ليست الرواية الإماراتية حديثة العهد. فعمرها يتجاوز العقود الأربعة. إلا أن الغريب، وحسب توصيف نقاد عديدين، قبوعها في خانة تجعلها قاصرة عن أداء الدور المطلوب منها كنمط إبداع مجتمعي عصري شرع يتصدر المشهد الثقافي في العالم، حالياً، كونه حضناً خلاقاً، جامعا وشاملا، لصنوف الفكر والمعرفة، يضيء على المشكلات الاجتماعية ويواكبها، بقالب شائق يجعله يحوز شعبية كاسحة.

«بيان الكتب» ناقش مبادرات الرواية الإماراتية الواجبة وآفاقها المستقبلية، ومعوقات تطورها، عبر سبر آراء روائيات فائزات، أخيراً، في جائزة الإمارات للرواية، مع الاطلاع على توصيف وتشخيص أدباء مجربين، عن أهم الصعوبات التي تعترض طريق بلوغ هذا المساق الابداعي مستويات كفيلة بجعله مؤثرا بقوة في المجتمع خاصة من خلال التركيز على الشباب، وكذا التعرف على أجدى الحلول والمبادرات الواجب تبنيها، ومن ثم طبيعة واجبات الجهات كافة في هذا الشأن بهدف تجذرها كفن إبداعي نوعي التأثير في المراحل المقبلة.

محفزات مجتمعية

حول طبيعة المحفزات المجتمعية للروائيين، خارج نطاق الأسرة، لخوض غمار التجريب في عوالم الرواية، وماذا عن أبرز العوامل التي تجعل الشاب الموهوب يميل الى هذا الحقل، وأي الأشياء تفيده أكثر في تنمية وصقل مهاراته، قالت هند البار: إن هناك عوامل ومصادر عديدة أجدها أسهمت في بروز موهبتي في عوالم الكتابة الروائية.

ومن بين أهمها: «قراءاتي المتنوعة. وأيضا استفدت من بيئتي ومحيطي لاستقاء عنصر الحكاية، كما في نصي الفائز (كونار). ولكن هذا ليس بمعنى أن الواقع والمجتمع يحفزان تماما، بل هناك محبطات ومعوقات كثيرة، يطول الحديث في تفاصيلها. ولا نجانب الحقيقة حين نقول ان تشجيع المجتمع امر اساس، وإن ضعف المبادرات الرسمية والمجتمعية لتبني الادباء الشباب قضية تسهم في تحدد ألق الرواية محليا».

إبداعات ورؤى

فيما قالت الروائية والقاصة ميثاء المهيري، «بداية. انا لا أجد الواقع المجتمعي محفزا حقا، للروائي، وتحديدا بالنسبة للشباب. فمعيقات كثيرة نتبين انها تعترضنا فور ولوجنا الساحة، ذلك تحت اسم العيب المجتمعي». وأضافت: «وبخصوص طبيعة العوامل المؤهلة، التي استفدت منها كروائية. فأنا بدأت المشوار مع القصص القصيرة.

وكان لأسرتي وتشجيعها ودعمها، كبير الدور في ميلي الى الأدب. فوالدتي كانت تكتب المسرحيات (وطبعا لم تنشرها بحكم محظورات مجتمعية واهية). كذلك استفدت من تنوع قراءاتي.. ومع مرور الوقت، أنشات في سنة 2008، مدونة خاصة بي على شبكة الإنترنت. واصبحت اكتب موضوعات منتنوعة وأضع فيها إبداعاتي ورؤاي. وكذا أقدم ما في جعبتي من قضايا وحكايات أدبية. وكنت ألمس تجاوبا مهما.. ولكن هاجس الاشتغال على رواية كان يحركني دائما ويحفزني».

وحول جرعة الجرأة الزائدة ضمن الرواية الإماراتية، حاليا، ودورها في تنامي شعبيتها وتعزيز الإقبال عليها أكدت ميثاء المهيري أن هامش الحرية في التناول الروائي أصبح أوسع بكثير.

مضيفة «أخمن اننا بحاجة ماسة الى ان نوظف جهوداً مهمة لتجاوز القيود من هذا النوع الابداعي. فانا مثلا تعرضت مع صدور روايتي، الى نقد وهجوم مفاده أن حكاية الرواية (العلاقة العاطفية بين الشاب السعودي والفتاة الإماراتية)، حدثت مع الكاتبة نفسها. فيما رأت هند البار، أنه لا توجد جرعة جرأة زائدة هدامة في منتجنا الروائي إذ لا يمس بمضمونه الجريء الموجود مكون ثقافة المجتمع المحلي.

ضمور وعوامل

وعن حكم البعض، بأن الرواية الإماراتية مؤطرة في اتجاهات وموضوعات محدودة في ما تتناوله وتطرحه من قضايا، وهو ما يحد من فرص ارتقائها في المستقبل قالت المهيري «استطيع الجزم أن محدودية الجرأة وعدم توافرها في نطاق ومناخ بناءين، عملية تسهم في ضمور وانحصار مروحة موضوعات التناول الروائي في المجتمع الإماراتي. وما أجج وعزز القضية، نزعة التوجه المغرق للالتحام بالموروث الشعبي في عوالم المنتج الأدبي. وهذا حساس بالنسبة للرواية يثقل كاهلها».

الأديب كريم معتوق له رأي آخر، إذ يرى أن «المراهقة الروائية» وباء مقلق غدا يجتاح المشهد الروائي فيتحكم في واقع المنتج الروائي في المجتمع، وكذا في مضمونه وواقعه، مفرزاً، غالباً، نماذج متنوعة غير بناءة في حقيقة الأمر رغم أنها فعلياً، تسيطر وتحوز شهرة وشعبية كبيرتين. وهو ما أدى إلى رسوخ أنساق منتج روائي طاغ، عماده محاولات تقليد ومحاكاة للتجارب الروائية السعودية التي برزت أخيراً،.

ممجوجة. وبذا وقعنا، برأي معتوق، ومع استثناءات قليلة، في مطب عدم قدرة نوعية هذا اللون الإبداعي، محلياً، على تمثل واستيعاب قضايا المجتمع فعكسها بصورة مؤثرة. وهو ما يعني حاجتنا لآليات عمل تعزز القدرة على رسم أفق ناصع للرواية الإماراتية.

علاجات بنيوية

ويوضح صاحب «حدث في اسطنبول» و«رحلة ابن الخراز»، أن الرواية الإماراتية، حالياً، تعاني بل تتناهشها الأزمات، وذلك بعد أن كانت قطعت أشواطاً مهمة. ويشدد كريم معتوق على أن الرواية الاماراتية تستلزم علاجات بنيوية، تخرجها من حبس المجاملات وتطلقها من إسار النطرة إليها كصهوة للشهرة والبروز في الساحة الأدبية.

فما يحكمها ويسمها في واقعها ضمن الساحة الأدبية المحلية، ليس خليقا بجعل هذا الفن الإبداعي، طبقا لمعتوق، معبراً عن قضايا المجتمع. وهذا ما يعني أنه، بحكم مضمونها والدور الذي تؤديه، لا نستطيع التعويل عليها كثيراً وهي في حالها الراهنة.

«ليس من أفق مستقبلي مبشر للرواية الاماراتية، في ظل الحالة الراهنة». تلك هي النتيجة الحتمية التي يستشرفها معتوق. ويطرح تصوره حول بعض ألوان وجذور أمراض الرواية المحلية، حيث قال: «ربما أن الطاغي في المشهد، لجوء كثر إلى عوالم الرواية رغبة في البروز الادبي، بعد فشلهم في الشعر.

وذاك لا يسهم في بناء دعائم وركائز عمل روائي يفيد المجتمع. وأريد هنا الاشارة إلى بعض المبادرات التي باتت تروج في الساحة الروائية، والتي لا أجدها، بما هي عليه، كفيلة ببناء مشروع روائي مجتمعي ناضج. إننا بحاجة الى برنامج عمل أدبي مدروس ومتكامل في الاطار، يستبعد نسق المجاملات المنسوج على مقاس بعض الجهات. ولا بد أن ان نهتم بإطلاق جوائز ومسابقات تقوم عليها جهات متخصصة، ناظم العمل فيها، المعايير والأسس العملية العلمية».

ناجحة وبجدارة

ولا تتفق الأديبة والناشرة الإماراتية، صالحة غابش، مع الرأي القائل إن الرواية الإماراتية، محدودة النجاح أو الانتشار. إذ تراها غدت تحصد نجاحات كبيرة، وبجدارة. كما أنها شرعت تزاحم الشعر والأصناف الأدبية الأخرى، حتى إننا بتنا نرى الجيل الجديد من المبدعين، يتوجه إليها مباشرة، مستفيدا من تشجيع ودعم دور النشر، والتي استقطبت الأقلام الشابة وملأت أرففها بالنصوص المروية، سواء من واقع مشاهدات الكاتب، أو من ما يتضمنه واقع معاش هو فعليا ينمو بلغة الكاتب وخياله.. ويحفزه للنهل والتجسيد.

ازدهار

وتختار صالحة أن تشير إلى جملة ميزات في روايات حديثة، موضحة: «هناك تفاصيل مهمة في هذه الابداعات، تكاد تكون جريئة في اقتحام اللغة والموضوع، خاصة لدى الكاتبات اللواتي سجلن عددا أكبر من الرجال في الكتابة الروائية في الإمارات.. فالكاتبة تتحدى نفسها وثقافتها في سرد وقائع ربما تصدم القارئ لقوة تأثيرها إيجابا أو سلبا. مثال ذلك رواية «ذات موعد» للروائية الشابة نجلاء العبدولي. وهناك أيضا رواية (عيناك يا حمدة) للروائية لولوة المنصوري».

قضايا شائكة

تحصر الروائيتان ميثاء المهيري وهند البار أبرز القضايا التي تعانيها الرواية الاماراتية، في جملة نقاط، أهمها: النظر إليها كموضة للعصر، سطحية التناول، تحدد خيوط التماعها امام حاجز العيب المجتمعي، وفقر آفاق التناول وهوامشه، وغياب دعم الشباب الروائيين، ولا موضوعية بعض المعايير والآليات المتبعة في تحكيم المسابقات الادبية (كما المتبع ضمن جائزة الإمارات للرواية بخصوص التصويت عبر الإنترنت، وهو أمر غير منصف بالنسبة للروائيين الشباب، كما يقولون)، وتخلف اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن دعم الشباب واحتضانهم بشكل نوعي.

جائزة «الإمارات للرواية» نسائية بامتياز

أتت جائزة الامارات للرواية في دورة العام الجاري، (وهي الدورة الاولى للجائزة)، نسائية بامتياز، إذ حصدت جوائزها أربع كاتبات، وهن: لولوة المنصوري عن روايتها «خرجنا من ضلع جبل»، وخولة السويدي عن عملها «عشب وسقف وقمر»، وميثاء المهيري عن «من أي شيء خُلِقت»، كما نالت هند سيف البار جائزة خاصة عن نصها.

واتخذت الجائزة جملة قرارات تعتزم تطبيقها في الدورة المقبلة، أهمها: السماح بالمشاركة بأعمال نشرت خلال العام ضمن الرواية الطويلة.

وحجبت لجنة التحكيم في دورة الجائزة، جوائز فئة الرواية الطويلة، ذلك لعدم توافر نصوص ملائمة.

وتمثل الروايات الفائزة، أعمالا روائية قصيرة، وهي فازت من بين 20 عملاً تنافست في المسابقة، تنوعت في طبيعة معالجاتها وأسلوبها. وأخذت روائيات فائزات على الجائزة، اختيارها الفائزة الاولى عن طريق التصويت لإلكتروني للجمهور.

ويأمل نقاد وأدباء عديدون، أن تسهم هذه الجائزة في تقوية وصقل المشهد الروائي المحلي، مشددين على ضرورة أن تراعي جملة اعتبارات وأسس موضوعية منهجية، خاصة في ما يعني آليات ومنوال عمل لجان التحكيم.