ونحن صغار، كانت وحدها روافد الإلهام والإبداع والمعرفة، التي نهلنا منها معارفنا وشكلنا من خلالها ثقافتنا وهويتنا المعرفية، هذه هي هيئة بيوت وقصور الثقافة المنتشرة في كل مدن مصر، التي كانت على الدوام بؤرة نشاط لكل باحث عن المعرفة والثقافة والفن والإبداع تحت مسمى الهيئة العامة لقصور الثقافة.

أنشئت الهيئة في بادئ الأمر تحت مسمى الجامعة الشعبية عام 1945، وتغير اسمها في سنة 1965 إلى الثقافة الجماهيرية، وفي عام 1989 صدر القرار رقم 63 لتتحول إلى هيئة عامة ذات طبيعة خاصة أصبح اسمها الهيئة العامة لقصور الثقافة وتابعة لوزارة الثقافة، وتهدف إلى المشاركة في رفع المستوى الثقافي وتوجيه الوعى القومى للجماهير في مجالات السينما والمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والفنون التشكيلية وخدمات المكتبات في المحافظات من خلال بيوت وقصور الثقافة والمكتبات.

دور داعم

يقول أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ: «الحرية هي ذلك التاج الذي يضعه الإنسان على رأسه ليصبح جديراً بإنسانيته، فلا بد أن تكون حراً في فكرك وعقلك وثقافتك، وهذا ما توفره الهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث تفتح للقارئ المجال الواسع لاستقاء المعلومات والعلوم والثقافات والحضارات دون قيد أو شرط في الاطلاع».

وتلعب الهيئة التي تعتبر من أهم الوجهات الثقافية في مصر، دوراً داعماً للثقافة في جوانبها المختلفة، حيث تهدف إلى الارتقاء بالمستوى الثقافي للجماهير، وكذلك تسهم في توجيه الوعي القومي وذلك في كل الجوانب الفنية والأدبية، مثل الموسيقى والسينما والفنون الشعبية والتشكيلية، كذلك تهتم الهيئة بشكل خاص بالطفل ونشاطاته، وذلك من خلال نشاطات يتم تقديمها في مختلف أنحاء الجمهورية.

عروض تراثية

الهيئة التي تقع بشارع القصر العيني في قلب القاهرة، تضم العديد من الأنشطة لا تقتصر فقط على الكتب أو المجلات للاطلاع والتثقيف، بل تتطرق للمعارض والعروض الراقصة التراثية، حيث ترعى الهيئة نشاط «فرقة التنورة التراثية»، ويقع مقر الفرقة في وكالة الغوري بالقاهرة، أحد الأماكن المخصصة لإحياء الأشكال التراثية الفنية، وقد تكونت الفرقة في فبراير 1988 وعروضها مستمرة بشكل دوري طوال العام خلال أيام السبت والاثنين والأربعاء كل أسبوع، وسبق أن شاركت في العديد من برامج التبادل الثقافي الخارجي والمهرجانات الدولية، كما قدمت عروضها في كل من كندا، الولايات المتحدة، فنزويلا، التشيك، النمسا، المجر، رومانيا، بلغاريا، تركيا، سويسرا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، إسبانيا، البرتغال، المملكة المتحدة، إيطاليا، اليونان، مالطا، السويد، النرويج، الدنمارك، فنلندا، أستراليا، اليابان، الصين، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية، سنغافورة، الهند، كينيـا، المغرب، الجزائر، تونس، الأردن، سوريا، المملكة السعودية، اليمن، الإمارات.

علاقات دولية

ولا ينتهي دور الهيئة عند هذا الحد، حيث تقيم العديد من المهرجانات الدولية بالتنسيق مع العلاقات الخارجية لتنفيذ بروتوكولات ثقافية بين مصر وجميع دول العالم، وأخرى داخلية تهدف للتواصل مع جميع القطاعات الثقافية بداخل أنحاء مصر، كذلك تنظيم القوافل وهي المسؤولة عن المهرجانات التي تقام مع الدول الحدودية.

كل هذا إلى جانب إقامة الندوات والمؤتمرات والاحتفالات الثقافية التي يتم بها استضافة كبار الكتاب والفنانين في مختلف المجالات.

ولم تغب لغة العصر عن اهتمامات الهيئة، فقد دشنت ما يعرف بـ«نوادي التكنولوجيا»، إدراكاً من الهيئة بأهمية التكنولوجيا ودورها في الثقافة والارتقاء بالمثقف، حيث تم افتتاحها لأول مرة عام 2003، وبلغ عددها في هذا العام 16 نادياً، حتى وصل الآن إلى 49 نادياً على مستوى الجمهورية.

دور محوري

إلى ذلك يرى الناقد المسرحي د.أحمد سخسوخ، أن الهيئة العامة لقصور الثقافة تلعب دوراً هاماً في الثقافة في مصر، والارتقاء بالمثقف، واطلاعه على جميع أنواع الثقافات، والأعمال الأدبية من لغاتٍ عِدة.

وأشاد سخسوخ بمشروع النشر الإقليمي الذي يهدف إلى إصدار مجموعة متميزة من الإبداعات الأدبية المتنوعة لأدباء مصر في الأقاليم، وذلك في شكل مجلات ثقافية وسلاسل كتب.

وأشار إلى أن مشروع كهذا يُحقق الهدف الأكبر وهو اكتشاف المواهب الأدبية وصقلها، من خلال تقديم النقد العلمي الجاد، كذلك يسهم بدوره في تنشيط الحركة الأدبية، ويقدم للساحة الأدبية أعمالاً تحمل رؤية رفيعة المستوى وذات طابع مختلف.

وأضاف سخسوخ أن الهيئة أسهمت في إنشاء وتدعيم مثقفي العديد من الأجيال السابقة، وتلعب دوراً بارزاً في إثراء الثقافة العربية؛ من خلال النشر والتوزيع وكذلك تبني الكتاب الجدد والشباب، كما أنها تدعم فكرة الترجمة، التي تعد أحد أهم الدعائم في الثقافة، حيث الاطلاع على الآخر ومعرفة سبل تطور العلوم والفنون في أنحاء العالم، وهو ما يعد خطوة في مسار الاتجاه الصحيح الذي تسلكه الهيئة.

وعي قومي

بدورها، أوضحت الروائية والكاتبة الصحافية سكينة فؤاد، أن وزارة الثقافة المصرية تقوم بعدد من النشاطات المحمودة، التي تضيف لحقل الثقافة العربية والوعي القومي للمواطن.

كما أشادت بدور الهيئة المتنوع، فهي لا تقتصر فقط على إصدار الكتب بل تبحر في أعماق الثقافة وتصدر سلاسل أدبية عدة متخصصة موسوعية وشاملة وتضم جميع الفنون من بينها سلسلة «الدراسات الشعبية»، التي تعني بنشر الدراسات المتعلقة بالفلكلور والنصوص والسير والملاحم الأدبية الشعبية، والأقاصيص والسير القديمة، مثل «السيرة الهلالية» وغيرها من السير التي تغذي الروح والقلب بجمالياتها.

مجلات ونشرات في مختلف مشارب الثقافة

يُصدر عن الهيئة «أطلس الموروثات الثقافية»، وهي الثقافة التراثية المتنوعة سواء بشمال مصر أو بالجنوب، كذلك مجلة «قطر الندى» التي صدر منها أكثر من 500 عدد حتى الآن، وتهتم بالأطفال وموضوعات المراهقين، وتطرح كل هذا بشكل أدبي مبسط محبب إلى الطفل والمراهق في الأدب، وتدفعه للقراءة في مختلف المجالات، لاسيما أن المجلة تعرض تفاصيل مبسطة عن العلوم المختلفة.

كما يصدر عن الهيئة مجلة «الثقافة الجديدة»، التي تهتم بالأعمال الأدبية والدراسات الأدبية، وتضم عدداً كبيراً من الكتاب والباحثين والدارسين في مختلف ألوان المعرفة والثقافة.

كذلك تصدر سلسلة «آفاق السينما»، التي تنشر دراسات متخصصة في الثقافة السينمائية والدراما بشكل عام، أيضاً «أصوات أدبية» و«كتابات نقدية»، و«حكايات مصر»، و«آفاق عربية»، و«آفاق عالمية»؛ وصولاً إلى سلسلة «إبداعات» التي تهتم بنشر إبداعات الشباب وتصدر بشكل شهري.

مؤتمر أدباء مصر

تقوم الهيئة تقوم بتنظيم مؤتمر كل عام وهو مؤتمر أدباء مصر الذي بدأ مسيرته في عام 1983، حيث تقدم به الدكتور يسري العزب والأستاذ محمد الجمال مدير إدارة الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية في ذلك الوقت.

وكان آخر مؤتمر عقد في عام 2013 وكانت الدورة الثامنة والعشرون تحت عنوان «الثقافة المصرية بين الوحدة والتنوع»، وجمعت هذه الدورة عدداً من اللقاءات والمناقشات للقضايا التي تهم مجتمع المثقفين وتتطرق لقضايا الثقافة في مصر.

وتهتم الهيئة بالمسرحيين على وجهٍ خاص، وتصدر جريدة «مسرحنا»، التي تهتم بالفنون المسرحية المصرية، التي تقدم على المسارح في أنحاء الجمهورية، وتعني بالنقد المسرحي والفني بشكل عام، كما تهتم بالأبحاث المسرحية والبحوث التي تقوم على أسس ومناهج فنية، وتعكس الجريدة وعي المجتمع المسرحيين وتواصلهم مع المجتمع بطريقتهم.