يقين ينأى بصاحبه عن ما يحيط بعالم الكتب والقراءة من تهويلات ورومانسيات. مرحبا بكم في عالم عدم اليقين.. ميدان بلا أفق واضح المعالم يكذب الصور النمطية كل يوم، لأن «الشيء الوحيد المؤكد هو أن التعايش بين التناظرية والرقمية لا مفر منه حيث لا يعرف أي من الدعامتين سيهيمن.. تلك معاينة للواقع، إذا ما كان هناك من شكوك، يتصدى لها روجر شارتييه (مواليد مدينة ليون 1945)، أحد الخبراء الأكثر شهرة، ومدير كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس.
حيث يرى أن عالم القراءة يعيش ثورة يتعين على المدرسة ووسائل الإعلام مواكبتها، وإعادة ترتيب المشهد الذي تتحرك فيه المعارف وتلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على القيم القديمة التي تسهم في تكوين أفضل للفرد. ورغم من أن الأمر لا يتعلق بحقبة جديدة في عالم تبلور حديثا، حيث الأمور جديدة ولا اسم لها، ولا بد من الإشارة إليها بالبنان، إلا انه يتعين إعادة تسميتها وتعريفها ووصفها وتفسيرها وتصنيفها من جديد.
تغييرات ومحتوى
واقع متردد يفترض، كما يقول شارتييه، العديد من التغييرات، بدءا من التأريخ نفسه، ويضيف: «يجب أن يكون كل شيء أكثر تطلبا بسبب مخاطر شبكة الانترنت التي لا تقهر، لأن القارئ يراقب وينتقد العمل، وفي الوقت نفسه يجب توجيهه وتعليمه كيف يقيم ما يطلع عليه وكيف يتحرك في فضاء الإنترنت، الأمر الذي لانزال نفتقر له في يومنا هذا».
سحابة رقمية
كلمات يبني عليها شارتييه أطروحته في دورة «الإبداع والتحرير والقراءة: الحاضر والماضي»، التي أشرف عليها في «لا كاسا ديل لكتور» أو «بيت القارئ» بمدريد. وإذا تجسد هذا المشهد الموصوف والمحلل بهذا الشكل في السحابة الرقمية من المصطلحات على طريقة المدونة، فإن أبرز الكلمات.
وفقا لعدد مرات استخدامها أو مدى التركيز عليها، ستكون؛ «رائع، خطر، نظام، تغيير، مثير للقلق، ديمقراطية، سلطة، ثقة، وصفة طبية، تعزيز، تعايش، تحول، هوية، تهديد، قارئ، وسائل الإعلام». كلمات ومفاهيم يطرحها مؤلف أعمال مثل «العالم كتقديم»، و«التاريخ الثقافي: بين الممارسة والتقديم»، حول جوانب مختلفة وبشكل واضح.
بيانات
يرى شارتييه أن المؤرخين لديهم أدوات أفضل للعمل بفضل العالم الافتراضي، ما يشكل خطراً أيضاً، لأن ذلك يجبرهم على التعامل مع جرعة أكبر من المتطلبات عندما يتعلق الأمر بالتحقق من البيانات، والكتابة والاقتباسات، على سبيل المثال، وذلك لأن القارئ سيراقب كل ما تقوله وإذا أخطأت، فإن الناس لديهم الفرصة للمشاركة في ثلاثة مجالات هي: البحث والكتابة والنشر رقمياً.
عالم مفتوح
وبالتالي حسب وجهة نظره تخلق هذه الفضاءات المفتوحة عالماً رائعاً ومثيراً للقلق، بوسع الجميع المساهمة فيه في ظل ديمقراطية الإبداع والنشر.. نوع من حلم الماضي، لأن الجميع يمكن أن يشارك في بناء الحاضر. ولكن هذا يعني اختفاء النظام والخطاب المثبتين منذ غوتنبيرغ واللذين ينطويان على عهد من الثقة حول إضفاء طابع مهني على ما ينشر، بينما أصبح هذا الاعتماد العلمي موضع شك حاليا بينما تزيد مخاطر التزوير والغش.
أنظمة
وحسب تفسيره للظواهر المعرفية المتحركة ومجالاتها، المكتبات ووسائل الإعلام هي أضعف نقطة في نظام الكتاب ونشر الثقافة. لذلك يتطلب هذا العالم المزدوج اتخاذ إجراءات عاجلة. وأساليب تطوير وتعزيز القراءة يجب أن تتغير وتكييف مع العصر الجديد.
طريق الإبداع
الثورة في طريقة الابداع والاقتناء ونشر المعرفة والثقافة، فضلا عن إمكانية تجاور المعلومات على الشاشة يتطلب الحذر، ويجب علينا أن لا نتوقف عند تعزيز القراءة فقط، بل يجب أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك إلى تجاوز الموضوعات المعتادة، والوصول إلى الجوانب المتعلقة ببقية عناصر الحياة التي تتكامل وتتطور اليوم بقوة على الشبكة، مثل الصداقة والحب والتنشئة الاجتماعية بشكل عام، فالهوية الإلكترونية أكثر عرضة للتلاعب من نظيرتها التقليدية، والأنا تغيرت. وينبغي إيلاء المزيد من الاهتمام إلى البعد الفلسفي للإنسان في عالم التماثلية والرقمية.
إبداع
النقد كنموذج لتكوين قارئ جيد
في ظل الثورة المعرفية يجب تعزيز النقد كنموذج لتكوين قارئ جيد، فالنقد يجب أن يكون محاكمة لعملية التقديم التي تعطي معرفة حول ما يحتويه العمل، على أن تكون تلك المعرفة أكثر عمقا من التوصيف وسلوك الطريق السهل، أو القول بأن هذا سيئ وذاك جيد بأحكام قطعية قد تكون أكثر متعة، لكن الأمر يتعلق بإعطاء أدلة وأسس للقارئ لفهم العمل ومعرفة كيف يقيمه بنفسه..
وهي الطريقة الناجعة للوصف. وكذلك جعل غير المرئي مرئيا، مثل الكتب بلغات أخرى أو من بلدان أخرى. وهو تناقض في عالم العولمة، حيث ثمة ميل لإعطاء صوت لمن يمتلك هذا الصوت أصلا وإهمال من لا يمتلكه في حين يمكن للأخير أن يفتح آفاقا جديدة للمعرفة.
تحالف
دور المدرسة ووسائل الإعلام
في عالم يتمتع بفائض من المعلومات بفضل الإنترنت، وبالنظر إلى الدمقرطة بلا هوادة في عملية الإبداع والنشر، التي يمكن أن يمارسها أي شخص على الشبكة، فإن ذلك يتطلب وسائل إعلام، ومدرسة تضيف للأجيال الجديدة أولا تعليماً، لتعلم استيعاب كل تلك المعلومات، ومعرفة ما يستحق العناء منها، بالإضافة إلى تنبيههم إلى ما هو لافت للنظر.
فالواصف في خطر، ويجب أن لا يكون كذلك. يجب عليه تغيير استراتيجياته، وربما يمكن لذلك أن يتحقق بوسائل تجذب القارئ وتستفزه وتلفت انتباهه على قاعدة التمرد، حيث يمكن، على سبيل المثال، إطلاق حملة ترفع شعار: «القراءة سيئة للصحة»، كما يرى روجر شارتييه، إذ يرتجل - وهو يضحك- مزيداً من تلك الشعارات في ذلك الخط المثير للجدل.



