوب الشرقي من المدينة على مقربة من القصر الكبير الذي كان موجودًا حينئذ بين حي الديلم وحي الترك في الجنوب. ولم يطلق على الجامع الأزهر مسمى الأزهر في بداية إنشائه، وإنما عرف بجامع القاهرة نسبة لعاصمة الفاطميين الجديدة، وأما تسميته بالجامع الأزهر فقد حدثت في وقت متأخر؛ حيث أشار إليه المؤرخون قريبو العهد ببناء القاهرة كالمسبحي وابن الطوير وابن المأمون باسم جامع القاهرة، وقليلاً ما أشاروا إليه باسم الجامع الأزهر.

أطلق على جامع القاهرة الجامع الأزهر ربما نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول الكريم، وزوجة الإمام علي بن أبي طالب، وهي التي ينتسب إليها الفاطميون، وقيل إنه سمي كذلك تفاؤلاً بما سيكون له من الشأن والمكانة بازدهار العلوم فيه.

اهتمام وعمارة

حظي الجامع الأزهر الشريف باهتمام الأئمة الفاطميين؛ فقد اهتم به الإمام العزيز بالله (365 - 386 هـ/ 975 - 996 م)، وقام بتجديد بعض أجزاء الرواق الجنوبي الشرقي وزخرفتها، واهتم الإمام الحاكم بأمر الله (386 - 411 هـ/ 996 - 1021 م) بعمارة الجامع؛ فجدد مئذنته..

ورفع سقفه ذراعًا عما كان، وبقي من أعماله باب خشبي ضخم محفوظ حاليًّا بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، ورتب له في سنة 400 هـ/ 1009 م مع بعض المنشآت الفاطمية الأخرى أوقافًا ينفق من ريعها على إدارته وشؤونه، فكانت أول وقفية رتبت للجامع الأزهر.

واهتم الإمام الآمر بأحكام الله (495 - 524 هـ/ 1101 - 1130 م) أيضًا بالجامع، وبقي من أعماله محراب خشبي من خشب الشوح التركي، وجد بالجامع ونقل ليحفظ في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وهو مؤرخ بعام 519 هـ/ 1125 م.

كذلك أضاف الإمام الحافظ للدين عبد المجيد (525 - 544 هـ/ 1131- 1149 م) رواقًّا من بائكة واحدة تدور حول الصحن من جميع جهاته الأربع، فأصبح للجامع ظلة خلفية من رواق واحد وبائكة واحدة، وأقام عند مدخل المجاز القاطع قبة تطل على صحن الجامع، منطقة انتقالها من حنية ركنية واحدة «مقرنص واحد»، وينسب إليه أيضًا محرابان الأول على يمين الداخل والثاني على يسار الداخل إلى المجاز المطل على الصحن، ومقصورة بجوار الباب الشمالي الغربي عرفت بمقصورة فاطمة نسبت إلى السيدة فاطمة الزهراء.

قبلة علمية

وفي عصر الدولة الأيوبية قام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (564- 589 هـ/ 1169 - 1193 م)، في بداية عهد الدولة الأيوبية بإبطال كل مظاهر الدولة الفاطمية، فعين قاضياً هو صدر الدين عبد الملك بن درباس، والذي أفتى بعدم جواز إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، فأبطل إقامة الجمعة بالجامع الأزهر، وأقرها بجامع الحاكم بأمر الله باعتباره أكبر وأوسع، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تقطع فيها الخطبة في الجامع فقد قطعت في عهد الحاكم بأمر الله في سنة 393 هـ/ 1002 م إلى أن أعيدت مرة أخرى.

وكان في محراب الجامع نطاق من الفضة قلع سنة 569 هـ/ 1173 م، وكان وزنه 5000 درهم نقرة ؛ لذا لم يعن بالجامع من الناحية المعمارية ولم تتناوله يد الإصلاح والتعمير في هذا العصر.

غير أن قطع الخطبة بالجامع الأزهر لم يقضِ على صفته العلمية التعليمية، فبقي مدرسة حرة تدرس فيها سائر العلوم العقلية والنقلية واللغوية والفقهية، كذلك كانت تقام فيه الصلوات الخمس كأي مسجد ؛ فقد قصده مجموعة من العلماء وجلسوا للتدريس فيه ومنهم عبد اللطيف البغدادي الذي قدم إلى الجامع الأزهر في سنة 589 هـ/ 1193 م وجلس للتدريس فيه حوالي ست سنوات، وكان يقوم بتدريس علم الطب.

متحف معرفي

لكن مع بداية عصر دولة المماليك البحرية قام الملك الظاهر بيبرس البندقداري (658 - 676 هـ/ 1260 - 1277 م) بإعادة صلاة الجمعة إلى الجامع الأزهر يوم الجمعة 18 من ربيع الأول سنة 665 هـ/ 1267 م بعد انقطاعها مدة تقارب مئة سنة، وشمل الجامع برعايته فقام بعمل طاقية خشبية للمحراب الفاطمي القديم، لا تزال موجودة في الجامع بعد إضافتها للمحراب الذي أقامته لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1352 هـ/ 1933 م..

والشرافات المسننة المنقوشة حول الصحن، ومنبر لم يتبقَ منه سوى لوحة تذكارية محفوظة في متحف الجزائر، وعهد بذلك إلى الأمير عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة الذي «عمر الواهي من أركانه وجدرانه وبيَّضه وأصلح سقوفه وبلَّطه وفرشه وكساه حتى عاد حرمًا في وسط المدينة، واستجد به مقصورة حسنة»..

وعمل الأمير بيلبك الخازندار في الجامع مقصورة كبيرة رتب فيها جماعةً من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ومحدثًا يسمع الحديث النبوي والرقائق، ورتب بالجامع سبعة قراء لقراءة القرآن ومدرسًا؛ كما نال الجامع الأزهر اهتمامًا كبيرًا في عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون في فترة حكمه الثانية (698 - 708 هـ/ 1299 - 1309 م)، على إثر زلزال سنة 702 هـ/ 1301 م، وتولى عمارة الجامع الأمير سلار وقام بزخرفة كوشتي المحراب الفاطمي القديم..

وشيد في عهده الأمير علاء الدين طيبرس نقيب الجيوش، مدرسة على يمين الداخل من باب المزينين الآن سنة 709 هـ/ 1309 م ، وفي سنة 725 هـ/ 1324 م جدد القاضي نجم الدين محمد بن حسن الأسعردي محتسب القاهرة عمارة الجامع..

وشيد الأمير أقبغا عبد الواحد شاد عمائر الناصر محمد بن قلاوون مدرسة سنة 740 هـ/ 1339 م هي المدرسة الأقبغاوية، وتقع الآن على يسار الداخل من باب المزينين، مكان دار الأمير عز الدين أيدمر الحلي.

وفي عهد الملك الناصر حسن في فترة حكمه الثانية (755 - 762 هـ/ 1354 - 1361 م)، قام الأمير سعد الدين بشير الجمدار سنة 761 هـ/ 1359 م بتجديد عمارة الجامع وإنشاء حانوت على باب الجامع القبلي لتسبيل المياه، وعمل فوقه مكتبًا لتعليم أيتام المسلمين، ونتيجة لتلك الأعمال فقد ظل مؤذنو الأزهر يدعون للسلطان حسن أكثر من مئة سنة.

ناظر الأزهر

أما المماليك الجراكسة فقد بلغ اهتمام حكامهم بالجامع الأزهر وشؤونه أن أحدثوا منصبًا جديدًا في الأزهر هو منصب ناظر الأزهر، وكان الغرض منه هو ضمان الإشراف على الجامع وإدارة شؤونه، وكان منصب ناظر الأزهر من المناصب التي اختص بها الأمراء والمماليك وأحيانًا كان يتولاه حاجب الحجاب..

ومن نظار الأزهر من وصل لرتبة السلطنة مثل الظاهر جقمق (842 - 857 هـ/ 1438 - 1453 م). قبل استحداث هذا المنصب كان هناك مشرف يتولى شؤون الجامع وتحت يديه مجموعة من الموظفين، وكان الأمير بهادر الطواشي الذي تم تعيينه في عهد الظاهر برقوق (784 - 801 هـ/ 1482- 1399 م) في سنة 784 هـ/ 1382 م من نظار الجامع، وكان أول أعماله المرسوم الذي صدر لتنظيم المواريث بالأزهر.

ففي سنة 784 هـ/ 1382 م ولى الأمير الطواشي بهادر المقدم على المماليك السلطانية نظر الجامع الأزهر، فأصدر مرسومًا من الظاهر برقوق، بأن من مات من مجاوري الأزهر من غير وارث شرعي وترك موجودًا كان من حق مجاوري الجامع، ونقش ذلك على حجر عند الباب الشمالي الغربي.

وكان ناظر الجامع الأزهر يتولى الإشراف على نظافة الجامع الأزهر وفرشه والعناية بمن فيه، وكان عادة ما تسند نظارة الجامع الأزهر إلى أحد الأمراء المماليك فقد تولاها الأمير سودون في عهد المؤيد شيخ (815 - 824 هـ/ 1412 - 1421 م) سنة 818 هـ/ 1415 م، والأمير طرا باي الحاجب في عهد المظفر أحمد (824 هـ/ 1421 م).

فنون وتنوع

وفي سنة 800 هـ/ 1397م سقطت مئذنة الجامع فقام الظاهر برقوق بإعادة بنائها على نفقته الخاصة، وبلغت نفقتها عشرة آلاف درهم نقرة، واحتفل ببنائها وعلقت القناديل بها ليلة الجمعة حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها، غير أنها هدمت سنة 818 هـ/ 1415 م في عهد المؤيد شيخ المحمودي (815 – 824 هـ/ 1412 – 1421 م)..

وأعيد بناؤها وقد جلب لها الحجر من مدرسة الأشرف خليل بن قلاوون التي كانت تجاه قلعة الجبل، وعهد بعمارة المئذنة إلى الأمير تاج الدين الشوبكي، كذلك هدم الباب الغربي لأجل بناء تلك المئذنة التي هدمت سنة 827 هـ/ 1423 م لخلل فيها، وقام الأشرف برسباي (825 – 841 هـ/ 1422 – 1438 م) بإعادة بناء تلك المئذنة وأنشأ بالجامع صهريجًا للماء وشيد سبيلاً وأقام ميضأة..

وقد عمل الأشرف برسباي بأعلى الصهريج قبة على رقبة مرتفعة، وكان الماء يسيل من تلك القبة أشبه ما يكون بالنافورات التي نراها حديثًا، كذلك غرس بالصحن أربع شجرات ولكنها لم تفلح وماتت ؛ كما أنشأ الأمير بدر الدين جنكل ابن البابا ميضأة بالجامع كانت موجودة في عصر المقريزي (أي في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي).

كما قام الأمير جوهر القنقبائي خازندار الأشرف برسباي بتشييد مدرسة سنة 844 هـ/ 1440 م عند الطرف الشرقي للجامع الأزهر. ويذكر كريزويل نقلاً عن السخاوي أنه يبدو أنه كان هناك مشروع عمارة للجامع الأزهر سنة 850 هـ/ 1446 م، وقد كان يشرف على هذه العمارة الأمير سودون قبل نفيه إلى حلب، وقد اشتملت هذه العمارة على طلاء المحراب وصقل الأعمدة.

فنون معمارية

وقد عني الأشرف قايتباي (872 - 901 هـ/ 1468- 1496 م) عناية خاصة بالجامع الأزهر فأعاد بناء المدخل الرئيسي بالضلع الشمالي الغربي وذلك في رجب سنة 873 هـ/ يناير 1469 م، وكان هذا العمل أول أعمال الأشرف قايتباي المعمارية. كما رصد الكتاب العديد من المحطات في تاريخ الأزهر الشريف.

كان الأزهر الشريف محط أنظار الأوروبيين ففي سنة 1236 هـ/ 1820 م وضع باسكال كوست أول رسم لتخطيط الجامع الأزهر؛ حيث استطاع التحايل على شيخ الجامع ودخل الجامع وألقى نظرة عامة عليه من الداخل، ورسم بعض التفاصيل، وخاصة تفاصيل باب المزينين، وفي أواخر عهد محمد علي باشا في سنة 1258 هـ/ 1842 م زارت مصر السيدة صوفيا لين بول أخت المستشرق إدوارد لين بول..

وسجلت مشاهداتها في مصر، ومنها مشاهدتها للجامع الأزهر الذي زارته، كذلك قدم لنا الرحالة بيرتون الذي زار مصر سنة 1270 هـ/ 1853 م في أواخر عهد عباس حلمي باشا الأول وصفًا للجامع الأزهر والحياة فيه، وفي سنة 1272 هـ/ 1855 م نشر جيرو دي برانجي تخطيطًا آخر للجامع من الداخل وصورة للصحن الغربي، كما يرصد الكاتلوج الكثير من المحطات التاريخية المهمة في تاريخ الأزهر.

يأخذنا الكتاب في رحلة عبر الزمان والمكان تطوف بين أروقة الجامع ومدارسه، فيذكر أنه بعد بسط الدولة العثمانية سلطتها على مصر، بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الأزهر الشريف فيذكر ابن إياس في حوادث سنة 923 هـ/ 1517 م أن السلطان سليم العثماني (918 - 926 هـ/ 1512 - 1520 م) بعد أن تم له فتح مصر دخل الجامع الأزهر..

وحرص خلال الثمانية أشهر التي قضاها في مصر على أداء صلاة الجمعة بالجامع وكانت آخر جمعة قضاها بالجامع الأزهر جمعة السابعة عشرة من شهر شعبان سنة 923 هـ/ 4 من سبتمبر سنة 1517 م. وقد عني ولاة مصر في العصر العثماني بالجامع الأزهر وتجديد عمارته؛ فقد قام بتجديده سنة 1004 هـ/ 1595 م الشريف محمد باشا في عهد السلطان العثماني محمد الثالث (1003 – 1012 هـ/ 1595 – 1603 م) ..

وعمر به الوزير حسن باشا رواق الحنفية وفرش أرضيته بالبلاط في سنة 1014 هـ/ 1605 م ، وجدد الأمير إسماعيل بك ابن الأمير إيواظ القاسمي في سنة 1136 هـ/ 1723 م سقف الجامع. كما أمر السلطان أحمد الثالث (1114 - 1142 هـ/ 1703 - 1730 م) بصرف خمسين كيسًا من مال الخزانة بمصر لترميم الجامع الأزهر. وفي سنة 1148 هـ/ 1725م بنى الأمير عثمان كتخدا القزدوغلي زاوية يصلي فيها العميان سميت بزاوية العميان (هدمت فيما بعد)..

وكان يربطه بينها وبين المدرسة الجوهرية ممر من الحجر يمشي عليه، وكانت تحتوي على أربعة أعمدة وقبلة، وثلاث غرف للعميان لا يسكنها غيرهم، وجدد رواق الأتراك ورحبته ورواق السليمانية «الأفغانيين» وزاد في رواق الشوام.

كما يذكر الدمرداشي أن إبراهيم جاويش أغا في ولاية أحمد باشا (1162 - 1163 هـ/ 1148 - 1749 م) شرع في عمارة الجامع الأزهر، «وعمل وجه باب الجامع الأزهر بابين مثل أبوابه باب زيادة، وفوقه كتاب وبجانبه مادنة وزاوية من داخل الجامع وحوانيت برًّا» ..

كما يذكر أنه شرع في توسعة الجامع «واشترى أماكن في حوض السلطان وحوانيت هدهم، ومراده كان أن يدخلهم في الجامع الأزهر ليوسعه، وينقل الطريق قرب مطبخ الأزهر، فحصل له أمر أبقاه على خيرات وصدقة جارية».

وتعتبر أعمال عبد الرحمن كتخدا شيخ البنائين في العصر العثماني من أهم الأعمال المعمارية التي جرت في الجامع الأزهر عبر تاريخه فقد علق الجبرتي على هذه الإنشاءات قائلاً: «ولو لم يكن له من المآثر إلا ما أنشأه بالجامع الأزهر من الزيادة والعمارة التي تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك»، فقد زاد عبد الرحمن كتخدا من مساحة الجامع خاصة ناحية ظلة القبلة..

وأضاف 3 أبواب أحدها يعرف باسم باب المزينين والثاني يعرف بباب الصعايدة، والثالث يعرف بباب الشوربة تجاه الشارع الخارج إلى باب الغريب (البرقية)، بالإضافة إلى قبة ضريحية دفن بها سنة 1190 هـ/ 1776 م، وسبيل يجاور القبة الضريحية، وثلاث مآذن ذات قمة مدببة (خربوش) على النمط العثماني:

واحدة عند باب الشوربة خلف حائط القبلة الجديد، والثانية عند القبة الضريحية على يسار الداخل من باب الصعايدة، والثالثة كانت عند باب المزينين أزيلت عند التوسعة، وبناء الرواق العباسي بواسطة لجنة حفظ الآثار العربية، كذلك قام بترميم المدرسة الطيبرسية وأصلح ما فيها من الأعمدة الرخامية والمحراب.

حصن اللغة العربية

كان الأزهر الشريف حصن اللغة العربية ومدرسة الوسطية وشعلة الوطنية خلال فترة الاحتلال العثماني لمصر لذا عندما طرق الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت أبواب مصر محتلين كان للأزهر دوره التاريخي والنضالي؛ ففي الحادي والعشرين من أكتوبر سنة 1213 هـ/ 1798 م اندلعت ثورة القاهرة الأولى ضد قوات الاحتلال الفرنسي، وقد استطاع الثوار في هذا اليوم قتل الجنرال ديبوي..

وقد اتخذ الثوار من الجامع الأزهر مقرًّا لهم، مما دفع حاكم القاهرة الجنرال بون الذي خلف ديبوي إلى ضرب المدينة من على تلال الدراسة، فأطلقت أول القنابل على المدينة وبالتحديد على الجامع الأزهر ظهر يوم 22 من أكتوبر سنة 1213 هـ/ 1798 م، فانفجرت في الجامع، ثم انهالت القنابل على الجامع الأزهر والمنطقة المحيطة به حتى كاد أن يتداعى..

وتغلبت قوة النار على قوة الثوار، فاقتحم الفرنسيون الجامع الأزهر ، ويصف الجبرتي تلك اللحظات قائلاً: «ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيل وبينهم المشاة وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات».

متحف

متحف الفن الإسلامي بالقاهرة يحتفظ بلوحة أخرى نقلت إلى متحف الحضارة بالفسطاط نصها: «أمر بتجديد هذا الجامع سيدنا ومولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي على يد الخواجا مصطفى بن الخواجا محمود بن الخواجا رستم غفر الله لهم». ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بباب الخلق بسقف سبيل به كتابة بخط الثلث تدل على أنه من عهد الأشرف قايتباي، وثريا نحاس شغل سبك مخروطة الشكل وزلعة قيشاني لها أربع مآذن، نقلت إلى المتحف من الجامع الأزهر الشريف.

شاهد على تاريخ وطن وأمة

الجامع الأزهر الشريف ليس بناءً حجرياً كسائر الجوامع أنه شاهد على تاريخ وطن وأمة؛ لذا فإن الكتالوج لم يقف عند عمارة الجامع الأزهر الشريف، فقدم لنا مشاهد من الحياة في الجامع الأزهر الشريف عبر العصور كالاحتفال بالمولد النبوي والاحتفال بشهر رمضان ومجالس وحلقات العلم، ثم يتطرق الباحثون لواحدة من أهم دعائم الأزهر..

وهي أوجه البر والإنفاق والأوقاف التي حرص أهل مصر وحكامها وسلاطين المسلمين على توجيهها لرعاية شؤون الأزهر، وإعانته على رفع راية الإسلام، ثم يفرد الكتالوج الصفحات لتاريخ الجامع الأزهر الشريف في كفاح شعب مصر والزود عن ثوابته عبر التاريخ من خلال مجموعة من الوثائق والصور الجديدة..

حيث نجدنا نتوقف عند عبارة هامة جدًا توضح دور الأزهر الشريف في تاريخ مصرو حيث يذكر أوليا جلبي أنه «لم يكن يحدث اضطراب في مصر إلا ويخرج علماء الأزهر صائلين وجائلين جولة خطرة جدًّا»، دلالة على بأسهم ومنزلتهم.

قلعة الوطنية على مر العصور محط أنظار

يأخذنا الكتالوج إلى مشاهد من دور الأزهر الوطني على مر العصور، إذ يروي الباحثون كيف كانت الثورة تبدأ من الأزهر، حيث ذكروا أن المظاهرة كانت تبدأ بصعود الثائرين على مآذن الجامع الأزهر الشريف يدقون الطبول، وتعلو أصواتهم هاتفة بسقوط الظلم، وداعية التجار إلى غلق حوانيتهم..

وكانت الدراسة تتعطل مشاركة من العلماء والطلبة للجماهير في مشاعرهم، ثم يخرج الموكب الصاخب يتقدمه شيخ الجامع وعلماؤه ومجاوروه ويتجهون إلى الحاكم الظالم ويطلبون منه رفع المظالم عن الشعب، ولا يسع هذا الحاكم إلا أن ينزل على رغبتهم. ففي شهر ذي الحجة 1209 هـ/ يوليو 1795 م تزعَّم علماء الجامع الانتفاضة الشعبية التي حدثت في القاهرة ردًّا على المظالم التي تعرض لها الشعب على يد المماليك..

فما كان من إبراهيم بك إلا أن أرسل إلى علماء الجامع يسترضيهم فوقع الصلح الذي حضره كل من مراد بك والوالي العثماني صالح باشا القيصرلي. كما كان لعلماء الجامع دور في التوسط الذي حدث بين نابليون بونابرت وأهل القاهرة لتأمين المدينة قبل دخول الفرنسيين.

دور العلماء في شحذ الهمم

برز دور علماء الجامع في التصدي لحملة فريزر الإنجليزية على مصر سنة 1222 هـ/ 1807 م واستطاعوا شحذ همم الشعب المصري للجهاد وتقديم المعونة لقوات محمد علي باشا المتجهة لصد الإنجليز في مدينة رشيد.

وكان لبعض علماء الجامع دور كبير في دعم أحمد عرابي باشا في ثورته ومقاومته للإنجليز الذين استعان بهم الخديوي لتثبيته في الحكم، ومنهم الشيخ شمس الدين محمد الإمبابي شيخ الجامع والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد عبده الذين اعتبروا الخديوي محمد توفيق مارقًا عن الدين وأجازوا عصيان أوامره ودعوا إلى التطوع في الجيش المدافع عن مصر وتقديم التبرعات له.

طلاب الأزهر وثورة 1919

مع قيام ثورة 1338 هـ/ 1919 م تقدم علماء الأزهر وطلابه جموع الشعب المصري، وأصبح الجامع الأزهر مركز الإثارة..

حيث تلقى فيه الخطب المحرضة النارية ليلاً ونهارًا حسبما تشير مذكرة وكيل وزارة الخارجية البريطانية حول أحداث الثورة، ولم يتورع جنود الاحتلال البريطاني من انتهاك حرمة الجامع الأزهر كما فعل الفرنسيون؛ ففي صباح يوم 18 ربيع الأول 1338 هـ/ 11 من ديسمبر 1919 م تحركت مظاهرة من الجامع الأزهر غير أن الجنود الإنجليز طاردوا المتظاهرين حتى بوابات الجامع الأزهر..

فاحتمى الثوار بالجامع فقام الجنود الإنجليز باقتحام الجامع بنعالهم وعصيهم منتهكين حرمة الجامع واعتدوا على إدارة الجامع والموظفين وحاولوا كسر الباب الموصل إلى القاعة المخصصة لشيخ الجامع الأزهر، وقد أرسل مشايخ وعلماء الجامع رسالة شديدة اللهجة إلى السلطان أحمد فؤاد الأول وإلى يوسف وهبة باشا رئيس مجلس الوزراء آنذاك والجنرال اللنبي المندوب السامي البريطاني، والذي سارع إلى تقديم اعتذار رسمي لشيخ الجامع الأزهر.