تعتبر مكتبة «سانت غالن» واحدة من أروع مكتبات المخطوطات في العالم وأروع فضاء مزخرف موجود في سويسرا تأسست في عام 719م ضمن مجمع شيد في عهد الملك شارلمان وهي مكتبة الدير الوحيدة التي أنشئت في العصور الوسطى ومازالت قائمة في مكانها الأصلي ونظراً لعمق جذورها في التاريخ اعتبرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في العام 1983 تراثاً للإنسانية.
تعد المكتبة مركزاً مهماً للأبحاث والدراسات وتجتذب موجوداتها العلماء والباحثين من كل بقاع الأرض لغناها بالمخطوطات النادرة ولعظمة الكنوز التي تحتفظ بها بين جدرانها والتي يعود قسم منها إلى أبرشية أتباع مذهب القدّيس بينيديكت، الذين اتبعوا قواعد صارمة كانت تلزم كل الرهبان الموجودين في الأبرشية بحصص مطالعة يومية وهذا ما دفع فيما بعد إلى الإحساس بالحاجة لتأسيس المكتبة التي لعبت في القرن التاسع عشر دوراً بارزاً في مختلف المجالات الثقافية ليس في سويسرا فحسب بل في مختلف أنحاء أوروبا.
كنوز من العصور الوسطى
بالرغم من أن موجودات المكتبة تصل إلى حوالي 150 ألف مجلد، إلا أن الثروة الحقيقية التي تكتنز بها تتألف من 2100 مدونة قانونية يعود تاريخ نصفها إلى القرون الوسطى ما بين القرنين التاسع والحادي عشر، كما هناك 400 مخطوط يعود تاريخها إلى ما قبل عام 1000 للميلاد.
وكان دير سانت غالن الذي يضم المكتبة قد راكم مجموعة قيمة من الكتب بما فيها أعمال من العصور القديمة، وتشتمل كنوزه على المخطوطة اللاتينية للـ«غوسبيل» (الإنجيل) وهو أقدم كتاب بالألمانية وعلى أقدم مخطط معماري على رق الكتابة.
كما كان الدير نشـِطاً في مجال العلوم بحيث كانت الكتب تدرس وتؤلف داخله وأصبح من أهم الأديرة في شمال جبال الألب، وظل قائما بعد فترة الإصلاح الديني، كما شهد انتعاشا في القرن الثامن عشر عندما أعيد تشكيل المكتبة لتظهر في حلتها الجديدة التي مازالت تُعرف بها حالياً أي مزيج من النحت الخشبي الثري والأسقف المزينة بالرسومات والجص.
أقسام المكتبة
يوجد داخل المكتبة بهو للعرض يتميز بأناقة وروعة زخرفته الباروكية التي تجذب السياح من كل أنحاء العالم، ويُعرض في هذا البهو مجموعة من أفضل النماذج التي تحتويها المكتبة حيث تم وضعها داخل صناديق ذات واجهات زجاجية وتتنوع المعروضات بين الكتب والقواميس والرسومات والشعر وغيرها.
كما تم تخصيص غرفة للقراءة بإمكان الدارسين أن يستخدموها للإطلاع بعناية على المحفوظات المتاحة وكغيرها من المكتبات المهمة وضعت «سانت غالن» قواعد صارمة للإطلاع على كُتب المدونات السرية ومخطوطات الأناجيل فهذه المواد لا يحظى بشرف دراستها إلا نخبة من الباحثين المُميزين الحائزين على تزكية من شخصيات مشهورة أو دعم من إحدى المرجعيات المهمة وسيخضع من يريد تخطي الباب والجلوس لدراسة إحدى المخطوطات النادرة للتفتيش الدقيق كما يتوجب عليه التعهد الالتزام بكل القوانين الموضوعة للحفاظ على سلامة المخطوطات.
منمنمات فريدة
وتحتوي المكتبة على قاعة للنسخ تشير الوثائق التاريخية إلى أنها كانت موجودة منذ العام 760 ميلادي ويوجد فيها عدد كبير من المخطوطات النفيسة التي تعود إلى حقب تاريخية مختلفة وتتميز بمنمنمات فريدة تم لصقها وتجليدها بشكل متقن مما ساهم في حفظها وتماسكها حتى وقتنا الحالي، وهي تتراوح ما بين العلوم التوراتية والطقوس الدينية التي تعد من أقدم المحفوظات الرهبانية في العالم.
كما تشمل أيضاً الجغرافيا وعلوم اللغة اللاتينية والألمانية بالإضافة إلى تاريخ الفنون والموسيقى والآداب وتاريخ القانون والطب ويعود الغنى والتنوع في كنوز مكتبة الأبرشية في سانت غالن إلى كونها أتت من مصادر متعددة، فمنها ما يعود إلى عهد شارلمان وإلى فترات مهمة من التاريخ الألماني ويذكر أنه في الفترة ما بين عامي 1767 و1796 تم تسجيل عدد من المقتنيات المهمة من المدونات القانونية التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى كما شهدت محتويات المكتبة ارتفاعاً مهمّـاً في فترة النهضة.
ثورة رقمية
شهدت المكتبة التي تأسست قبل 12 قرناً في العام 2004 ثورة رقمية من خلال عملية تحميل مجموعة مخطوطاتها الشهيرة على شبكة الإنترنت ضمن مشروع رائد يهدف إلى إنشاء مكتبة افتراضية للمخطوطات حيث كان ثراء مجموعة المخطوطات التي يعود تاريخها للقرون الوسطى، إضافة إلى الشهرة الدولية التي حظيت بها المكتبة إثر إقرارها على قائمة التراث الإنساني من قبل منظمة «اليونسكو» عوامل جعلت منها مكاناً ملائماً جداً لإنجاز هذا التحول الرقمي.
المشروع الذي انطلق تحت اسم المدونات الإلكترونية لـ«سانت غالن» حظي بدعم كبير من طرف معهد الدراسات القروسطية لجامعة «فريبورغ» بالتعاون مع مكتبة الأبرشية، وكان الهدف الأساسي منه إجراء عمليات نسخ رقمية لحوالي 130 من بين أجمل المدونات القانونية المنمنمة المحفوظة في المكتبة بجودة عالية تسمح للباحثين المهتمين بإجراء تحاليل مفصّـلة على هذه النسخ عبر الإنترنت، مما أتاح تعويض الاطلاع المباشر على الوثائق الأصلية الثمينة، وهو ما من شأنه أن يساعد في المحافظة عليها بشكل أفضل وضمان عدم تعرضها للتلف.
100,000
تجتذب كتب ومخطوطات المكتبة القيمة أكثر من 100 ألف زائر سنوياً من مختلف أنحاء العالم. كما تعمل المكتبة كمؤسسة أكاديمية لدارسي الألمانية والأيرلندية القديمة، بفضل مجموعاتها من المخطوطات الأيرلندية التي تعود إلى بداية القرون الوسطى.
وما زالت المكتبة تُستعمل إلى اليوم من طرف الباحثين والعلماء، لكنها تحولت إلى متحف أيضاً أقيم في القاعة ذات الزخرفة الثرية والفريدة، ويضم عروضاً مؤقتة من حين لآخر وعرضاً دائماً يشتمل على خارطة للأبرشية يعود تاريخها إلى القرن التاسع للميلاد، ورسوماً توضيحية حول تاريخ الدير.
وتهدف المكتبة حالياً، بشكل حثيث، ضمن خطة تطويرية إلى ترميم المخطوطات النادرة، ما سيجعل من مكتبة سانت غالن على رأس الوجهات المعرفية والتاريخية السويسرية.
ترقيم إلكتروني لـ355 مخطوطة قديمة
بفضل هبة المليون دولار التي قدمتها لها مؤسسة «أندرو دبليو ميلون» الأميركية دعماً منها لعملية المحافظة على المخطوطات، شرعت المكتبة في ترقيم المخطوطات الـ 355 التي يرجع تاريخها إلى ما قبل 1000 ميلادي، وتم استنساخ جميع أجزاء المخطوطات بتقنية رقمية، بما فيها الصفحات الفارغة ورباطات وأغلفة الكتب والبيانات الدراسية المتعلقة بها، كما تم توفير وصف مُختصر لكل مخطوطة باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية.
وتمت إضافة هذه المخطوطات في نهاية عام 2009 إلى مكتبة دير «سانت غالن» الإلكترونية ضمن مشروع المكتبة الإلكترونية الذي عمل على ترقيم مخطوطات القرون الوسطى للمكتبات في جميع أنحاء سويسرا والذي شمل أيضاً ترقيم 100 مخطوطة إضافية من مكتبات سويسرية أخرى على مدى السنوات الماضية.


