في ميدان المعارض الدولية للكتاب، يدور الحديث هذه السنة عن أفضل دورة لمعرض «بوغوتا الدولي للكتاب»، ولكن للوصول إلى مكان ما لا بد من المرور بأماكن أخرى. والأماكن التي نشير إليها في هذا المقام هي البلدان ضيوف شرف هذا المعرض، الذي جرت فعاليات دورته الـ 27 الأخيرة من 30 إبريل وحتى 12 مايو الماضيين، الاكوادور، والبرازيل والبرتغال، وأخيرا بيرو.

وكذلك الكتاب والناشرون الذين تنامت أعدادهم ويشاركون في المعرض، ولا ننسى العارضين الذين يسعون جاهدين لتقديم معرض بمستوى رفيع، بينما تظهر الأرقام تزايد أعداد الحضور وحجم المبيعات، مؤكدة تنامي المعرض، وتكريسه لأجيال أدبية متعاقبة.

تجارب دافئة

رغم أن هناك أفكاراً ومفاهيم يصعب قياسها على وجه الدقة، ولكنها تبقى تتمتع بحيوية، خاصة إذا ما دعمت بالأرقام لمعرفة أن بوغوتا تمتلك معرضاً مهماً جداً على المستوى العالمي، معرض يجتذب محترفي التحرير والنشر والصحافة، ويجلب أفكاراً وأنماط تفكير من ثقافات أخرى يجب أن تبقى، مثلما يعود ضيوف المعرض إلى بلدانهم وفي جعبة كل منهم تجارب جديدة ومشاعر فياضة يغمرها الامتنان.

وربما هذا هو الغرض من معرض مفعم بلحظات حميمية يتعارف الناس خلالها ويتواصلون، لحظات يتقاسم فيها الناس الأدب، والمشاعر، والتعلم ويتثاقفون، لا لشيء إلا لأن الكتاب أكثر من صفحات مكتوبة، الكتاب هو كل ما يمر ويحصل قبل الوصول إلى لحظة وضع كتاب، والناس كتب مقروءة، وثقافات معروفة وحياة معاشة. وإذا كان صحيحاً القول إنه لا يمكن الكتابة أثناء التحدث، فإن الصحيح أيضاً هو أنه ثمة ما يقال دائماً أكثر مما هو مكتوب.

الحديث هنا يدور حول مشاركة الشباب، عن نعمة أن يقرأ المراهقون. عن أن النجاح على مستوى المبيعات جميل، نعم، لكنه لا يكفي لقراءة مشهد ثقافي، فإذا اقتصرت القراءة على اتجاه واحد بعينه، فذلك يعني عدم وجود قبول لما تبقى من الأدب.

محطات فارقة

ضيف الشرف البيرو قامت بعمل استثنائي في الدورة الماضية من المعرض، عمل عكس مدى ثقافياً واسعاً، إذ جلبت معها مقترحاً فنياً لا مثيل له، حيث حل ماريو فارغاس يوسا محل جان ماري جوستاف لو كليزيو بغرض وضعته «دار الكتاب» يتمثل في أن يكون هناك أحد الكتاب الحائزين على جائزة نوبل للآداب كل عام، بينما كان غابرييل غارسيا ماركيز حاضراً في كل يوم من أيام المعرض، ليس من خلال إحياء ذكراه واسترجاع أهم المحطات في حياته فحسب، بل إن القراء عادوا وعاشوا تلك المحطات من جديد على أجنحة روايات الكاتب الكولومبي.

أوكتافيو باز، وروبرتو بولانو، كانا محط تكريم المعرض تقديراً لاثنين من الكتاب المحوريين، اللذين أسهموا في الازدهار الحالي لآداب أميركا اللاتينية، والذي يحلو للبعض تسميته بالطفرة الأدبية.

كان المعرض متكاملاً جداً وحازماً جداً على مستوى الفكرة القائلة إنه من دون تبادل ثقافي ما كان لهذا المعرض أن يرى النور، وما كان له شرف استضافة هذا العدد الكبير من الكتاب والمثقفين، ولما كان لـ«بوغوتا» أن تروي جزءًا من حكايتها التي لم تنته بعد، فلا يزال لديها الكثير مما ترويه للعالم.

ملتقى الأجيال من الكتاب

وجاء معرض «بوغوتا للكتاب 2014» ليثبت عافية الآداب الإسبانية، فقد تم تكليف عدد كبير من الكتاب الناطقين بالإسبانية لتمثيل مدى اتساع الأفكار والموضوعات والأجيال في الوضع الراهن للساحة الأدبية الإسبانية، إضافة إلى الكتاب البيروفيين والمكسيكيين والكولومبيين الذين بلغ عددهم أكثر من خمسين، استضاف المعرض هذا العام قامات أخرى بارزة في الأدب الإسباني. كلهم عالميون، وبعضهم ولدوا مع فرانكو وآخرون بعده، جميعهم فازوا بجوائز مهمة.

وليس بمقدورهم التقوقع على موضوع واحد أو لغة واحدة أو خطاب أوروبي الهوى واحد. الكلام هنا يدور عن كتاب شباب غير معروفين، مع الأسف، في العالم العربي مثل إدواردو لاغو، يوسي لوهوز، أندريس باربا، خافيير سيركاس، راي لوريغا. جميعهم كان لهم حضورهم في معرض هذا العام بخطابات شخصية جداً وبأرواح عبرت مدريد أو باريس أو نيويورك. كل ذلك على حساب غرق إسبانيا في أزمة لم تتمكن من الخروج منها بعد وتدفع الشباب إلى أن يروا في أميركا اللاتينية معطفاً شخصياً ومهنياً قد يقودهم إلى الشعور بالنقص بالمقارنة مع أميركا الجنوبية.

ومن بين الأمكنة التي شهدت إقبالاً مميزاً في المعرض يبرز مدخل ساحة الأعلام التي احتضنت لوحة عملاقة لغابرييل غارسيا ماركيز تحرسها المئات من الأوراق الصفراء التي أخذت شكل فراشات، إلى جانب الرسائل التي كان الزوار يتركونها على جانبي المدخل قبل أن يغادروا المكان.

اليوم الثالث

الحدث الأكثر انتظاراً في المعرض، كان لقاء ماريو فارغاس يوسا مع أكثر من 900 من الحضور في اليوم الثالث من المعرض، ومراجعة الكثير من أعماله الواسعة، حيث تعتبر الذاكرة والبحوث والتحليل، في جزء منها، أسياد الإبداع الأدبي، وربما كان هذا الحديث أول فعالية في المعرض تسير على الدرب الطويل والواسع للأدب الواقعي البيروفي.

فبعد أن توقف الكاتب الحائز على نوبل للآداب عند كل عمل من أعماله تقريبا أو أثناء ذلك، تحدث فارغاس يوسا عن أميركا اللاتينية وتطور سوق الكتاب فيها، وعن أهمية أوروبا في التغلب على العزلة التي كانت تعيشها أميركا الجنوبية، وعن العناصر المخفية في كتبه والتي يكتشفها القراء، وعن استحالة كتابة القصص كما يريد المرء، وعن أنه ثمة قوى عليا تدل على الطريق ربما عثر عليها الكاتب في مسيرته بوصفه كاتباً محترفاً.

ابنة فارغاس يوسا، مرجانة، كانت حاضرة في المعرض أيضاً، وشاركت بمعرض للصور بعنوان «انظري إلى ليما». ولم يرغب الحائز على جائزة «نوبل» بأن يفوت هذا الحدث، فكان أحد أول زائريه، كما تجول في جناح بلده البيرو، الذي استقبل فيه بالرقصات الفلكلورية التقليدية.

افتتاح المعرض

في الافتتاح الرسمي لمعرض بوغوتا للكتاب 2014، بدا واضحاً من خلال خطابات المتحدثين في الحفل ذلك الوئام الذي يجمع بين بلدان أميركا اللاتينية عموما وبين كولومبيا والبيرو خصوصاً، وكذلك التفاهم عالي الوتيرة حول قيمة القراءة والإبداع الأدبي في البلدان النامية.

البلد ضيف الشرف حقق بالقول والفعل مرتبة الشرف في هذه الدورة من المعرض وخرج بوصفه أفضل ضيف شرف في تاريخ الحدث، فلقد حقق توازناً ناجحاً جداً متجاوزاً كافة حدود أي ضيف شرف سابق، سواء من حيث هندسة الجناح وديكوره أو على مستوى معرض صور مرجانة فارغاس يوسا ومعرض درب الانكا، الذي تضمن أعمال فنانين كلاسيكيين ومعاصرين، فضلاً عن جميع عروض الطهي غير العادية، وبطبيعة الحال، المكتبة، قلب الجناح، التي عرضت 1200 عنوان، واستضافت 63 ناشراً و 650 مؤلفاً، بينما تم بيع أكثر من تسعة آلاف كتاب منها.

هذا التوازن الإيجابي لم يقتصر على جناح البلد ضيف الشرف، وإنما شكل السمة العامة للمعرض، الذي كان الأدب والكتاب في موضع القلب منه، بينما تضمنت المشاركات مئات العروض الفنية والموسيقية والراقصة، وصولاً إلى الطهي والمأكولات والفلكلور والحرف اليدوية والمسرح والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الجرافيكي، في مشهد لا ينسى عنوانه الألفة والتناغم في التنوع بين العرضين والجمهور، هذا التنوع والترابط التي تم إنشاؤها مع الجمهور.

إقبال

من بين الأحداث الثقافية، سلط غونزاليس الضوء على أهمية وجود اثنين من الحائزين على جائزة نوبل في الأدب؛ أحدهما لا يزال على قيد الحياة وهو ماريو فارغاس يوسا، والآخر يحيي في الذاكرة وهو غابرييل غارسيا ماركيز، كما شدد على الحضور القوي للكاتب الكولومبي فرناندو فاييخو، وحماسة المراهقين للكاتب فيتزباتريك والمستوى الرفيع الذي يتمتع به كل ضيف من ضيوف البيرو.

من ناحية أخرى، فإن ملتقى الأعمال، الذي نظمته مؤسسة «برواكسبورت» في إطار المعرض، سجل ما مجموعه أربعة ملايين دولار تقريباً في الموقع و12 مليون دولار متوقعة لاحقاً. ووفقا لما قالته مديرة المؤسسة ماريا كلوديا لاكوتوري، فإن كتب الإنجيل والكتب الرقمية وخدمات الطباعة كانت من المنتجات الأكثر طلباً من قبل المشترين الدوليين.

كرنفال القراءة

معرض بوغوتا الدولي للكتاب أهم فعالية ثقافية ترمي إلى تشجيع القراءة وصناعة النشر في كولومبيا وأميركا اللاتينية، حيث يتحول الكتاب، والكتب والقراء إلى أبطال المشهد الثقافي للبلد؛ جاعلين من بوغوتا المدينة التي تستضيف أهم كرنفال للقراءة، حيث يجمع المعرض كل عام مجموعة كبيرة من العاملين في ميدان صناعة الكتاب ونشره ، فضلاً عن الآلاف من الزوار الذين يحبون عالم القراءة، بحيث يوفر هذا الحدث عروضاً واسعة، ومتنوعة جدا، بالنسبة إلى المشترين.

Ⅶ أهم التظاهرات الثقافية الرامية إلى تشجيع القراءة وصناعة النشر في كولومبيا

Ⅶ بداياته تعود إلى 1937 مع خورخي غايتان المعروف بـ«الرجل صاحب الكلمة»

Ⅶ يستضيف سنوياً قامات بارزة في الأدب الإسباني والروائيين

من أميركا اللاتينية

Ⅶ معرض يجتذب محترفي التحرير والنشر والصحافة ويجلب أفكاراً وأنماط تفكير من ثقافات مختلفة

Ⅶ يرسخ في كل مرة تفاهماً عالي الوتيرة حول قيمة القراءة والإبداع الأدبي بالبلدان النامية

إقبال

19 ألف مشارك و1469 فعالية ثقافية

حطمت النسخة السابعة والعشرين لمعرض بوغوتا الدولي للكتاب كل الأرقام القياسية: إذ شارك فيها 19 ألف شخص أكثر من العام الماضي، وكانت هناك زيادة 10٪ في مبيعات التجزئة، شهدت أكثر من 1469 فعالية ثقافية وشكلت البيرو أكبر وفد دولي في تاريخها، على حد تعبير انريكي غونزاليس، الذي أضاف: «من دون شك، كان أفضل معرض للكتاب في التاريخ».

دخل إلى أرض المعرض نحو نصف مليون شخص، 4.5٪ أكثر مما كان عليه الوضع في عام 2013، وفي «ليلة الكتب» فقط، حضر 23 ألف شخص، بينما كان جناح البيرو الأكثر زيارة، وفقا لغونزاليس، يليه جناح الأطفال، والتحرير والرسوم المتحركة.

فالمعرض أحدث نوعاً من التوازن في مبيعات التجزئة، التي بلغت معدلات عالية، أي بزيادة قدرها 10٪، مقارنة بالعام السابق. وقال غونزاليس «إن الطفرة في مبيعات أدب الشباب، مع كتاب مثل كارولينا اندوخار، بيكا فيتزباتريك، لينييررس، وماريو مندوزا، جعلتنا نخلص إلى أن هذا الجيل يقرأ أكثر من السابق».

كلمات

مهندس الأدب ماركيز والمشاغب البيروفي يوسا حاضران

احتفى المعرض بالكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز، الذي قال عنه انريكي غونزاليس، رئيس دار الكتب في بوغوتا: «إنه كان مهندس الأدب الذي يعطي صوتاً لتاريخ كولومبيا، صوت للبلاد من جميع الزوايا والصور التي يقدمها فيها». كما خصص انريكي بعض الكلمات للكاتب البيروفي المشاغب وصاحب «نوبل» الكاتب ماريو فارغاس يوسا..

معتبراً أن أعمال البيروفي تراث ثقافي للإنسانية، وعلامة تدل على هوية شعوب أميركا اللاتينية. وسلط الضوء على البرمجة الغنية والتزام المعرض بالمساهمة في مسيرة التعليم في كولومبيا. أما في ميداني الأدب والفن، فهناك تبرز الأجوبة التي لا يريد كثيرون معرفتها..

لكن بالنسبة إلى انريكي والقائمين على الحدث الثقافي السنوي، فإن معرض الذاكرة قد بدأ. ففي عام 1937، شهدت بوغوتا أول معرض للكتاب، وذلك بفضل خورخي غايتان، أو «الرجل صاحب الكلمة» كما يطلق عليه، بينما كان البلد الأم يشهد حرق الكتب والكلمات، ومن ثم تواصلت مسيرة معارض الكتاب إلى أن استقامت منذ 27 عاماً، وأصبحت تحمل اسم معرض بوغوتا الدولي للكتاب.