مشاهد ثقافية في حضرة الكتاب، عندما تلتقي ثقافات المجتمعات ومعارفها، عبر مناسبة تتنافس في حضور واحد يمثله الكتاب، ويتبارى في التنافس فيه وعليه المؤلف والناشر والقارئ سنجد أنفسنا أمام الكثير من المشاهد الثقافية، مشاهد لك أن تطل عليها من شرفات مختلفة في معرض الرياض الدولي للكتاب.

 والذي تنظمه وزارة الثقافة والإعلام السعودية، أحد أكبر المهرجانات الثقافية في السعودية، والذي يستمر لمدة 10 أيام، كما يزوره أكثر من مليوني زائر، جسدوا ملامح الثقافة السعودية، وجميعهم مهتمون بشراء كم كبير من الكتب والمشاركة في الندوات التي يشارك فيها العديد من كبار المثقفين.

المعرض أصبح في السنوات الأخيرة منصة للفكر والحوار بين المفكرين والكتاب والجمهور، إذ يشهد إضافات ونشاطات كثيرة من دورة إلى أخرى، ما جعل منه تظاهرة ثقافية متميزة تحظى بإقبال كبير من محبي الثقافة والكتاب، حيث يسجل المعرض أرقاماً قياسية في الحضور والشراء كل عام.

قنطرة الحضارة
اكتسب معرض الرياض الدولي للكتاب شهرة واسعة في المحافل الدولية، نظراً لما تميز به من دقة في التنظيم وجمال وروعة في الأداء والمعاملة، وتوفير كل مستلزمات إقامة مثل هذه المعارض، حتى إن اسم معرض الرياض الدولي للكتاب أصبح متعارفاً عليه ومسجلاً لدى كثير من الجهات العربية والدولية التي تنظم معارض الكتاب مثل اتحادات ونقابات الناشرين، وكان المعرض سابقاً يقام بجهود الجامعات،.

وخاصة جامعة الملك سعود، حيث كانت تحتضنه ردهاتها، التي تزدحم بالزوار والناشرين، واستمر الأمر على هذه الحال، حتى تم تكليف وزارة التعليم العالي، ولاحقاً وزارة الثقافة والإعلام السعودية بمسك زمام وتسيير هذه التظاهرة، تحت مسمى معرض الرياض الدولي للكتاب.

وقد حمل شعار المعرض في دورته هذا العام، والتي تبدأ فاعلياته في شهر مارس من كل عام ولمدة عشرة أيام، ونظمت خلال العام الجاري من 4 مارس وحتى 14 مارس 2014، وحملت شعار «الكتاب.. قنطرة حضارة»، وتشير هذه العبارة إلى قدرة الكتاب على مد جسور التواصل المعرفي بين الأمم والشعوب، وكانت ضيفة شرف المعرض هذا العام مملكة إسبانيا، حيث قدمت جوانب ثقافية مختلفة من خلال استضافتها في المعرض.

إضافات وتطوير
شهد المعرض مزيداً من الإضافات التطويرية والتجديد في أفكاره على مستويات عدة يأتي في مقدمتها، إضافة صالة مصاحبة استوعبت قرابة 105 دور نشر، مما أسهم في إتاحة مساحة كبيرة للمشاركة محلياً وعربياً وعالمياً، مما أتاح مشاركة أكبر لدور النشر الأجنبية مقارنة بالدورات السابقة، إضافة إلى مكتب لخدمات الناشرين.

ومنصة خاصة لتدشين الكتب، التي تأتي إلى جانب منصات التوقيع، لخدمة تدشين الإصدارات للجهات والأفراد الذين يرغبون في تدشين إصداراتهم، إلى جانب القيام بإصدار نشرة صحافية يومية خاصة بالمعرض، والمقهى الثقافي الخاص بالفعالية، الذي يبدأ نشاطه بعد العصر من كل يوم، إلى جانب شاشات كبيرة لعرض كل الفعاليات داخل المعرض.

 وخدمة جديدة أضيفت تسمى «خدمة القارئ المتجول» الخاصة بمكفوفي البصر، التي تنفذها جمعية المكفوفين بالتعاون مع معرض الكتاب، التي تعد إضافة تطويرية ينفرد بها معرض الرياض عن العديد من المعارض الأخرى، كما إن إقامة الصالون الثقافي داخل المعرض يكون مسانداً لما يدور في القاعة الرئيسية للمحاضرات، إلى جانب ما أتيح للجهات الخيرية الثقافية من مشاركة تعزيزاً لرسالتها الاجتماعية عبر هذه التظاهرة الثقافية.

جناح الطفل
ويخصص المعرض في كل دورة قاعة خاصة بدور النشر التي تهتم بكتب الأطفال وثقافتهم في جميع مراحله العمرية، ويشتمل برنامج الطفل في المعرض على ورش متنوعة للتدريب والتجارب، وبعض المهارات والمحاضرات التعليمية والتثقيفية التي صممت بعناية، لتكون جاذبة ومفيدة للطفل وأسرته، كما يتم التنسيق مع الأندية الأدبية في مختلف مناطق المملكة لتنظم زيارات إلى المعرض من طلاب المدارس.

ركن تدوير الكتب
وبلغ مجموع الكتب التي تم تدويرها في ركن تدوير الكتاب «ضع كتابك.. وخذ آخر»، التابع لنادي القراءة بجامعة الملك سعود خلال الأيام الثمانية الأولى قرابة 2000 كتاب وتوزيع ما يزيد على 1500 منشور تعريفي بالنادي ومنشورات أخرى لتشجيع القراءة، وقد لاقى الركن نجاحاً وإقبالاً من الزوار لتبديل كتب قرؤوها بكتب أخرى.

 ويهدف الركن إلى تعزيز ثقافة القراءة عن طريق الاستبدال ومشاركة الثقافة. كما يقدم خدماته في أربعة مجالات رئيسة الدين، وتطوير الذات، والفكر والثقافة، والأدب والرواية، كما يقوم المعرض باستبدال الكتب وفق شروط معينة أهمها أن يكون الكتاب بحالة جيدة، وأن يتم استبدال الكتاب بمثل نوعه.

قناة تلفزيونية
دشنت وزارة الثقافة والإعلام قناة تلفزيونية خاصة بالمعرض في عام 2013 وتقوم القناة للمرة الأولى بالبث المباشر من داخل المعرض، وتغطي النشاطات والندوات الثقافية والفاعليات المصاحبة للمعرض، من خلال عرضها عبر شاشات كبيرة عدة في قاعات العرض الرئيسية، ونقلها لزوار المعرض وكذلك عرض زيارات كبار المسؤولين، كما تبث أفلاماً وثائقية عن المثقفين السعوديين الأوائل والرواد، بما في ذلك أخبار المعرض المتنوعة.

وكانت المفاجأة الجميلة في المعرض وبشكل خاص في هذه الدورة والتي تمثلت بوجود مشاركة للناشرين السوريين وصلت إلى 16 دار نشر قادمة من خارج السعودية، فالثقافة السورية لم تغب رغم ظروف سوريا الحالية وبالذات عن معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام، وقد لفت النظر إلى أن هناك كتاباً للأطفال تحت عنوان «أنا جزء عم فتعلموا مني العبر» قد حقق أعلى المبيعات في المعرض لدور نشر سورية.

سياحة ثقافية
لم يعد معرض الرياض الدولي للكتاب، تظاهرة ثقافية تقف عند حد عرض الكتب، عبر ديناميكية تستلزم حضوراً كبيراً، ليناظرها في المقابل مبيعات ضخمة للكتب، ولكن المعرض تحول أيضاً إلى واجهة أشبه ما تكون بالسياحة الثقافية، والتنزه عقلياً بين عشرات الآلاف من العناوين.

 الأمر الذي صحب ثقافة حب الاطلاع والتجوال مع الكتب، شيوع ظاهرة «التصوير الضوئي» من الرجال والنساء من مختلف الفئات العمرية، الذين أصبحوا يلاحقون لحظة ضوء هنا أو يرصدون لحظة أخرى هناك بين الكتب ومعها، عبر أروقة المعرض ومنصاته وأجنحته المختلفة، الأمر الذي جعل من المعرض موسماً ضوئياً ثقافياً مبهراً لزواره ومرتاديه.

تجربة تراكمية
تم تكريم الرواد من الخطاطين المتميزين على مستوى المملكة، الذين قدموا إسهامات لفن الخط العربي، كما تحمل الممرات في المعرض أسماء المصورين الفوتوغرافيين، تقديراً لما يقدمونه لهذا الفن، إضافة إلى ما حققه «جناح المؤلف السعودي»، الذي حرصت الوزارة على إعطائه مساحة أكبر لخدمة أكبر عدد من المؤلفين السعوديين..

 موضحاً أن لجنة البرنامج الثقافي ذات أعضاء جدد حرصت على تقديم شكل ومضمون مختلف عن الدورات السابقة، في سبيل رهانات التجديد المختلفة التي ستشهدها دورات المعرض المختلفة، كما يسجل للمنظمين خلو المعرض مما يعكر الأجواء الثقافية، وتنامي خبرة العاملين في المعرض، أسهم ذلك في تلافي الأخطاء السابقة في الأعوام الماضية لدورات المعرض المختلفة.

وهج الكتاب الورقي
لم يكن حضور أكثر من مليون و200 ألف عنوان إلكتروني، مقابل 250 ألف كتاب ورقي، كفيل بأن يخطف وهج الكتاب الورقي، إذ ظل الإقبال المتزايد خلال أيام المعرض للبحث عن العناوين الورقية، الأمر الذي يجسد واقع اهتمام القراء بالورقي في ظل الكثير من المقولات التي تشير إلى شيوع القارئ «الرقمي»..

 ومع ما يعقد من مقارنات بين الكتابين الورقي والإلكتروني، إلى جانب سمات كل منها وفي ظل شيوع الاستخدامات يوماً بعد آخر لشبكة الإنترنت كل تلك المفارقات «المقارنة» بين وعائين التي يتأخر فيها الورقي بكثير عن نظيره الإلكتروني، إلا أن الواقع لا يزال يؤكد ما يحظى به الكتاب الورقي من شيوع تؤكده الكثير من معارض الكتاب عربياً ودولياً.

فعاليات موازية لجذب القراء
مع انطلاق الساعة الأولى لفعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته عام 2013، وعلى مدار ساعات عمل المعرض، ظل الرجل الآلي يطلق ترحيب البشاشة والسرور دون كلل أو ملل لجميع زوار المعرض، ووقف هذا الرجل الآلي طيلة عشرة أيام مرحباً بالجمهور قائلاً «مرحباً بكم في معرض الرياض الدولي للكتاب.. الثقافة حوار.. وسلوك»، إلى جانب عبارات الترحيب يردد الشعار الذي تم اختياره للمعرض في هذه الدورة 2013م ..

والتي جاءت تحت شعار «الثقافة.. حوار.. وسلوك»، لقد استطاع هذه الرجل أن يرحب بزوار المعرض بكل بشاشة وبـ«الدلة»، التي تدل على حسن الضيافة والكرم وروح الأصالة في التراث الخليجي، متجاوزاً أكثر من 56 ألف ترحيب بزوار المعرض، الذين احتفى بهم خلال مرورهم بالممر الرئيس للمعرض، وأمام إحدى بوابات المعرض الرئيسة.