على «كي دو كونتي» بالضفة اليمنى من نهر السين في الدائرة الباريسية السادسة، تسكن في كل شموخ مكتبة مازارين، أقدم مكتبة عمومية بفرنسا، يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السادس عشر بفضل الكاردينال الفرنسي جول مازارين (1602 -1661) الذي أحدث ثورة في النموذج المعماري للمكتبات بفرنسا.

كتب نادرة
عرفت المكتبة طيلة خمسة قرون من الوجود تغيرات وأحداث كثيرة، حملت فيها في كل مرة كتبها ومخطوطاتها القديمة والنادرة هروباً من الحرب أحياناً، وأحياناً أخرى هروباً من المصادرة والحرق، بدءاً من فندق «كلافيس»، مروراً بفندق «شوفري توبوف»..

 الذي أصبح اليوم الموقع التاريخي للمكتبة الوطنية الفرنسية، لترسو في الأخير على مقرها الحالي ليس بعيداً عن جسر الفنون والمعهد الفرنسي في الضفة المقابلة لمتحف اللوفر، بعدما صارت واحدة من أهم وأجمل المكتبات في فرنسا، وأكثرها قدماً وما زالت جدرانها تحفظ جزءاً من تاريخ فرنسا وينبعث بين رفوفها وخزائنها ذلك الإشعاع الثقافي والأدبي الذي كان يطبع فرنسا قبل قرون مضت.

عاشق الكتب
حكاية مكتبة مازارين مع صاحبها الكاردينال، السياسي والدبلوماسي يمكن تصنيفها ضمن قصص العشق والغرام، فأصل المكتبة يعود إلى المجموعات الشخصية لهذا الكاردينال الفرنسي، والظروف التي ميزت مرحلة إنشائها ثم تطويرها وازدهارها وبعدها مصادرة محتوياتها ورحلة البحث عنها لاسترجاعها كقصة عاشق يفعل أي شيء ليجد عشيقته ويحتفظ بها للأبد...

 فرغم الصعوبات والعوائق الكثيرة لم يتخلى جول مازارين عن مكتبته بل كاد في وقت من الأوقات أن يخسر الكثير من ممتلكاته وعقاراته فقط ليستطيع الحفاظ عليها. وجول مازارين هو كاردينال فرنسي اشتغل كدبلوماسي وسياسي ورئيس وزراء فرنسا منذ عام 1642 لغاية وفاته عام 1661 بينما كان على عرش فرنسا الملك لويس الرابع عشر.

 ولد مازارين في بلدة بيشينا الإيطالية، بإقليم أبروتزو عام 1602م من أسرة متواضعة إذ أن والده كان موظفاً في إدارة أملاك أسرة كولونا، وقد بدأ دراسته في روما لدى اليسوعيين، وربطت بينه وبين أحد شبان أسرة كولونا صداقة جعلته يذهب معه إلى إسبانيا للالتحاق بجامعة القلعة.

خلف مازارين الكاردينال ريشيليو في رئاسة الوزراء في عهد الملك لويس الرابع عشر، عرف كهاوٍ لجمع القطع الفنية والمجوهرات وخاصة الألماس، وما زالت بعض من مجموعاته الخاصة محفوظة في متحف اللوفر بالعاصمة باريس.

متحف للكتاب
قصة الكاردينال مازارين مع الكتب في فرنسا بدأت عام 1643، حيث كلف المكتبي الفرنسي الشهير صاحب أول أطروحة حول المكتبات الحديثة غابرييل نودييه بتنظيم وتجهيز مكتبته الصغيرة المتواجد مقرها بفندقه الخاص بالعاصمة باريس على شاكلة ومستوى المكتبات التي كان يملكها في روما بإيطاليا، حيث أقام سنوات من قبل.

ولكي يجعل نودييه من مكتبة «مازارين» الخاصة التي كانت مفتوحة عام 1634 للعلماء، المكتبة الخاصة الأكثر ثراءً في أوروبا، سخر جميع الموارد المالية والبشرية الكبيرة التي وضعت تحت تصرفه من طرف الكاردينال، بدءاً من مصادرة مكتبات والاستحواذ على مجموعات خاصة..

 الاعتماد على باعة الكتب المتجولين، الرجوع إلى دراسات استقصائية في الخارج، كما اعتمد كذلك على خدمات العديد من الوسطاء الدبلوماسيين أو العسكريين، وتمكن نودييه بفضل كل ذلك من جمع نحو 40 ألف مجلد في منتصف القرن السابع عشر.

حروب ومعارك
خلال فترة حرب «لا فروند»، التي هزت مملكة فرنسا في الفترة ما بين 1648و1652 اضطر الكاردينال مازارين إلى الفرار من باريس، حيث أمر البرلمان الفرنسي بمصادرة جميع ممتلكاته..

 بينما أسندت إدارة المكتبة الخاصة للمكتبي الذي تكلف بها في لحد الآن غابرييل نودييه. وفي عام 1651، قرر نودييه بيع جزء من محتويات المكتبة وكتبها في مزادات علنية ليتمكن مازارين من العودة لباريس والانتهاء مع القضاء الفرنسي في ذلك الوقت.

بعد عودته للحكم عام 1653، حاول مازارين استعادة الكتب والمخطوطات التي بيعت، لكن الحظ والوقت لم يحالفاه إذ تمكن من الحصول على جزء صغير فقط منها.
لكن بفضل المكتبي الذي خلف غابرييل نودييه، فرانسوا دو لا بوتري، والذي سلك نهج سابقه نفسه تمكن عام 1661 من إعادة إحياء مكتبة مازارين على النهج الذي كانت عليه قبل سنوات.

اضطرابات
وخوفاً منه أن تضيع كتبه ومخطوطاته بعد مماته، كما حدث خلال فترة فراره من فرنسا قبل سنوات، قرر الكاردينال مازارين إلحاق المكتبة بمدرسة «الأمم الأربع» بباريس التي أنشأها، لتعيد فتح أبوابها اعتباراً من عام 1689 لطلبة المدارس والزوار والأجانب.

خلال الثورة الفرنسية التي عرفتها فرنسا في الفترة ما بين 1789و1799، وشهدت خلالها اضطرابات اجتماعية وسياسية خطيرة، أثرت بشكل بالغ العمق على فرنسا وجميع أوروبا، وانهار خلالها النظام الملكي، لم تتأثر مكتبة مازارين بالحرب وبقيت أبوابها مفتوحة لاعتبارات تعلقت بطابعها التثقيفي العمومي وهذا رغم إغلاق أبواب المدرسة التي ألحقت إليها سابقاً.

بل أكثر من ذلك تمكنت مكتبة مازارين خلال الثورة الفرنسية من التوسع والتطور بفضل الكتب والمجموعات والمخطوطات التي كانت تزود بها، حيث تلقت عشرات الآلاف من الكتب والمجلدات التي صودرت من النبلاء الأجانب ..

ومن مؤسسات دينية بعد تغير نظام الحكم بفرنسا. عام 1945 تقرر ضمها إلى المعهد الفرنسي، الذي تولى عام 1805 إدارة مباني مدرسة «الأمم الأربع»، التي حلت سابقاً، لتشرف على إدارتها بعد ذلك وزارة التعليم العالي والبحث بفرنسا.

وصية
بعد وفاة مازارين في 9 مارس 1661، فرقت الكثير من مجموعاته الفنية بين عمليات البيع والاستعارة لمكتبات أخرى، إلا أن هذا لم يكن مصير المكتبة التي طالما تمسك بها حيث إنه خصها في وصيته التي كتبها ثلاثة أيام فقط قبل وفاته، كما كان قد فعله قبل ذلك بسنوات كذلك عندما ألحقها بمدرسة «الأمم الأربع».

وأراد مازارين في وصيته الأخيرة أن تبقى مكتبته مفتوحة للجميع وأن تبقى ملحقة بمدرسة «الأمم الأربع» التي أنشأت بعدها مؤسسة تحمل اسمه كذلك.

ومن يومها تواصل المكتبة تطورها وتوسعها منتهجة سياسة مكتبية موجهة أساساً نحو المجالات التاريخية، ومعتمدة على هبات قيمة من الكتب والمخطوطات من شخصيات ومكتبات ومؤسسات فرنسية.


600 ألف كتاب
تضم مكتبة مازارين اليوم 600 ألف كتاب، 4913 مخطوطة، 2600 دورية، 220 عملاً وتحفة فنية. وميزانية المكتبة تتعدى 360 ألف يورو، وتضم 140 مكاناً للقراءة والمطالعة، 44 جهاز كمبيوتر، وتبلغ مساحتها العامة 2524 متراً مربعاً.

ميزات
مخزون قديم وطابع موسوعي


بعد 350 سنة على تأسيسها، أصبحت مكتبة مازارين اليوم متحفاً حقيقياً للكتاب ومن أهم المكتبات المخصصة للدراسة والبحوث بفرنسا تفتح أبوابها على مدار أيام الأسبوع. ولعل أهمية وتميز المكتبة باستثناء طابعها الزمني وقدمها، فهو احتواؤها على مخزون قديم ذي طابع موسوعي تعود بعض مخطوطاته للعصور الوسطى.

زد على ذلك المجموعات والمجلدات التي تتزود بها سنة بعد أخرى، خاصة في مجالات التاريخ والأدب كتاريخ العصور الوسطى وعصر النهضة والتاريخ السياسي والاقتصادي والديني والأدبي والفني لفرنسا والدول المجاورة في العصر الحديث، والتاريخ المحلي والإقليمي فرنسا.

رفوف
اختصاصات تجتذب الباحثين
من اختصاصات مكتبة «مازارين» المألوفة عند الباحثين، الكتب القديمة في كل المواضيع بما في ذلك: الدراسات الدينية والتاريخ والسياسة (الكتيبات)، والأدب، والعلوم، والطب، وكتب في اللغة الإنجليزية، الإيطالية والإسبانية، وتاريخ القرنين السادس عشر والسابع عشر. والتاريخ الديني (خاصة الينسينية)، وتاريخ الكتاب. والتاريخ المحلي والإقليمي من فرنسا.