واكبت علوم الفن وفلسفته وجود الفن نفسه، لكنها لم تأخذ ماهيتها الحقيقيّة وعمقها، إلا في عصر الإغريق، حيث ظهرت الفلسفة وروادها البارزون أمثال: أفلاطون وسقراط وأرسطو وجوليانوس وأموس، وصولاً إلى هيغل وسنتيانا ومولر ولالو ومالرو وسوريو وموريس وآلان وتين ويونغ وبرجسون وشبنهور..
وغيرهم، وصولاً إلى قديس الفلسفة العربيّة الدكتور زكريا إبراهيم الذي أفرد كتباً لمشكلات: الحرية، الإنسان، الحياة، الفلسفة، الحب، الخليقة، البنية، وسيكولوجية المرأة.
أما كتابه «مشكلة الفن»، الصادر عن مكتبة مصر مطلع سبعينيات القرن الماضي، فقد كان ولا يزال من أهم المراجع النظريّة لطلبة الفنون الجميلة في الوطن العربي. ويُعتبر الدكتور إبراهيم من الجيل الثالث من الفلاسفة المصريين. تزامن إنتاجه الفلسفي والفكري مع عقد الخمسينيات والستينيات حتى منتصف السبعينيات حيث توفي في منتصف عام 1976.
علم الجمال
في تصديره لكتاب «مشكلة الفن»، يُقر إبراهيم أنه دخيل على الفن، وأنه تردد مراراً قبل أن يقحم نفسه على ميدان الدراسات الفنيّة الجماليّة، رغم علمه أن الكثيرين ممن كتبوا في الفن لم يكونوا فنانين، أو مؤرخي فن، ولكن الدرس الأول الذي تعلمه من احتكاكه الطويل بجمهرة الفنانين هو التأني في الإنتاج.
وهكذا كلما هَمّ بالكتابة في الفن، يتذكر قصة مايكل أنجلو الذي رُوي عنه في ختام حياته أنه سُئل يوماً: إلى أين تمضي هكذا سريعاً وقد غطت الثلوج شوارع المدينة؟ فما كان منه سوى أن أجاب بقوله: إنني ذاهب إلى المدرسة، فلا بد لي من أن أحاول تعلم شيء قبل أن يفوت الأوان!
يعقّب الدكتور إبراهيم على الحادثة، مشيراً إلى أنه قد يكون في استطاعة السرعة أن تحصل على «إذن دخول» في أي ميدان من الميادين، اللهم إلا ميدان الفن، فليس من طبيعة الإنتاج الفني أن يكون وليد العجلة والتسرع واللهفة والاندفاع، وليس من طبيعة التذوق الجمالي أن يتولد عن النظرة العابرة، أو القراءة الخاطفة، أو الاستماع السريع.
ولهذا يؤكد علماء الجمال أنه لا بد لطالب المتعة الفنيّة من أن يعود إلى العمل الفني مرة بعد أخرى، حتى يستطيع أن يستشف ما فيه من جوانب غامضة، غابت عنه في المرات السابقة، فما كان للعمل الفني أن يبوح بسره للمتأمل العابر، أو الناظر المتعجل، وهو الإنتاج البطيء الجهيد الذي لم يولد إلا بعد صراع عنيف ضد المادة.
عاشق الفن
ويرى إبراهيم أن العاشق بشكل عام، قلما يقوى على كتمان حبه إلى الأبد، أما عاشق الفن فهو أعجز العشاق جميعاً عن الصمت، وأشدهم ضيقاً بالكتمان.
وهكذا كان لا بد له من أن يتكلم، وأن يعلم حق العلم، أنه ليس في وسع من كان في عيه سوى أن يقترب من محراب الفن خاشعاً مرتجفاً، معفراً جبهته تحت أقدام ربات الشعر Muses، وليس يشفع لمثله حين يقدم على الكتابة في الفن، سوى عشقه للألوان والأنغام والأضواء والصور.
وبتواضع الكبار، يعترف الدكتور إبراهيم بأنه واحد من أولئك الهواة الذين سخر منهم أفلاطون وأشفق عليهم، خصوصاً في جمهوريته العتيدة، حين يتحدث عن محبي النظر والسمع، ممن يطربون للجميل من الأصوات والألوان والصور، دون أن يكون في وسعهم أن يرتقوا بأفكارهم نحو الجمال المطلق.
غير أن الدكتور إبراهيم يستدرك مؤكداً أن هذه التسمية لن تسوء هؤلاء (وهو واحد منهم)، ما داموا يقرّون منذ البداية، بأنهم لا يعرفون عن «الجمال المطلق» أو «مثال الجمال» أكثر مما يعرف الضرير عن الألوان!
الموضوع الجمالي
ويضيف مستدركاً أنه ما كان ثمة «جمال مطلق» حتى نعرف عنه شيئاً، وإنما هناك أشياء جميلة تقع عليها عيوننا، وموضوعات جماليّة «أستطيقيّة» يكشف لنا عنها تذوقنا الفني، سواء قلنا إن الطبيعة جميلة في ذاتها، أم قلنا بأن منظار الفن هو الذي يخلع على الطبيعة كل ما ننسبه إليها في العادة من جمال، فإننا لا بد أن نعترف في كلتا الحالتين، بأن للموضوع الجمالي وجوده العنيد بوصفه شيئاً، ولكن الشيء حين يتبدى في كل عمقه وبهائه ومجده وأوج عظمته.
يحصر الدكتور زكريا مهمة الفنان في عملية تحويل «المحسوس الخام» إلى «محسوس جمالي».
وعلى حين أن الموضوعات النفعيّة تحوّل انتباهنا دائماً إلى ما جُعلت من أجله، أو ما تهدف إليه من غاية، نجد أن الموضوع الجمالي إنما هو الموضوع الحسي الذي يستأثر بانتباهنا، دون أن يُحيلنا إلى شيء آخر يخرج عنه، لأنه غاية في ذاته، من جهة، ولأنه لا ينطوي على أي فاصل بين المادة والصورة، من جهة أخرى.
فالموضوع الجمالي بهذا المعنى إنما هو ذاك الموضوع المحسوس الذي لا تبقى مادته إلا إذا ظل محتفظاً بصورته، وهذه الوحدة الكامنة في أعماق الموضوع الجمالي بين المادة والصورة، هي التي تجعل العمل الفني أقوى تعبيراً عن البعد الإنساني من أبعاد الواقع. وتبعاً لذلك فقد يكون في وسعنا أن نقول: إن الفن إنما هو هذا الذي لولاه لبقيت الأشياء على ما هي عليه.
ولكن الأشياء قد اندرجت في عالم تجربتنا الجماليّة، فكان من ذلك أن اكتسب المحسوس صبغة إنسانيّة، وأصبح هو ذلك الموضوع الذي يُعبّر عن وحدة الكوني والوجودي (على حد تعبير هيغل)، وربما كانت المشكلة الكبرى في الفن هي هذا الاتحاد العجيب الذي يتم بين المادة والصورة، والشكل والموضوع، وبين الموجود في ذاته والموجود لذاته (كما يقول سارتر).
وستكون عندها كل مهمتنا في هذه الدراسة الفلسفيّة للفن، أن نصف الموضوع الجمالي على نحو «فنومنولوجي»، وأن نحلل بناء العمل الفني، وأن نتعمق في الدلالة الإنسانيّة للفن، وأن نحاول الوقوف على طبيعة الصلات بين الفنان والجمهور أولاً، ثم بين الفنان وعمله الفني ثانياً.
ولكننا لن نتناسى خلال هذه الدراسة لمشكلة الفن أن الموضوع الجمالي ليس مجرد موضوع ميتافيزيقي، أو موضوع طبيعي، أو موضوع اجتماعي، وإنما هو أولاً وبالذات، موضوع جمالي يتميز بنوعيّة خاصة وفرديّة أصيلة.
التباس المصطلح
ويرى إبراهيم أن اللفظ أو «المصطلح»، حين يصبح من السعة بحيث يصدق على كل شيء، فإنه عندئذٍ قد لا يعني أي شيء! ولفظ «فن» أصبح اليوم واحداً من تلك الألفاظ العائمة التي تلوكها الألسن كل حين دون أن يكون لها مدلول واضح في أذهان العامة أو المتخصصين.
ولو رجعنا إلى الأصل الاشتقاقي لكلمة فن باليونانية، لوجدنا أنها تعني النشاط الصناعي النافع بصفة عامة، أما عند العرب، فكانت تعني الصناعة، أو النشاط الإنتاجي الخاص، ويفسرها معجم لالاند الفلسفي بأنها مجموعة العمليات التي تُستخدم عادة للوصول إلى نتيجة معينة، أو أنها أيضاً كل إنتاج للجمال يتحقق في أعمال، يقوم بها موجود واعٍ، أو متصف بالشعور.
أما الفيلسوف سنتيانا فيعرّف الفن بأنه متعة جماليّة، أو لذة جماليّة، وغيره الكثير من الكتاب المحدثين يربطون بين مفهوم الفن ومفهوم الجمال، أو القدرة على توليده، أو المهارة في استحداث متعة جماليّة.
أما الفيلسوف كنت فيفرّق بين الفن الذي هو نشاط تلقائي حر، في حين أن المهنة صناعة مأجورة تهدف إلى المنفعة، وترمي إلى الكسب. ويعرّف المفكر الألماني لانج الفن بأنه مقدرة الإنسان على إمداد نفسه وغيره بلذة قائم على الوهم، وليس له أي غرض شعوري يرمي إليه سوى المتعة المباشرة.
أما الذي رفض إدخال مفهوم الجمال أو اللذة في تعريف الفن فهو الروائي الروسي تولستوي، بل حمل بشدة على المذاهب التي نحت هذا المنحى، مؤكداً أن تعريف الفن بالاستناد إلى ما يتولد عنه من لذة أشبه ما يكون بتعريف الطعام بالاستناد إلى ما يسببه لنا من متعة أو لذة.
في حين أن المهم هو معرفة الدور الذي يؤديه في حياة الإنسان أو الإنسانيّة بصفة عامة، فهو مظهر من مظاهر الحياة البشريّة، وإحدى وسائل الاتصال بين الناس، وهو لا يقل أهمية عن الكلام، لأنه لو لم تكن لدينا تلك المقدرة على التعاطف مع الآخرين عن طريق الفن، لبقينا متوحشين، منعزلين، يحيا كل منا بمنأى عن الباقين.
ويؤكد تولستوي أن الفن ضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين، بطريقة شعوريّة إراديّة.
طبيعة وفن
ويقول إبراهيم إن الجمال كائن في الطبيعة، ونحن نلتقي به في عالم الواقع على أشكال عديدة متنوعة. ولكن بمجرد ما يُكتشف الجمال، فإنه سرعان ما يصبح ملكاً للفن. أو بالأحرى لذلك الفنان الذي يعرف كيف يراه.
والجمال هو الواقع نفسه، وهو حين يصبح مرئياً فإنه ينطوي في صميم ذاته على تعبيره الفني، وليس من حق الفنان أن يُدخل على هذا التعبير أي توسع أو تهويل أو مبالغة، لأن الجمال الذي تقدمه لنا الطبيعة لهو أسمى بكثير من كل ما قد يستطيع الفنان أن يجمعه أو يؤلفه، بيد أن الطبيعة «كما قال ويسلر» لا تقدم لنا لوحات فنيّة، مع أنها تحوي من حيث الشكل واللون جميع العناصر التي تحويها اللوحات الفنيّة.
ومن حيث العلاقة بين الفن والصناعة يؤكد أن الصناعة ليست مجرد بداية للفن فحسب، وإنما هي مبدأ الجمال أيضاً، بمعنى أنه ليس ثمة فاصل على الإطلاق بين الفن والصناعة، أو بين الموضوع الجمالي والموضوع النفعي.
علوم
تُعتبر علوم الفن النظريّة وشتى ضروب الفلسفة التي تناولت مشكلاته بالشرح والتحليل، زاداً مهماً للمختصين في هذا المجال، سواء كانوا من الفنانين التشكيليين أو من المشتغلين على الفنون الأخرى كالمسرح والسينما والدراما وغيرها، لأن بمثل هذه العلوم والدراسات والتحليلات، يتعمق الإنتاج الإبداعي العملي للفنان ويتطور باستمرار.
الظاهرة الفنيّة عمل اجتماعي
يرى كتاب «مشكلة الفن» أن الفن عمل اجتماعي، والفنان أولاً، وقبل أي شيء رجل محترف مهنة، والظاهرة الفنيّة هي في الأصل مجرد ظاهرة اجتماعيّة، ما دام الفنان هو مجرد رجل محترف يقوم بإنتاج أشياء تحتاج إليها الجماعة.
وإذا ما أقرينا مع أرسطو أن من شأن الفن أن يصنع ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه، لكن مهمة الفن مع ذلك، لا تنحصر في إمدادنا بصورة مكررة لما يحدث في الطبيعة، وإنما تنحصر في العمل على التغيير في طبيعة الطبيعة، وباستطاعة الفنان عن طريق الإدراك المباشر أن ينفذ إلى باطن الحياة، وأن يسبر أغوار الواقع.
ويرى مؤلف الكتاب الدكتور زكريا إبراهيم أنه إذا كان من الخطأ أن نفصل الفن عن الحياة فصلاً مطلقاً، ما دامت مهمة الفن «على حد تعبير شارل لالو»، إنما تنحصر في خلق عالم خيالي يجيء مغايراً لعالمنا الواقعي بوجه من الوجوه.
ويتساءل: هل ينبغي للفن أن يعبر عن الحقيقة؟ العديد من علماء الجمال أكدوا أنه ليس ثمة ما يلزم الأدب والشعر والفنون التمثيليّة بأن تعمد إلى محاكاة الواقع الذاتي أو الموضوعي، بل كل مهمتها تنحصر في إثارة نفس المتلقي، سواء بتوليد معانٍ جديدة، أم بإحداث آثار نفسيّة عنيفة داخله، تنبثق معها حقيقة جديدة لم يكن له بها عهد. فليس من شأن الفن أن يحيلنا إلى عالم معروف، موضوعياً كان أم ذاتياً، بل لا بد للفن من أن يضعنا وجهاً لوجه، بإزاء عالم آخر فريد من نوعه هو العالم الفني.
التعبير أداة فعالة تمنح العمل الفني وحدته وطابعه الخاص
يحدد كتاب «مشكلة الفن» عناصر العمل الفني بالمادة والموضوع والتعبير، فلكل فن مادته التي تكون هي اللفظ أو الصوت أو الحركة أو الرخام أو الألوان.. إلخ. أما الموضوع فيعني ما تمثله اللوحة أو التمثال أو القصيدة أو الرواية، إذ ينتظم المحسوس الجمالي على شكل علامة.
أما التعبير الذي ينطوي عليه العمل الفني فقد يكون أعسر عناصره قابلية للتحليل، ذلك لأن ما يبوح به ليس بالمعنى العقلي الذي يمكن فهمه وتأويله، وإنما دلالة وجدانية تُدرك بطريقة حدسية مباشرة.
والتعبير هو الأداة الفعالة التي تخلع على العمل الفني وحدته أو صورته أو طابعه الخاص، فليس التعبير مجرد عرض خارجي قد تلبس بالعمل الفني، وإنما هو منه بمنزلة مركز إشعاع تنتظم فيما حوله سائر مقومات العمل الفني الأخرى.
كما عليه أن يجعل من المحسوس لغة أصيلة تحمل طابع الطراز أو الأسلوب، ولكنها لا تدين بشيء للمنطق، فليس من شأن العمل الفني أن يحيلنا إلى شيء آخر غيره، حتى لو كان هذا الشيء هو الواقع نفسه، وإنما تنحصر مهمة العمل الفني في أن يحدثنا عن الواقع بلغته الخاصة.






