يشكل معرض موسكو الدولي للكتاب، نافذة حيوية تجدد تعلقنا بالأدب الروسي، متجسداً كشريان تغذية عصري، يتيح لنا مجال الاطلاع على روائع الأدب والفكر والثقافة والعلوم، في هذه البقعة من العالم، قديمها وحديثها.

كما أن المعرض هذا، بات، وبفضل نجاحاته المتتابعة، وسيلة فريدة من نوعها، لاستكشاف سوق الكتاب الروسي النابض بالحياة، علاوة على كونه بمثابة فرصة عظيمة لزيارة واحدة من المدن العريقة في العالم «موسكو»، وخوض غمار تجربة ثقافة وتراثية فريدة من نوعها، نتعرف معها على تقاليد وعادات هذا البلد. وينظر إليه متخصصون عديدون، على أساس انه بمثابة منتدى الثقافة الدولي، بفضل غنى برنامجه الثقافي، واحتوائه عناوين جديدة نوعية.

فعالية نوعية

يفتتح معرض موسكو الدولي للكتاب أبوابه في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر في كل عام، ضمن جناح مركز المعارض الروسي. ودورة العام الجاري هي السابعة والعشرون. ويحتضن المعرض، عادة، مسؤولين وشرائح وفئات متنوعة من الناشرين والقراء والكتاب والمثقفين، ليجمعهم سوياً، في فعالية نوعية تزخر بالبرامج الفكرية والمحاضرات والندوات.

ويوفر في ظل هذه الأجواء، فرصة أمام جميع المعنيين لمناقشة مشكلات الثقافة وأزمات النشر والعقبات التي تعترض الكتب والكتاب. كما يختار المعرض سنوياً، دولة محددة لتكون ضيف شرف فيه. ووقع الاختيار هذا العام على بريطانيا.

تاريخ وحاضر

طالما جسد المعرض الدولي للكتاب في موسكو تقليداً قديماً. إذ اعتاد الاتحاد السوفييتي السابق، من خلاله، عرض انجازاته على صعيد الكتابة والنشر. وكانت قد انطلقت فعالياته، للمرة الأولى في عام 1977. ودرج على تنظيمه، حينذاك، مرة واحدة في كل عامين. واستمر الأمر على هذا النحو إلى غاية سنة 1997، ففيها اصبح سنوياً.

يصنف متخصصون كثر «موسكو الدولي للكتاب»، كأكبر منتدى للكتاب في روسيا. وفعلياً، يتميز المعرض بكونه ضخماً في مساحته ونوعياً في مضامينه. وتبلغ مساحة المعرض فيه بما يقدر بـ 40000 متر مربع. كذلك فإنه يجمع بين أروقته مجموعة كبيرة من الناشرين والوكلاء في المجال الأدبي وتجار الجملة ومقدمي الخدمات الثقافية.

ويلتقي هؤلاء في فعاليات سنوية لتبادل الأفكار والمعلومات الفكرية وعقود المواد. وأيضا، يتخلل المعرض مجموعة من ورش العمل ومناقشات المائدة المستديرة وقراءات المؤلف.

إلى جانب المقابلات وجلسات توقيع الكتاب. ويجد معنيون في حقل الثقافة والتأليف، أن المعرض اضحى يمثل فرصة فريدة لاكتساب القراء والمهتمين خبرة مباشرة من المؤلفين، ذلك بموازاة التمتع بجو نابض بالحياة والفكر والثقافة، والاطلاع على تجارب ابداعية مهمة، والانفتاح على مناقشات وطروحات غاية في القيمة بشأن مستقبل عالم النشر وتأثير التكنولوجيا الرقمية، وأدب الأطفال وتقنيات الطباعة الرقمية.

وتؤكد مؤسسات وجهات ثقافية دولية، أن «موسكو الدولي للكتاب» شرع يقطع أشواطاً كبيرة في درب الارتقاء والتميز. حيث انه بمثابة مهرجان أدبي متنوع، يقصده عشرات الآلاف من الأفراد والجهات في العالم، بغرض اقتناء الأعمال الأدبية للمؤلفين المفضلين لديهم، وبهدف شراء الكتب، والالتقاء بمجموعة واسعة من المؤلفين ودور النشر.

مبادرة فريدة

يضم المعرض مشاركات من أكثر من 50 دولة، وتسهم فيه 500 دار للنشر. ويجتذب، في الوقت نفسه، أكثر من 2000 منظمة في العالم، إضافة إلى عدد كبير من الناشرين والموزعين والمكتبات والجامعات والمراكز الثقافية، من كافة دول العالم. وتبرز مبادرة فريدة، إذ يساعد المركز الدولي الناشرين الدوليين لاستكشاف فرص العمل في روسيا ضمن هذا الحقل..

ويوفر لهم وسائل الاتصالات اللازمة في الخصوص، ممهداً الأجواء لهم ليستطيعوا العثور على شركاء في المجال، ومن ثم تطوير مشاريع تعاونية مع الناشرين الروس. وأيضا، يقدم المركز الدولي برنامجاً مكثفاً يحوي باقة متنوعة من العروض والمناقشات، تشارك فيها نخبة من كبار الخبراء الدوليين، وتعنى في مداولاتها ببحث القضايا الرئيسية المتعلقة بالنشر، سواء أكانت الروسية أو الدولية.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن المعرض يغتني ويتوسع مع كل عام، بفضل طبيعة النتاج الثقافي الزاخر والثري في روسيا الاتحادية، حيث يصدر فيها كل سنة حوالي 120 ألفاً من الكتب مختلفة العناوين، وهو ما يعد رقماً كبيراً جداً، إذ تشغل روسيا معه، المرتبة الرابعة عالميا في هذا الشأن..

ويشكل الأدب المترجم حوالي 12 بالمئة من هذا الحجم. وتبلورت في روسيا تقاليد فريدة من نوعها على صعيد الترجمة بشكل خاص. ولكن يمكن القول إن كل شيء على أحسن ما يرام، ولا سيما في ما يخص ترجمة المؤلفات الروسية إلى لغات أجنبية.

كتاب العام

«كتاب العام» عنوان مسابقة تعنى بدعم ورفد النشر في الروسية، ويختار معها اهم كتاب موجود في المعرض، برعاية الوكالة الاتحادية للصحافة والإعلام في روسيا. والهدف من هذه المسابقة دعم ونشر الكتاب الروسي، وهذه المسابقة تساعد على استمرار التقاليد الوطنية لثقافة الكتاب، وزيادة الوعي العام بدوره، وكذا تعميم الاتجاهات الحديثة في تصميم فن الكتاب والطباعة. إلى جانب تشجيع القراءة في روسيا.

وتتألف لجنة التحكيم في المسابقة، من الباحثين الروس الرواد في مجالات الأدب والنقد والرسم. ويرجع تاريخ هذه المسابقة إلى العام 2000. أما مسابقة «فن الكتاب» في المعرض، فتركز على اختيار افضل تصميم كتاب معروض في اجنحة المعرض، وتهدف هذه المسابقة، إلى إيجاد أعمال جديدة للكتاب الموهوبين في الرسم وفي تصميم الكتاب وأفضل تصميم، من دون إغفال جانب دعم الرسامين، بما في ذلك الصغار. وأيضا، بث الحيوية والنبض في تقاليد رائعة ضمن الفن الروسي، ذلك من خلال الفنانين والرسامين والناشرين ومنظمات النشر والصحف والمجلات المهنية، التي تدعى للتقدم بترشيحاتها الى المسابقة.

وتتضمن جوائز هذه المسابقة: أفضل الرسوم التوضيحية في قصص الخيال الروسي والعالم «النثر والشعر والدراما)، أفضل الرسوم التوضيحية في الأدب للأطفال والمراهقين، أفضل الرسوم التوضيحية في الكتب غير الروائية كالتعليمية والعلمية والمعرفية وغيرها من المنشورات غير الخيالية، التصميمات الأكثر إثارة وجاذبية من ناحية الغلاف. كما تخصص المسابقة جائزة لـ: أفضل فنان شاب «لا يزيد عمره عن الـ 35 عاماً».

 أدب الأطفال

لا تقتصر أجندة التميز وطبيعته في المعرض، على التحسن الكبير في عدد الناشرين المشاركين، أو مضمون البرنامج الفكري المصاحب. فنوعيات الموضوعات التي تولى اهتماماً متزايداً، تمثل الجانب الأكثر إشعاعاً فيه. إذ إن ادب الطفل، على سبيل المثال، يعد عنواناً محورياً للتجديد والتوسع فيه. وبذا فإنه يولى اهتمام خاصاً. وهو ما برز بجلاء في دورة العام الفائت 2013، فللمرة الأولى كان هناك قسمان مخصصان للأطفال..

وكانت مطبوعات الأطفال حاضرة بقوة لدى الجميع. وربما انها طغت في بعض الأحيان على منشورات «البالغين»، وتضمن برنامج المحترفين حلقات بحث وجلسات طاولة مستديرة لناشري أدب الأطفال، ومناقشة المقاسات المثالية، ومدى تناسب إعادة نشر أعمال الكتاب الكلاسيكيين والمعاصرين.

وخلصت المداولات إلى اتفاق الناشرين والمنتدين والنقاد في الرأي، على أن أدب الأطفال في روسيا آخذ في النهوض، حيث يوجد الكثير من المؤلفين الموهوبين، كما تعمل آليات الكشف عنهم من خلال العديد من المسابقات، التي تبرز من بينها: «كونغورو»، «نوفايا ديتسكايا كنيغا».

1230 دار نشر من 45 بلداً وأكثر من 200 ألف عنوان جديد

سجل «موسكو الدولي للكتاب»، قفزة نوعية في نجاحاته، ومستواه ومضمونه، في دورة العالم الماضي 2013. وكان اللافت فيها، الزيادة الكبيرة في عدد دور النشر المشاركة؛ 1230 داراً من 45 بلداً. كذلك قدم المعرض في ذاك العام، أكثر من 200 ألف عنوان جديد في عشرات اللغات. كما نظم أكثر من 500 فعالية ثقافية. وحضر إلى المعرض ضيوف عالميون مهمون، مثل: الكاتب البرازيلي باولو كويليو.

ووقع الاختيار فيها على إيطاليا كضيف شرف. وناقش أصحاب دور النشر في المعرض، التحديات الرئيسية التي تواجه صناعة الكتب في موسكو، مثل انتشار التكنولوجيا الالكترونية وتراجع الاهتمام بالقراءة. وكُرست اجتماعات الطاولة المستديرة ولقاءات منتدى الأعمال «كنيغا بايت»، لموضوع التكنولوجيا الرقمية بالتحديد. أما الموضوعات والمحاور الاخرى في البرنامج الفكري، فكانت تتعلق بـ: أزمة صناعة الكتب، طريق تطوير تجارة الكتاب «حاليا تواجه روسيا بعض الصعوبات في هذا المجال». وحفلت أنشطة المعرض ومداولاته، بلقاءات مع أشهر المؤلفين.

 الإمارات في «حب الكلمة المقروءة» ضيفاً في موسكو

 شاركت الإمارات، للمرة الأولى في معرض موسكو الدولي للكتاب عام 2013. إذ مثلت تلك المشاركة مناسبة لتسليط الضوء على الثقافة العربية وثقافة الإمارات بشكل خاص. وتحت شعار «في حب الكلمة المقروءة»، أتت مشاركة الإمارات في المعرض الذي شارك في أعماله أكثر من 57 دولة.

كذلك خصص لمنى خليل، ناشرة مصرية روسية، في معرض موسكو للكتاب بالدورة ذاتها، جناح، بالتنسيق مع المركز الثقافي المصري في موسكو. وتضمنت المنشورات في الجناح موضوعات عن الأدب المصري المترجم باللغة الروسية.

وكانت منى خليل قد عرضت ترجمة لأعمال كبار الكتاب المصريين، من بينهم؛ نجيب محفوظ وعلاء الاسوانى وأحمد الخميسى. وقد شاركت في المعرض، في دورة العام 2011، الجامعة الإسلامية. وجاءت مشاركتها ضمن جناح المملكة العربية السعودية، الذي تشرف عليه وزارة التعليم العالي في الملكة العربية السعودية، وبمشاركة عدد من الجامعات السعودية ووزارة الثقافة والإعلام ووزارة الشؤون الإسلامية ودارة الملك عبدالعزيز في السعودية.