تكاد لا تتوقف شكاوى الآباء والأمهات، إزاء إحجام أبنائهم عن القراءة. ولكنهم يغفلون في خضم تذمرهم وتشكيهم في هذا الشأن، أن الأسرة، وحسب أحدث الدراسات في الحقل، تشكل الجوهر الأساس في بناء دعائم الشغف بالكتاب لدى الطفل، كونها من يغرس في نفسه وعقله..

ومنذ السنوات الأولى، حب الكتاب وتعزيز العلاقة به، إلا أن جهات عديدة، بالمقابل، لا تني تشدد على أن المسألة محكومة بضرورات واشتراطات جمة، تتقدمها الحاجة الى إطلاق مبادرات مؤسسية مجتمعية، تعنى بتنظيم برامج دقيقة متخصصة.

لا شك أن هذه القضية، وبفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتعلق الأطفال بها، اخيرا، دخلت منعرجات ومتاهة تشابكات عديدة، زادت من حدة تأججها، ومن ثم اقترن الأمر، بزيادة شكاوى الاهل من الجفوة المتضخمة بين أطفالهم والكتاب، بل والقراءة بوجه عام. وربما يبقى الثابت، وطبقا لتجارب ودراسات كثيرة، أن محاكاة الكتاب لمخيلة الطفل، وغناه بألوان الجذب وعناصره، عوامل جوهرية في تعزيز علاقة الطرفين.

يبقى السؤال المؤرق إزاء تلك الحال، يلح علينا للتفتيش عن أجدى وسائل الحل وأسرعها، غاية خلق علاقة وئام حقيقية بين الطفل والكتاب، فتلك الارضية مؤداها في نهاية المطاف، التأسيس لأجيال مؤهلة، تتحمل المسؤوليات في نهضة مجتمعاتنا وتقدمها.

«بيان الكتب»، يرصد واقع الظاهرة، محللا، عبر لقاءات مع متخصصين ومعنيين، ابرز اسبابها، وطبيعة الحلول الممكنة.

شرط

تؤكد ميثاء الخياط، الكاتبة والرسامة المتخصصة في قصص الأطفال، إيمانها العميق بوجود الطفل القارئ في وقتنا الحالي، مشيرة إلى أنها لولا شعورها بشغف الأطفال تجاه القراءة، لما توجهت للكتابة لهم.

وتضيف: «إن وجود الطفل القارئ قاعدة وأساس وجود الكاتب في الحقل، ولكن المفارقة العجيبة تكمن في اعتقاد كثر أن قراءة الطفل، تأثرت سلباً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات التسلية، ما يمنع الأطفال من القراءة..

ولكني أرى عكس ذلك، فهذه الوسائل الحديثة فتحت المجال أمام الأطفال واليافعين للقراءة، من دون أن يشعروا بذلك، فليس شرطاً أن تكون القراءة عن طريق الكتاب ليصبح الشخص قارئاً، ولاحظت القدرة الكتابية لكثير من اليافعين، من خلال ما يكتبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك بغض النظر عن نوعية المادة المكتوبة، سواء أكانت حِكماً أو أمثالاً أو فكاهات أو مواقف مختلفة».

وتشير ميثاء، إلى ضرورة احتواء كتاب الطفل، على مواصفات خاصة ليكون لافتاً وشيقاً: «يبحث الطفل في أوقات فراغه عن مادة جاذبة تلفت نظره، وتخاطبه بلغته وبأسلوبه، وعلى الكاتب أن يعي ذلك، وأن لا يتحدث معه بلغة أعلى من مستواه».

تشرح ميثاء، وجهة نظرها حول سبب إهمال أطفال كثيرين للقراءة: «تمثل الأسرة، النواة الأولى والمؤثر الأساسي على الطفل، فلو كان الأهل شغوفين بالقراءة، لانعكس ذلك تلقائياً عليه، كما يجب أن يحتوي البيت على مكتبة ليكبر الطفل بين الكتب. لكن، وبعد المنزل، يأتي دور المدرسة في هذا المجال، ومعها الجهات والمؤسسات المختلفة التي يجب أن تدعم حب القراءة لدى الطفل».

أمومة

ليس هناك أقوى من الأمومة لتكون دافع الكتابة للطفل. هذا حقيقة، ما حدث مع نورة عباس الخوري، كاتبة قصص الأطفال، كما تبين. وهي ترى أن الطفل العربي، فعليا، هو قارئ، إلى حد ما. وتتابع: «الشغف بالقراءة مصدر جذب الطفل إلى هذه العوالم، إلا أن هذا يجب أن لا يمنعنا من الاعتراف بأن نسبة الطفل القارئ لدينا، قليلة عمليا، مقارنة بالواقع الحالي في الدول الأخرى».

وتوضح نورة، أنها، ومن خلال تجربتها ومشاعرها ومعايشاتها كأم، استوحت أفكارها التي بلورتها على شكل قصص للأطفال. وتحكي عن ذلك: «هناك مواصفات خاصة يجب أن تتوافر لدى كاتب الطفل، وأهمها أن يكون مفعما بروح الطفولة ومستوعبا كينونتها وسماتها.

كذلك لا بد أن يتعامل ويتعاطى في عمله مع الأطفال، بشكل مباشر، يعكس حقيقة تفهمه عالمهم، ذلك بموازاة حرصه على إمدادهم بما يفضلون ويطلبون. وهذا إضافة إلى ضرورة امتلاكه للأدوات الأدبية المميزة، وتمكنه من اللغة السليمة الجاذبة».

وتشير القاصة في حديثها، إلى أن حب القراءة لا يمكن أن يكون وليد لحظة فجائية، إذ إنه يُزرع لديه منذ الصغر. وتوضح رأيها: «لو رأى الطفل أمامه أماً تقرأ وأباً يعيش مع الكتاب، وخبر وعايش روحاً جميلة تجمع الأسرة بالمكتبة، لا شك أن حب القراءة سينتقل إليه بشكل تلقائي».

مخيلة

«(هاري بوتر) أثبت أن الطفل قارئ من الدرجة الأولى». هذا ما تشدد عليه أمل فرح، كاتبة الأطفال. وتشرح رأيها: « كان الناس يقولون سابقاً، إن الطفل العربي لا يمتلك الرغبة او الدافع للقراءة، وكذا إنه يميل إلى الرسم أكثر من التعلق بالكتاب. وكثيرا ما وجدنا أن مثل هؤلاء، يطالبون بالكتب الملونة.

ولكن، جاء «هاري بوتر» ليثبت للعالم أن الطفل لديه الاستعداد ليقرأ كماً مهولاً من صفحات الكتب، من دون أية رسومات، ذلك فقط لأن الكتابة، كما حال الكتاب المذكور، تحاكي طبيعة مخيلة الطفل وأفق إدراكه العقلي». وتسطر: «فلنكتب جيداً. ثم نتكلم عن قدرة الطفل على القراءة، فالطفل اليوم لا يجد ما يبهره ليقرأه، وهذا يبين أن المشكلة تكمن في الإبداع نفسه وليس في المتلقي».

وتتحدث امل، عن تحولها من مهنة الصحافة، إلى التفرغ للكتابة للأطفال، مدفوعة بواقع كونها أماً: «بعد أن غدوت أما، أصبحت أكثر حساسية تجاه واقع المعاناة في خصوص فرادة التجربة التربوية والفكرية مع الطفل، واشتراطات وضرورات تربيته بموازاة كيفيات تلبية حاجات تنمية معرفته وفكره. وهكذا، وجدت أنه بالكتابة للأطفال يمكنني أن أسهم في لعب دور حيوي ضمن المجال، وبها ومعها، وجدت أنه بمقدوري أن أسعد بما أقدمه لابنتي».

اختيار

يرى خبراء وأدباء في حقل الكتابة للطفل، أن عملية اختيار كتب لهذه الفئة العمرية، مسألة غاية في الحساسية والأهمية، كونها قاعدة وجوهر بناء ارتباطه بعالم القراءة، وكذا تكريس شغفه بالكتاب. ولذا تجدر، حسب رأيهم، مراعاة اعتماد خيارات اقتناء، تفي بغرض خلق علاقة حميمية بين حواس الطفل والكتاب..

ذلك من خلال التركيز على عدة أمور توافرها في كتاب الطفل، أهمها: المتانة (لأن الطفل في عمر صغير، يكتشف الكتاب بيديه وفمه، ما يجعل من الضروري اختيار كتاب يتحمل شقاوته)، الألوان (تعد مطلباً أساسياً يجب توافره، فالكتب الغنية بالألوان المشرقة، تكون علاقة لطيفة بين الطفل والكتاب، والألوان الواضحة ستجعله يميز بينها بسهولة فيما بعد). كذا علينا أخذ عدد صفحات الكتاب في الاعتبار، فالطفل يميل إلى الكتب ذات عدد الصفحات القليلة.

200 كتاب في أدب الطفل تترجم سنويا للغة اليابانية

يطالب أدباء وخبراء عرب، بضرورة اقتدائنا بنهج ومسيرة دولة اليابان، في حقل الكتابة للطفل ومبادرات تثقيفه والارتقاء بأفقه الفكري. إذ إن بلاد الشمس المشرقة (اليابان)، التي تتميز بالاهتمام البالغ بمواطنيها منذ الطفولة، صاحبة تجربة عظيمة قاطعة في نتائجها الرائدة.

وتتلخص هذه التجربة في التركيز على ترجمة كتب الأطفال الجيدة على مستوى العالم، إلى اللغة اليابانية، ذلك من أي لغة كانت. وهو ما اكسب اليابان، حسب بحاثة في الخصوص، قدرة على بناء أجيال ذات عقول نيرة ومؤهلة على أعلى الدرجات.

ويبلغ متوسط ما تترجمه اليابان، سنوياً، أكثر من 200 عنوان. وفي كل عام، يسافر من اليابان، فريق متخصص إلى معرض ميونيخ الدولي للكتاب في ألمانيا، ويعمد إلى دراسة جميع ما هو موجود في المعرض، من كتب الأطفال، ذلك بجميع اللغات. ثم يعود الفريق نفسه إلى بحث ودراسة المناسب منها، لترجمته إلى اللغة اليابانية، كي يستفيد كل طفل على أرض اليابان، فيصبح ملماً بما يحصل عليه أطفال العالم من معلومات.

 نصف الأطفال العرب محرومون من أساسيات التعليم

 كشف تقرير «رصد التعليم للجميع»، الذي أصدرته منظمة اليونيسكو، أخيرا، أن نحو نصف الأطفال في الدول العربية، لا يتلقون تعليما ابتدائيا، أو أنهم لا يتلقون أساسيات التعليم، ذلك حتى عندما يلتحقون بالمدارس. وبطبيعة الحال، فإن لهذا ارتباطا وتأثيرا كبيرين، في عملية ثقافة الطفل وتكوينه المعرفي، لاحقا، ثم علاقته بالكتاب.

وذكر التقرير، أن 57 مليون طفل في العالم، لا يذهبون إلى المدارس، وأن ثلث الأطفال البالغين سن التعليم الابتدائي، لا يتعلمون الأساسيات، سواء التحقوا بالمدارس أو لم يلتحقوا بها، بسبب تدني مستوى التعليم.

كما أظهر التقرير، ان مصر تصنف ضمن الـ10 بلدان في العالم، التي فيها 72 في المئة من العدد الإجمالي للكبار، يعانون الأمية. وكانت اليونيسكو قد وضعت سنة 2008، في تقريرها المشار إليه، أهدافا عديدة، يتعلق بعضها بتخفيض عدد الأميين في العالم، والرفع من مستوى تدريس الأطفال. ووفقا لتقديرات اليونيسكو، فلو ان كافة التلاميذ في البلدان منخفضة الدخل، اكتسبوا مهارات القراءة الأساسية في المدرسة، لكان من الممكن انتشال 171 مليون نسمة من الفقر.

ميثاء الخياط: الكاتب مطالب أن يعي شخصية الطفل ونوعية المادة التي تجذبه وتتوافق مع سنه وتخاطبه بلغته وأسلوبه

نورة الخوري: أبرز سمات الكاتب الناجح في أدب الطفل أن يكون مفعماً بروح الطفولة ومستوعباً كينونتها وطبيعتها.

أمل فرح: «هاري بوتر» أثبت أن الطفل لديه الاستعداد ليقرأ كمّاً مهولاً من صفحات الكتب التي تلبي رغباته وتتماشى مع مستوى إدراكه