يتفرد الفن الشرقي عموماً، والإسلامي منه، خصوصاً، بجمعه الموفق والمنسجم، بين قيم جماليّة تزيينيّة ووظيفة استعماليّة. تلك هي السمة الأبرز التي يضيء عليها ويقرأ فيها، كتاب (الابتكار والحرف اليدويّة في العالم الإسلامي) صادر عن مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلاميّة باسطنبول (أرسيكا)، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بالتعاون مع مؤسسة «لوك قيرسا» - وزارة الثقافة في إسلام آباد ( باكستان). ويرصد الكتاب، كيفية إشباع الفنون الإسلامية متطلبات روح الإنسان وخياله وذائقته الجماليّة، بالاقتران مع تلبيتها حاجاته الاستخداميّة اليوميّة. أي الجانب المادي في كيانه.


تجارب إسلامية
أعد الكتاب للنشر نزيه طالب معروف، وهو تغطية لأعمال الندوة الدوليّة حول موضوع الابتكار في الحِرف اليدويّة الإسلاميّة التي انعقدت في مدينة إسلام آباد ما بين 10و12 أكتوبر عام 1994. وبلغ عدد الأبحاث التي شملها، خمسة عشر بحثاً، تناولت الخط وترميم المخطوطات والأوبرو والتجليد والابتكار والمنمنمات والابتكار وحرف العمارة الإسلاميّة. إضافة الى : التعليم الحِرفي والعلاقة مع الابتكار والمهارات والتقاليد، تطوير القطاع وتوظيف التقانات الحديثة، الابتكار والحرف اليدويّة، تجارب بعض الدول في العالم الإسلامي.

وظائف جمالية
وضع هذا البحث الدكتور عبد الرحيم غالب من لبنان، وفيه أكد أن الخط في كل اللغات، وجد للتدوين. أما الخط العربي، فله وظيفة أخرى جماليّة وفنيّة وقدسيّة. إذ أحاط المسلمون الخط العربي بكثير من القداسة، ونظر الخطاطون إليه كفن مقدس، لا يُقدمون على مزاولته إلا بعد الوضوء، خاصة إذا كانوا بصدد كتابة كلمات الله جل جلاله. ومن الأهمية بمكان الجمع بين خصوصية الفنان والحرفي في شخصية الخطاط.

وأشار بسام داغستاني، رئيس قسم الحفظ والمعالجة والترميم في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، إلى أن حرف الترميم كانت موجودة في الزمن الغابر، لكنها اليوم بُعثت بشكل حديث، وفق خطوات مدروسة، تبدأ بمعاينة المخطوط، ثم تعقيمه وتنظيفه. ومن ثم ترميمه وتجهيزه للتجليد من أجل حفظه.

وتحدث الفنان الحروفي التركي المتخصص في الورق المجزّع «الأبرو»، حكمت برود جيكيل، عن هذا الفن الذي انطلق من آسيا الوسطى «تركمانستان». و«أبرو» كلمة فارسيّة مركبة من كلمتين: «آب» وتعني الماء و«رو» تعني الوجه. أي «وجه الماء». تطور هذا الفن عبر التاريخ، وظهرت أنواع عديدة من تصميماته المشهورة كالبطال.

الابتكار والمنمنمات
ترى الباحثة في تاريخ فنون الشرق، فاي فريك، أن رسم المنمنمات الإسلامي، يمكن فهمه بمقارنته مع جيرانه في الشرق والغرب. ففي الغرب حمل هذا الرسم مواضيع محددة للغاية، معظمها له علاقة بموضوعات مسيحيّة، وبعضها وجد في كتب الحكايات الأخلاقيّة، أو على دبابيس زينة.

وكانت هذه الرسوم أقل واقعيّة في اللوحات العاديّة. أما في الشرق، فوجدت رسوم المنمنمات داخل المنازل، وكانت الطبيعة موضوعها الرئيس، لأنه يُعبّر بشكل جيد عن النظرة الصينيّة تجاه الحياة. وفي الهند احتوت هذه الرسوم على عدد كبير من الموضوعات.

من جانب آخر، لا توجد حول الرسم الإسلامي أبحاث مبكرة، كما الحال في الهند والصين، حتى يمكننا فهم أغراض وأهداف المنمنمات التي زُيّنت بها كتب عميقة الفكر، تناولت البحوث الطبيّة، وعلوم الفلك، وتاريخ العالم وقادته، والشعر والتقنية والرحلات والحكماء.

إبداع إسلاميّ
ويُعرّف المهندس المعماري الهندي، كامل خان ممتاز، الحِرف اليدويّة الإسلاميّة، أنها تلك المهارات والمنتجات اليدويّة المرتبطة بشكل واضح، بنظام شعائر العبادة والمعتقدات الإسلامية. ويجد أن الإبداع التقليدي الإسلامي له معنى مختلف تماماً عن الإبداع الذي نفهمه حاليا، في محيطنا الذي أعقب حقبة التطور الصناعي. فنحن نقيم وزن مدى سمات الابتكار والأصالة المتوافرة كصفات ضروريّة للفنان الفرد..

 والحرفي التقليدي لم يكن يسعى ليكون مبدعاً أو ذا خصوصيّة باختراعه لطرق عمل جديدة، بل جل ما كان يبغيه من عمله أن يعكس أو يمثل بإخلاص، مثالاً موجوداً في عالم النماذج الأصليّة. وبالرغم من أن البناء والصناعات التزيينيّة كانت جزءاً جوهرياً من التقاليد المعماريّة الدينيّة، فإن الدور الخاص للصناعات اليدويّة في العمارة الإسلاميّة يجب أن يُفهم من ضمن المحيط الخاص للتعاليم الدينيّة الإسلاميّة ولممارستها.

حرف تقليدية
ويبين ممتاز أنه تشمل الحِرف التقليديّة معظم المنشآت المعماريّة النفعيّة وصناعة السلاسل والفخار والحياكة وغيرها. أما الاهتمام الأول لحرف البناء فيكمن في تأدية البناء لوظيفته.

وفي المساحات والإنارة والحماية والمواد المتوفرة وتقنية الإنشاء.. أي ان الاهتمام الفوري يتمثل في الوجود في هذا العالم، وفي الحقائق الفيزيائيّة والماديّة.. وهكذا يصبح الموضوع هو تمثيل المثالي ضمن فئته الخاصة، مثال ذلك: السلة المثاليّة، الإناء المثالي، المنزل المثالي...إلخ. وهذه الأشكال المثاليّة يجب أن تحقق: المنفعة العمليّة منها، الجماليّة المثاليّة .


ضرورة ملحة
يوضح الأكاديمي المعماري، عمر خالدي، في بحثه ضمن الكتاب، أن التغييرات الاقتصاديّة التي شهدتها المملكة العربيّة السعوديّة ودول الخليج العربي، أثرت على المهارات التقليديّة وجعلتها في خطر، نتيجة تحوّل الحرفيين إلى قطاعات اقتصاديّة أخرى، أكثر ربحاً وجدوى.

 الأمر الذي يستدعي تشجيع هذا القطاع، وتضافر الجهود لتحريك أطر الرعاية والاهتمام به على أصعدة مختلفة، ومنها: استعمال المشغولات والحِرف التقليديّة في العمارة الخارجيّة والداخليّة (الديكور) والحياة اليوميّة. وكذا اللباس التقليدي وغير هذا من المفردات التراثية.

حرف إماراتية
يفرد الكتاب، بحثاً مهماً لرصد طبيعة ومكون الحِرف اليدويّة في الإمارات، مبينا أنواعها وتاريخها وما تلبيه من وظائف جمالية وحياتية عملية.

ويستعرض الكتاب في هذا الخصوص، جملة السمات التي تتميز بها الحرف التراثية الاماراتية وملامح جمالياتها الفنية، ويرصد أنواعها، مستعرضا في الخصوص، الأساليب التقليدية في بناء الخيم والعريش، صناعة التلي، الحلي، حياكة الملابس النسائيّة، خياطة الأشرعة، صيد السمك.

أخطار وهواجس
يرى عمر خالدي، الأكاديمي العامل في مشروع «الآغا خان» في باكستان للعمارة الإسلاميّة، أن الفنون والأشغال اليدويّة جزء من التراث الثقافي لأي أمة، تُقدم التفرد بالشخصيّة الثقافيّة..

وتعكس أسلوب حياة الناس فيها، ومن الواجب حماية وحفظ الأشكال الماديّة وغير الماديّة الكثيرة من هذا التراث، التي لا تزال قائمة خدمة للأجيال القادمة، لكن الكثير من الناس في دول منظمة المؤتمر الإسلامي، لا يدركون أهمية التراث الفني، وقيمة الأشغال الحِرفيّة التقليديّة.

ترويج لازم
يعرض الكتاب، عبر آراء متنوعة، لمدى الحاجة الى التركيز على التمسك بأشكال ومكونات تراثنا وحرفنا التقليدية، في شتى جوانب ومحطات حياتنا اليومية، فذلك لا بد أن يؤثر في الترويج لها، ليس فقط داخل الدول الإسلاميّة، وإنما في جاليات الشتات الإسلاميّة، في أميركا الشماليّة وكندا والاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط واليابان، ومثال ذلك: الجالية التركيّة في ألمانيا، وعرب شمالي افريقيا في فرنسا، والجالية الباكستانيّة في بريطانيا.


بانوراما عربية

يستعرض الكتاب، في بحث واف، الحِرف اليدويّة في لبنان، واللمسات الإبداعيّة في الحِرف التقليديّة الفلسطينيّة، والابتكار في الصناعات التقليديّة التونسيّة. ويتناول ماهيات الصناعات والحرف التقليدية في هذه الدول، مركزا على عكس اهم ما يميزها، واليات الاشتغال فيه، الى جانب ما تواجهه من مخاطر، وإبراز خصوصياتها.

تركة فكريّة وفنية واجتماعيّة للثقافة الإسلامية

ويلفت الباحث المغربي عمر أمين بنعيد الله، الى أن الحِرف اليدويّة أو الصناعات التقليديّة، جزء لا يتجزأ من التراث العربي الإسلامي، الذي يؤكد الطاهر قيفة، أنه يتجاوز التنقيب عن الآثار وإقامة المتاحف، ليشمل المعمار في مختلف عهوده، وكذا: تخطيط المدن والقرى والتراث المكتوب في مخطوطات وغيرها والمهن والحِرف التقليديّة.

وأيضا: الفنون الشعبيّة، أنماط عيش الناس في حياتهم اليوميّة. أو كما يراه الباحث التونسي، المنصف عبد الجليل: التركة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة والنفسيّة والاجتماعيّة التي يرثها الخلف بالنقل والمشافهة، أو بالكتابة والتدوين، ما يثبت أهمية الحرف اليدويّة من الناحية الحضاريّة، إضافة إلى أهميتها اقتصادياً واجتماعياً.

الإبداعات الزخرفيّة في الفنون الإسلاميّة

وتُعد الزخرفة من الفنون الإسلاميّة العريقة التي ما يزال الصناع التقليديون في بقاع مختلفة من عالمنا الإسلامي، يمارسونها على منتجاتهم. والزخرفة، كما يقول صالح الزاير، تُعد عنصراً مميزاً للفنون الإسلاميّة، فهي عنصر فني أسهم الفنان المسلم في رفع مستواه إلى مصاف الفنون الإبداعيّة الأخرى. فلم يعد التزويق والتنميق في الحضارة الإسلاميّة العظيمة مجرد ملء للمساحات الشاغرة، بل أصبح جزءاً لا يمكن أن يستقر العمل الفني بدونه.

وفسر الكثير من المؤرخين سبب انتشار فن الزخرفة في الفنون الإسلاميّة، بأنه نتيجة لكراهية الدين للتصوير الآدمي أو التشخيصي، الأمر الذي دفع بالفنان المسلم للاعتماد على الزخرفة في إبداعاته.

والعمل على تطويرها باستمرار. والزخرفة نوعان، كما يشرح الزاير: هندسيّة تتميز باستخدام المهارات والقوانين الهندسيّة لتكوين الوحدات الزخرفيّة، نباتيّة تتميز بتأثرها بالطبيعة، إذ «إنها تستقي مفرداتها الزخرفيّة من العناصر النباتيّة، كالزهور والأشجار وأوراقها وأغصان الكرم والثمار، مع مسحة من الحركة والشذا العطري».