في خطٍ متوازٍ مع اهتمام المراكز الثقافية المصرية المختلفة، بدعم ومساندة الشباب المُبدع؛ لطرح نتاجهم الأدبي والترويج له؛ لخلق جيل ثقافي جديد، يسهم في إثراء المحتوى الثقافي العربي، ويُنافس في شتى مجالات الإبداع الأدبي، تظهر «الورش الإبداعية» كأحد أبرز الآليات التي يتم من خلالها دعم الموهوبين من الشباب المبدعين، ومساندتهم حتى إيجاد فرصة ظهور أعمالهم للنور، وخلق قاعدة جماهيرية لهم.

دعم الكُتَّاب الشباب

وفي هذا الإطار، يقول الروائي والناشر إسلام فتحي، «بالتأكيد الورش الإبداعية مفيدة جداً، خاصة للكُتَّاب الشباب الذين يضلون طريقهم في الكتابة، ولا يستطيعون تكوين فكرة أو توظيفها، فالورش تطلعهم على سبل الكتابة والحبكات المتنوعة وكيفية كتابة عمل مشوق، من خلال إتقان بدايات ونهايات الرواية أو العمل الأدبي».

ويضيف؛ «الورش الأدبية تُثمر بشكل ملحوظ في إنتاج كُتَّاب شباب جدد يظهرون على الساحة الأدبية بعد ذلك، فأغلب الكُتَّاب الشباب الموجودين حالياً هم نتاج هذه الورش، وهذا في النهاية هدف ورش الكتابة الإبداعية، وهو إنتاج جيل جديد من الأدباء على إطلاع ومقدرة لصياغة عمل أدبي متكامل».

أساسيات الكتابة

ويشير فتحي إلى وجود بعض الورش والمراكز الثقافية التي تستنزف الشباب الجدد بحجة تعليمهم أساسيات الكتابة الإبداعية، وتكون في النهاية موجودة لمجرد عائد مادي تجيره من أموال الشباب الحالم، ولكن لا أحد يُنكر وجود ورش كتابة إبداعية لا تهدف للربح وهدفها إثراء الحياة الأدبية. ويتطرق إلى تجربة ورشته للكتابة، مؤكداً أنها لا تهدف إلى الربح، لاسيما وأن دار النشر الخاصة به والتي تنظم تلك الورشة تتكفل هي بتكاليف طباعة ونشر العمل الفائز.

وتشهد الساحة الأدبية مشاركة دور النشر مثل دار نشر ومكتبة «ديوان» في خوض هذا المجال، وذلك من خلال توفير مساحة للأدباء الشباب، وعقد ورش كتابة أدبية وإبداعية، وقد لاقت نجاحاً وإقبالاً ملحوظاً.

موهبة وحرفية

على صعيدٍ آخر، ترى الروائية سلوى بكر، أن «كل شيء له إيجابيات وسلبيات، ويجب أن نرى الصورة كاملة، كما تشير إلى أن الإبداع عموماً والأدب بصفة خاصة لا يوجد له «وصفة جاهزة» تجهز الكاتب لإنهاء العمل الأدبي، حيث يعتمد الإبداع على الموهبة بالدرجة الأولى».

وتضيف، «هناك فنون يمكن تعلمها أو اكتسابها على عكس الأدب؛ لذا فهو يتطلب جانباً من الموهبة مع الحرفية المكتسبة، ولهذا تعتبر الورش الكتابة الإبداعية ما هي إلا مرشد لمن لديه الموهبة ويستطيع أن يكتب ولكن شريطة أن يتمتع بالفعل بالموهبة».

وتستطرد بكر؛ «الورش في حد ذاتها أمر جيد وإيجابي ولكن السؤال من هو القائم على هذه الورش، حيث لابد أن يتمتع بذائقة أدبية وإبداعية عالية، والقدرة على فرز الصالح من الطالح من الناحية الأدبية».

خطورة التربح

ومن جانبه، يتفق أستاذ النقد والأدب المقارن بجامعة عين شمس الدكتور حسام عقل، مع رأي الروائية سلوى بكر، مشيراً إلى أنه بطبيعة الحال هناك من أن يحولوا هذه الورش من هدفها السامي إلى مجال للتربح المادي تحت لافته أخرى.

ويضيف: «لا أستطيع أن أنكر مثل هذه الظواهر السلبية، والتي لها حضورها، بل وأن مجموعة من هذه الورش التي بدأت بهدف أدبي غير بحثي وقعت في فخ التربح بعد ذلك، مع هذا لا يمكن نعت الظاهرة بأكملها بالسلبية، فكل شيء له أكثر من وجه».

وفي تعريفه للورش يقول عقل: «لا شك أن ظاهرة الورش تعد معهداً مصغراً لعملية تدريب الكتاب الشباب على اكتساب خبرات في الكتابة الأدبية بأنواعها الشعر والقص والرواية، كما تعد ثقلاً ميدانياً لخبرات الموهوبين الذين يبدأون الخطوات الأولى في المجال الأدبي».

ويتابع قائلاً: «من خلال تجربتي الخاصة في ملتقى السرد العربي الدائم المقام في القاهرة، فإنني أستطيع أن أؤكد أن هذه الورش تفتح مجالاً جديداً للكتاب الشباب للاحتكاك بالساحة الأدبية والوسط الثقافي، كما أنها تعد تدريباً على تذوق أنواع الكتابة الإبداعية رفيعة المستوى، ففي رأيي فأنها قد حققت نجاحاً منقطع النظير على أرض الواقع، وأفرزت كتاباً يتسمون بالحرفية والمهنية».

حقل إبداعي مهم

وبدوره قال أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب جامعة القاهرة الكاتب والناقد الأدبي الدكتور سيد البحراوي: «طوال العقود الماضية لم أعهد ورشاً إبداعية تهدف للتربح أو بالأحرى ما قمت به من ورش، فهذا الأمر يُعد بعيداً كل البعد عن الإبداع والهدف الأصلي لتلك الورش، لاسيما أن هذه الورش تعد حقلاً جديداً وبوتقة إبداعية تنصهر بها المواهب؛ لتنتج في النهاية عملاً أدبياً راقياً ينتمي لجذور الكتابة الحقيقية الخلاقة».

وأضاف البحراوي: «الورش تعد مجالاً جديداً لاكتساب الخبرات الأدبية وتبادل المعرفة، ويساهم في هذا قلة عدد المشاركين بالورشة، والاحتكاك المباشر بالكتاب الآخرين وعرض العمل ومناقشته فيما بينهم، مما يسهم في كسب خبرات واسعة، لاسيما إن كان المشرف على الورشة خبيراً أو كاتباً أو ناقداً ذا خلفية أدبية واسعة».

فخ الورش

 الروائية سلوى بكر تُنوه إلى الوضع الذي وصفته بـ«الكارثي»، الذي يُعاني منه الكُتَّاب الشباب، حيث يقعون في فخ الورش الإبداعية المضللة التي تهدف إلى جوانب أخرى غير الأدب والإبداع، وتدلل على هذا قائلة: «لا أنكر أنه عمل خلاق، ولكن العبرة دائماً بالنتائج، ولم نر أو نرصد أي أعمال أو أدباء ظهروا من هذه الورش، فعلى الشباب أن ينظر بعين ثاقبة متأنية، قبل الانضمام لأي من هذه النشاطات، ولا يسعى وراء الحلم دون تفكير».

حراك ثقافي وإبداعي مستمر

تشهد الساحة الثقافية بمصر، مساهمات شبابية عدة ومتنوعة، تسهم بأشكال مختلفة في إثراء المحتوى الأدبي العربي، وذلك في شتى مناحي الأدب المتنوعة من شعر وقصة قصيرة وصولاً للرواية الأدبية وغيرها..

فيما تحتل «ورش الكتابة الإبداعية» مساحة خاصة بأي مركز ثقافي. فمثلاً يُقدم «بيت السناري» التابع لصندوق التنمية الثقافية في طقس مستمر لا ينقطع، ورشاً للكتابة الإبداعية لمشاركة الشباب منذ سن 18 عاماً، وتعليمهم أساسيات الكتابة وحرفية السرد والصياغة، في شتي المجالات «الفنون السردية القصة والرواية الشعر العامي والفصيح».

وعلى سبيل المثال أيضاً يقدم «درب 1718» في مجمع الأديان بمنطقة الفسطاط «ورش عمل» أيضاً، تهدف لتنمية الجانب الإبداعي لدى الشباب، وتحفيزهم على الكتابة، كذلك إسهامات الكتب خان في هذا المجال من توفير ساحات للنقاش والكتابة الأدبية، وغيرها من المراكز الثقافية الخاصة أو التابعة لوزارة الثقافة المصرية.

إسهامات وتجارب فردية

 التفت كثير من الكُتَّاب الكبار إلى أهمية هذه الورش فكانت لهم إسهامات مستقلة أمثال الروائية المصرية سحر الموجي، وتجربتها إنشاء ورشة تحت اسم «سيشت للكتابة الإبداعية» في نوفمبر من العام 2012، كذلك تجربة الروائي الدكتور بهاء عبد المجيد، مدرس الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة أكسفورد وجامعة عين شمس، والذي ساهم مع دار الربيع العربي للنشر في تنظيم ورشة للكتابة الإبداعية، وعرض مختلف أنواع فنون الكتابة وإخضاعها للدراسة والتحليل.