عمل روبرت سيلفرز كمدير تحرير لمطبوعة «نيويورك لعروض الكتب» منذ تأسيسها عام 1963 وحتى اليوم، وتحدث في لقاء مع الصحافية ريتشل كوك من ملحق «الأوبزرفر» حول دوافع اهتمام المخرج السينمائي العالمي مارتن سكورسيزي بتجربة الملحق لتكون موضوع فيلمه الوثائقي الجديد. وقد قال روبرت سيلفرز ذات مرة لأحد الصحافيين على هامش لقاء: «لا أملك الإحساس الواقعي بالوقت»، وقصده من ذلك أنه من ضمن الناس القلائل الذين لا يخيفهم تراكم السنين أو يشعرهم بالحنين إلى الماضي، فهو بكل بساطة من الذين ينظرون إلى المستقبل.

فضول دائم

أمضى سيلفرز البالغ من العمر 84 عاماً أكثر من 50 عاماً في المطبوعة، وخلال تلك السنوات لا يزال كل موضوع ومقالة في المطبوعة بذات الأهمية والقيمة كما لو أنه العدد الأخير. أما شغفه الذي يمده بالطاقة فنابع من فضوله الدائم الذي يتناسب مع عمله، والذي يأخذه إلى مختلف حقول العلم وفعاليات الثقافة وعوالم الكتب.

ومن أبرز صفاته التي يتحدث عنها الكثيرون، عمله خلال ساعات النهار والليل، حيث لديه مساعدان أحدهما خلال النهار والآخر لساعات الليل. ويقال إن لديه سريراً يحتفظ به داخل الخزانة، كما عرف عنه اتصاله بالكتّاب ليطرح عليهم العديد من الأسئلة أو الملاحظات خلال عطلات الأعياد.

صدى ثقافي

وتقول ريتشيل إنها التقت به في يوم الإجازة الأسبوعية في مقر عمله بالمطبوعة، وخالت خلال فترة انتظارها بمكاتبهم في الدور العلوي بأنهم نسوا وجودها. وبعد حين استقبلها أحد مساعديه المشهور بابتسامة باهتة وقدمها باتجاه مكتب أكثر إشراقاً وتهوية مع آرائك وطاولة قهوة وحقيبة كتب خاصة بباربره إيبستن التي كانت زميلة سيلفرز بالعمل قبل وفاتها عام 2006.

وبعد قليل استقبلها سيلفرز في مكتبه، ودخل في صلب موضوع نوعية المقالات التي تقدم في مطبوعتهم ذات القيمة الفكرية والأدبية العالية، وتقدم عروض الكتب بأسلوب موغل في صدى الحراك الثقافي والفكري. وأكد على وجهة نظره بتعداد المقالات التي يضمها عددهم الأخير قائلاً:

«ستجدين مقالاً عن الروائي الفرني ألبرت كامو بقلم كلير ميسود، وآخر عن الروائي لاري مكمورتري بقلم جويس كارول أوتس، وعن الكاتب البريطاني إدوارد سانت أوبين بقلم جون بانفيل، وموضوعا عن أميركا في أفغانستان بقلم أحمد راشد، وآخر عن أوكرانيا بقلم أناتول ليفن. وتشير الصحافية إلى أن هذه المطبوعة تتميز عن غيرها بمنح مالكها ريا هيدرمان منذ شرائه للمطبوعة عام 1984 كال الحرية للصحافيين العاملين فيها.

تاريخ من الجدل

المؤشر الإيجابي الذي تشير إليه الصحافية في مقالها أن عدد المشتركين في المطبوعة يقارب 150 ألفاً، مؤكدة أن عروض الكتب الكلاسيكية لتلك المطبوعة أسهمت في اقتناء الناس لعدد من روائع الكتب، ولتكون الدافع للمخرج الأميركي الشهير مارتن سكورسيزي لعمل فيلم سينمائي وثائقي مدته ساعة حول تاريخ وجدلية تلك المطبوعة، لتحمل عنوان «50 عاماً من الجدال».

قال سيلفر رداً على سؤال ريتشيل حول كيف بدأت فكرة الفيلم؟: «لم يكن هذا الأمر متوقعاً، حتى عندما كنا على أعتاب مرور 50 على تأسيس المطبوعة في عام 2013. كان هناك العديد من الأفراد الذين كانوا يرغبون بتصوير فيلم وثائقي عن مسيرتنا، لكن السؤال الأبرز الذي كان يدور في ذهننا هو «ما الذي يعرفونه عن صحيفتنا؟»، حينها قال لي أحدهم، ربما مارتن سكورسيزي يكون مهتماً.

بالطبع هذا الاقتراح أثار اهتمامي. فهو من قراء «نيويورك لعروض الكتب»، منذ صدور عددها الأول حينما كان في جامعة نيويورك. وهو على دراية تامة بالمقالات والمواضيع التي نشرت والتي يجمعها حتى تكدست كتلة كبيرة منها في إحدى الغرف.

وتابع قائلاُ بحماس: «يا لها من مصادفة! إنه شخص رائع. وفريق عمله أجرى العديد من المقابلات مع كتابنا، وكان يحضرون أنشطتنا التي كنا نقيمها هنا وهناك، ولديهم صور لكاتبتنا ماري مكارثي لدى ذهابها إلى فيتنام، والتي أرسلتها صحيفتنا لتقدم تقريراً من سايغون وهانوي عام 1967.

والحركة الاجتماعية «كوباي وول ستريت»، التي تظاهرت حول عدم تكافؤ الفرص في الاقتصاد عام 2011. لدينا في الأرشيف أكثر من 15 ألف مقال، في الفلسفة والفيزياء والفن والتاريخ القديم والشعر، ولا يمكن لجميعها أن تقدم في فيلم مدته ساعة واحدة فقط، ومع ذلك أعتقد بأن عمل فيلم لساعة واحدة عن المطبوعة أمر في غاية الأهمية، وفيه الكثير من الإنصاف دون جدال».

أسباب النجاح

حول سؤال الصحافية: «لماذا برأيكم ازدهرت نيويورك لعروض الكتب في الوقت الذي تعثرت فيه العديد من المنشورات المشابهة؟»، أجاب روبرت سيلفرز بعفوية: «لا أعرف. هذا الأمر لغز. ما أعرفه أننا حينما بدأنا قال ناشرنا إنه علينا أن نقوم ببحث لمعرفة ما الذي يريده القراء. لكن باربرا وأنا قلنا:

لا، نحن من سيختار المواضيع والكتاب الذين لنا ثقة بهم، لن نقبل ما يملوه علينا. إن كانت المطبوعة شيقة ومثيرة للاهتمام فإن الناس سيشتركون فيها». ورداً على سؤالها إن كان التحرير برأيه يعتمد على الحدس، قال سيلفر: «لا، بالعكس بل يعتمد على قراءة الكتب واحداً تلو الآخر، والتفكير بكاتب تلو الآخر، وعليك أن تسألي من هو أفضل شخص في العالم ليكتب أفضل مقالة حول هذا الموضوع؟ عليك العناية بكافة التفاصيل. ذلك ما فكرنا به منذ البداية وعليه لم نستبعد أي موضوع».

المغامرة الأولى

ولم تغفل ريتشل مغامرته الأولى حينما تم تجنيده لتأدية الخدمة الوطنية، حيث أرسل للعمل في مقر حلف «الناتو» بباريس، ليفتح عينيه على عالم جديد بثقافته. وهناك قام بزيارة مطبوعة «باريس ريفيو»، من ضمن زيارته للعديد من الناشرين، والتقى بمحررها الشهير جورج بليمبتون وتحدثا لساعات طويلة أثمرت عن دعوة الأخير له ليكون المحرر التنفيذي للمطبوعة.

ووصف سيلفرز انطباعه عن تلك المرحلة قائلاً: «كانت مرحلة رائعة من حياتي، وأقمت الكثير من الصداقات، وعملي المجاني مع «باريس ريفيو» وجورج أشبه بالمغامرة، وبقيت في باريس حتى عام 1958، ويقول: «لو لم أحصل على عرض العمل كمحرر مساعد في مجلة هاربرز لما تركت باريس». وتقول ريتشل في نهاية اللقاء إن سيلفر متفائل أكثر من المتوقع في ما يتعلق بالكتاب المطبوع، أما ما ينشر في العالم الرقمي فهو أقل تفاؤلاً إذ يشير إلى افتقاره للنوعية الجيدة.