كانت الفنون الإسلاميّة ولا تزال، موضوعاً مغرياً للعديد من الباحثين في الشرق والغرب، لما تتمتع به من خصائص فريدة، من أبرزها التصاقها بالحياة اليوميّة للإنسان: بعمارته الخارجيّة والداخليّة والأثاث، وبالحرف والمشغولات والصناعات اليدويّة، وفنون الإعلام والإعلان والكتاب، وغير ذلك مما له علاقة بممارسات الإنسان اليوميّة المتعلقة بعبادته وتجارته وعاداته وتقاليده. ولأن المصدر الأساس للفنون الإسلاميّة هو العقيدة الإسلاميّة، فقد منحتها وحدة لافتة: شكلاً ووظيفةً.

الأكاديمي اللبناني الدكتور غازي مكداشي، حاول في كتابه »وحدة الفنون الإسلاميّة«، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، تتبع هذه الوحدة في العمارة والخط والموسيقى، من خلال دراسة جماليّة فلسفيّة مدعومة بالشواهد والقرائن البصريّة المختلفة، وقد اختار الباحث مكداشي هذه الميادين الثلاثة، لتمركز خبرته العمليّة والميدانيّة فيها، إضافة إلى أن كلاً من هذه الفنون الثلاثة، ينتمي إلى ميدان مختلف كل الاختلاف عن الآخر في وسيلته التعبيريّة.

ففن العمارة قائم على أبعاد الفضاء الثلاثة، وفن الخط يقوم على بعديّ المساحة، أما الموسيقى فهي فن يقوم على بُعد واحد هو الزمن. مع ذلك فإن هذه الفنون الثلاثة تتشابه مع بقية الفنون الإسلاميّة في جوانب أسلوبيّة كثيرة من أهمها »فن الزخرفة«، الذي يلتقي وفن الخط في كثير من مجالات وسائل التعبير لدرجة التداخل معه، حتى نكاد أحياناً نعجز عن الفصل بينهما لشدة انصهارهما في بوتقة واحدة.

استشراق وأصالة

ويُشير الباحث مكداشي في كتابه إلى القاعدة التي اعتمدها الكثير من المستشرقين في دراساتهم والتي تقول إن العرب المسلمين الأوائل، خرجوا من الجزيرة العربيّة خُواة الوفاض إلا من شيء واحد هو »اللغة القوية الجميلة«.

على هذا، فإن تفريغ الإنسان العربي المسلم من إرثه الفني المحتمل وجوده قبل الإسلام، يهيئ عند المستشرقين الموقف القائل بأن نتاجات العمارة والفنون الإسلاميّة »بلا أصالة«، وأصحاب هذا الرأي يجدون في الفن الإسلامي وعاءً فارغاً تجمعت فيه عناصر أوّليّة متفرقة استوردت. بمعنى أن المرحلة الإسلاميّة بالنسبة لهم اقتصرت على ساعي البريد الذي نقل نتاجات حضارات غربيّة لتسليمها بعد حوالي عشرة قرون لشعوب غربيّة.

بالمقابل، قام عدد من المستشرقين بالتصدي لمثل هذه المواقف، رادين أسبابها للصعوبة التي يجدها الباحث الغربي في الخروج من إطار المقاييس والمعايير الجماليّة الخاصة بالحضارة الغربيّة. من هؤلاء إتيان سوريو، الذي أكد أنه حتى نستطيع استكمال اللوحة للإحساس الجمالي الإنساني، علينا عدم إغفال النظر إلى الجماليّة الهنديّة أو اليابانيّة أو العربيّة.

والحقيقة المؤكدة، هي أن اليد العربيّة الماهرة والمتواجدة خاصةً في بلاد الشام والعراق ومصر، إلى جانب اليد الماهرة في بلاد فارس، كان لها دورها الكبير في انطلاقة العمارة والفنون الإسلاميّة كافةً، ضمن منهجيّة وتأليف جديدين.

عمارة إسلاميّة

أفرد الكتاب بابه الأول لتأسيس العمارة الإسلاميّة وأصالتها التي جاءت منسجمة مع الفكر الجديد، والمتصالحة مع حاجات الناس. فقد شكل المسجد مصدرها الأساس، وبالتحديد المسجد النبوي الشريف الذي قام بتصميمه المعماري البسيط والفطري، وحقق بصيغة تطبيقيّة على الأرض، ولأول مرة، المنهجيّة التي بها ستسير عملية البناء الطويلة للعمارة الإسلاميّة، والقائمة على إيجاد الأساليب المبتكرة الحديثة في كل زمان وفي كل موقع جغرافي.

لهذا لم يسع المهندسون والحرفيون المسلمون لتحقيق شكل محدد، ولا إظهار مادة معينة، بل اتجهوا للتخفيف من ماديّة المادة، وكسر جمود الشكل كالتربيع والتكعيب، والذي يحمل أصلاً رموز الثبات الشامل، إلا أنه ليس مطلوباً إلغاء المادة نهائياً، والسعي نحو روحها بالخالص، لكون الإسلام يأخذ بعين الاعتبار واقعيّة الأشياء وعدم خلود المادة، كما أن ليس مقبولاً في العمارة أن تظل المادة أو الشكل كما هما نهائياً بظاهرها الجامد غير المتطور.

لذا هناك سعي متواصل دؤوب من قبل المعماريين والفنيين في العمارة الإسلاميّة للتعامل مع كل من المادة والشكل. بناءً على المعتقد القائل بتطور المادة وكأن لها جسداً وروحاً متلازمين.

شخصية العمارة

من جانب آخر، كان السعي وراء الشخصيّة المنشودة للعمارة الإسلاميّة من قبل المهندسين والحرفيين والفنانين المسلمين، يتحقق ضمن خيارات معماريّة وإنشائيّة اتبعوها عبر التاريخ الطويل، فكان من هذه الخيارات ما يطال البنية العامة لعمارة المسجد، وكان منها ما يطال المفردات المعماريّة.

على هذا الأساس، يمكن القول إن البنية العامة لعمارة المساجد، إلى جانب ما كانت تلبيه من الحاجات الوظائفيّة، كانت أيضاً بالغالب موحدة وتلبي بالأساس الإيحاءات المطلوب تحقيقها، وتحدد بالخصائص التالية: اللامحوريّة النابعة من صفة المربع لشكل الكعبة، وصفة الانغلاق والانفتاح النابعة من حركة الطواف حول الكعبة.

من هنا، أعطى الاعتقاد الإسلامي العمارة مرونة وقابليّة للتطور المستمر وعدم الثبات على تشكيل واحد لها، إلا أن هذا كان يحدث ضمن الحفاظ على الرسالة المطلوب تحقيقها والتي مصدرها الأجواء الناتجة عن الطواف حول الكعبة بالدرجة الأولى، إلى جانب مؤثرات المعتقد الإسلامي الذي مبدؤه التوحيد والتجريد.

فن تجريدي وطرب

تناول الكتاب في بابه الثاني، الفن التجريدي الإسلامي وفن الطرب الموسيقي، حيث بيّن أن طريقة التعبير الفني عند شعوب المنطقة العربيّة في العصر البيزنطي كانت قريبة من التجريد، وهذا يعود إلى اعتبارهم في ذلك الوقت المسيح روحاً أكثر منه جسداً.

من ناحية ثانية، توصل الغرب إلى الفن التجريدي أوائل القرن العشرين، وظل مختلفاً في كثير من النواحي الجوهريّة والأسلوبيّة عن الفن التجريدي الإسلامي. فالتجريد الغربي أراد تحرير الإنسان من قوالب الحياة الجامدة، فانطلق به إلى آفاق اللامعقول. أما التجريد الإسلامي فهو رؤية روحيّة للأشياء.

ويرى الكتاب أن التجويد هو المصدر الأساسي لتعريف فن الموسيقى »الطرب« عند المسلمين، رغم أن دراسة المؤلفات الحديثة التي اهتمت بموسيقى التجويد انحصرت بالناحية الفقهيّة، وأحياناً بصوتيات اللغة. كما أن معظم المخطوطات التراثيّة التي استند إليها البحاثة، تناولت الموسيقى من الناحية النظريّة البحتة، وكأنها من علوم الرياضيات.

فيما بعد، طُبع التطريب بالقراءة فجمّل فنون الغناء في العالم الإسلامي ابتداءً من العصر العباسي وحتى الآن، ويعود ذلك إلى مكانة القرآن الكريم عند المسلمين، باعتباره المرجع اللغوي والصوتي الأول والأهم.

صوتيات الكلمة

من جانب آخر، كان الغناء الديني في الإسلام محصوراً في صوتيات الكلمة فقط، ولم يعرف الإسلام أي صيغة أخرى رافقت الشعائر الدينيّة كالموسيقى البحتة المجردة من الكلمة. وفي حالات خاصة يدخل في إطار حلقات التصوف نوع من الغناء الديني، يرافقه بعض الآلات الإيقاعيّة.

لهذا فإن أهمية الغناء في فن الموسيقى عند المسلمين تنبع من أهمية الكلمة عندهم. هذه الكلمة التي كانت أساس النداء الداعي إلى الصلاة في مبنى المسجد، فأتى بصيغة »الأذان«. أي باستعمال الكلمة بالدرجة الأولى، ولم يأتِ باستعمال آلة موسيقيّة أو إيقاعيّة.

أما الأسباب التي أدت إلى التغني بالقرآن الكريم فهي؛ حب العرب لفن الغناء بموازاة حبهم للكلمة، ومقاومة التغني بالشعر كون بعض مضامينه لا ينسجم مع الدعوة الجديدة. وبالرغم من بروز بعض المعارضة للتغني بتلاوة القرآن الكريم، إلا أن ذلك كان مقبولاً عموماً نظراً لإسناد شرعيته دائماً إلى أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المؤلفات المخطوطة.

ومع أن القراءة تمتلك بحد ذاتها ألحانها الخاصة النابعة من لغة القرآن الكريم بالذات، إلا أن هذا لم يمنعها من أن تؤثر وأن تتأثر بالغناء في إطاره العام. على هذا الأساس، يمكن القول ان القراءة بالتطريب، هي المصدر الأساس لفن الموسيقى الإسلاميّة.

الفن والفكر

تناول الباب الثالث من الكتاب الفن والفكر الإسلامي، مؤكداً على أن الخلفيّة الفكريّة للفنان المسلم هي وراء وحدة الفنون الإسلاميّة، وهي بشكل عام قائمة على نفي النفس »الأنا« عنده، وتحقيق ذاته أفقياً، وهذه حقيقة أكدها العديد من الباحثين الغربيين المنصفين ومنهم جان مارتان، الذي يرى أن فن الشرق هو النقيض المباشر للنزعة الفرديّة الغربيّة.

فالفنان الشرقي يخجل من التفكير في (أناه) أو تعمّد إظهار ذاتيته في عمله، لكن هذا لا ينفي حقيقة أساسيّة تلتقي عندها كل الفنون، وهي أن ذات الفنان شرط من شروط وجود العمل الفني، ذلك أنها الوعاء الذي تتم فيه عملية المزج الكلي لمختلف مدركات العمل الفني، لكن بالمقابل فإن المعاني في ذات الفنان ليست واحدة عند مختلف الشعوب، فهي تختلف من مجتمع لآخر، ومن حضارة لأخرى، وهي بالتالي ليست مطلقة، بل إنها تتجدد وفق حقائق ومعتقدات وخصائص كل مجتمع من المجتمعات، فما هي معايير القيمة الجماليّة كما وردت في النصوص الإسلاميّة؟.

لقد وردت كلمة الُحسن كثيراً في النصوص الإسلاميّة، ويُقصد بها معنى الجمال، والإسلام يعتبر أن موقع الأشياء الجميلة في الوجود كامن في آيات الله، وقد قال النبي الكريم »صلى الله عليه وسلم« إن »الله جميل يحب الجمال«، وقد جاءت معاني الإدراك الجمالي في الإسلام منقسمة إلى قسمين: قسم يتناول إدراك الجمال الظاهر، ويتناول القسم الثاني إدراك الجمال الباطن.

فن مفتوح

 

الفن الإسلامي هو فن مفتوح، وهذه ميزة خاصة به جاءت نتيجة حتميّة للميزات المتنوعة التي ساقها الكتاب ووضحها في سياق البحث. بمعنى أنها محصّلة لكل ميزات الفن الإسلامي الذي يختلف مجال نشوء حركة التعبير فيه عما هو عليه في العمل الدرامي الغربي.

فمجال حركة تعبير العمل الفني الإسلامي بالنسبة للخط والعمارة والموسيقى موجود في الفضاء المحدد بين المشاهد أو المستمع من جهة، وبين مسطح اللوحة أو المشهد أو الأوتار، من جهة ثانيّة.

وقد استمد هذا الفن من الحضارات المتعاقبة السابقة له أشياء كثيرة، إلا أنه اختلف في جوانب عديدة عنها، وأبقى نفسه في حالة التجدد والاستمرار، فهو بذلك فن مفتوح، وهذه الصفة تحديداً، تمنحه إمكانية متابعة الأجيال المتعاقبة على مر السنين.

 

جماليات

جماليات الفنون الإسلامية وتعدد وسائل التعبير

 

توقف كتاب »وحدة الفنون الإسلاميّة« في الباب الرابع عند جمالية الفنون الإسلاميّة ووحدتها، مؤكداً أن الفنون تنتمي إلى حقول مختلفة كل الاختلاف في وسائل تعبيرها، وأن وحدة الفنون الإسلاميّة تكمن في حالة التجريد لهذه الفنون، ولهذا يمكن حصر موضوع هذه الوحدة في التشكيل التجريدي من الفنون الإسلاميّة، وهي وحدة تتسم بالتأليف والتآلف والألفة الجامعة لمكوناتها. كما تتفرد بالحركة والإيقاع، والإيقاع الانسيابي، ووحدة التعبير.

وانطلاقاً من مفهوم الإسلام للموجودات يمكننا القول: إن لكل حركة في الوجود نواة حركيّة انسيابيّة، وهذه الحركة يعود مسارها الرئيسي لإرادة الله. لهذا فإن الفنان المسلم يعمل من أجل إبراز الحياة الخاصة في أعماله الفنيّة، التي تنسجم انسجاماً تاماً مع مفاهيم الإسلام.

أي أن العمل الفني هو خلق وإبداع وإحداث من الله وكسب من الفنان بإمكاناته. وبإظهاره الحياة الخاصة لعمله الفني، يؤكد إسلامياً على صفات الحياة بالله مما يشكّل دافعاً إبداعياً مهماً في عمله.

 

سمات

ثلاثة مرتكزات ترفض التأطير النمطي

 

بناء العمل الفني الإسلامي يقوم على ثلاثة مرتكزات هي: دور الفنان الذي يتحقق من خلال لغة الوسيلة لكل فن، أي المادة والشكل، ودور المشاهد أو المستمع الذي يتحقق من خلال لغة المشاركة والمعايشة له.

ودور النور المنبعث من بيت الله »المسجد« في فن العمارة، أو من دور رسم كلام الله تعالى »أي القرآن الكريم« في فن الخط، أو دور الصوتيات المنبعثة من تلاوة كلام الله تعالى في فن التجويد، وهذا الدور ينشأ عن الخلق المستمر.

والفن الإسلامي يرفض التأطير، »خلافاً لما هو سائد في الفنون الأخرى المرتبطة عادة بحيز معين«، داخل إطار محدد قد يكون فضاءً ذا أبعاد ثلاثة كما في العمارة والنحت، وإما يكون مسطحاً ذا بعدين كما في الرسم، وإما يكون زمناً ذا بعد واحد واتجاه واحد كما في الموسيقى، إلا أن الفن الإسلامي، وبصيغه الثلاث »العمارة والخط والموسيقى« يشغل حيزاً خاصاً يرفض التأطر. على هذا الأساس، تمكّن الفن الإسلامي من خلال حيز الشفافية أن يبني لنفسه منطقاً خاصاً، حيث يحقق به أهدافه.

إضاءة

 

 

مؤلف كتاب »وحدة الفنون الإسلاميّة« د. غازي مكداشي من مواليد بيروت 1941، حائز على شهادة الهندسة المعماريّة (بلجيكا 1969)، ودكتوراه في الفنون والآثار »الجامعة اللبنانيّة 1993«، أنهى دراسة موسيقيّة على آلة البيانو (بيروت 1957-1961)، أنجز دراسات تربويّة ومعمارية وفنية.

ويرى المؤلف في هذا الكتاب أن الفن الإسلامي تمكّن من خلال حيز الشفافية أن يبني لنفسه منطقاً خاصاً، ومنظوراً يستند إلى الطرح والبرهان والاستنتاج.