عندما تذكر مكتبة بلدية نابلس، فاعلم أنك في حضرة أقدم وأكبر المكتبات العامة في فلسطين، ففي هذا العام تكمل المكتبة 54 عاماً من عمرها، ولا تزال منذ تأسيسها حتى الآن متربعة في المكان نفسه، وسط حديقة باتت تعرف حالياً باسم «حديقة مكتبة بلدية نابلس العامة» التي تطل على شارع الشويترة الذي يعد أحد الشوارع الرئيسة في المدينة الموغلة في التاريخ.
نواة المكتبة
لم يكن قرار إنشاء مكتبة بلدية نابلس في عام 1960 عفوياً، وإنما انبثق من فكرة إتاحة المعرفة للجميع، وجاء إنشاؤها في عهد المرحوم أحمد السروري الذي كان يرأس مجلس بلدية نابلس آنذاك، فيما حظيت المكتبة بدعم ومساعدة الراحل الملك الحسين بن طلال الذي حضر بنفسه حفل افتتاحها، إذ كانت الضفة الغربية آنذاك تخضع للحكم الإداري الأردني، لتبدأ المكتبة نواتها من 1000 كتاب..
وكان أثاثها حينها من صناديق الخشب التي جلبت بها مولدات الكهرباء إلى المدينة، فجمع هذا العدد من الكتب من تبرعات المواطنين ..
وتبرعات أعضاء المجلس البلدي، وجزء ثالث اشتري، لتكبر المكتبة مع مرور السنوات، إلى أن باتت تضم حالياً أكثر من 85 ألف كتاب ومرجع، في شتى العلوم والآداب والتاريخ والجغرافيا وعلم الديانات والطب والاقتصاد، وبلغات عديدة كالإنجليزية والألمانية والعبرية والفرنسية والروسية واليابانية، لتتحول مكتبة بلدية نابلس إلى منهل للمعرفة والثقافة.
54 ألف مشترك
تقبع مكتبة بلدية نابلس في مبنى تاريخي يعود إلى الفترة العثمانية، وكان قبل ذلك مقراً لبلدية نابلس التي غادرته، ليتحول المبنى إلى قاعة سينما، ومن ثم تحول إلى مقر للمكتبة التي لا تزال فيه حتى الوقت الحالي، ولمعرفة عمر المبنى، تكفي نظرة واحدة لاكتشاف العلم التركي المنقوش على حجر النافورة الواقعة قربه.
وحسب الروايات المنقولة عن القائمين عليها، فكانت بداية المكتبة متواضعة، بكادر وظيفي لا يتجاوز عدد أصابع اليد، بينما كانت الكتب والمراجع فيها شحيحة، إلا أنها تمكنت مع مرور الوقت من أن تتربع على عرش المكتبات العامة العاملة في فلسطين، في قدمها وحجمها أيضاً، لا سيما أن إدارة المكتبة تحتفظ بسجلات لنحو 54 ألف مشترك، نصفهم على الأقل مشتركون فاعلون، يلتزمون بتجديد اشتراكهم.
ويداومون على زيارة المكتبة بشكل متكرر، بحسب ما تشير إليه الإحصاءات التي رشحت عن المكتبة، والتي تبين أن فئة الشباب هم الأكثر حضوراً في أروقة المكتبة التي تضم بداخلها عدداً من الأقسام، لعل أهمها قسم الوثائق والأرشيف الذي خصص قسماً للدوريات العربية والأجنبية الأسبوعية والشهرية والفصلية والسنوية.
ويوجد قسم آخر للأرشيف الصحافي يوثق لعدد كبير من الصحف العربية التاريخية التي تعود في بعضها إلى عام 1925، إلى جانب مجموعة الصحف التي كانت تصدر في فلسطين خلال سنوات العشرينيات من القرن الماضي، قبل النكبة، مثل صحف «فلسطين» و«الدفاع» و«الجامعة الإسلامية».
وثائق تاريخية
في قسم الوثائق التاريخية، تمتلك المكتبة كنزاً معرفياً كبيراً، فإلى جانب ما يحتويه القسم من نشرات صدرت ولا تزال عن الهيئات والجامعات والجمعيات والمؤسسات وغيرها المحلية والخارجية، هناك الوثائق المتعلقة ببلدية نابلس منذ تأسيسها في عام 1869 حتى الوقت الحالي.
وكذلك ملفات وسجلات دوائر أوقاف «اللواء الشمالي» إبان الانتداب البريطاني على فلسطين، وكانت معظم هذه الوثائق قد خزنت في مستودعات مهملة وملأى بالأخشاب، ولعله السبب الذي لم يلفت نظر سلطات الانتداب البريطاني إليها ومن بعده الاحتلال الإسرائيلي، لتظل هذه الوثائق بعيدة عن عيونهم، وبعد أن عثرت البلدية على وثائقها، عمدت إلى تأسيس قسم الأرشيف، والعمل على ترتيبها وحفظها بطريقة إلكترونية لحمايتها من التلف.
مكتبات شخصية
تضم المكتبة مجموعة من المكتبات الشخصية في داخلها، إذ نقلت إليها بحسب وصية أصحابها، مثل مكتبة الدكتور إبراهيم الفنين التي تحتوي على مجموعة من الكتب التاريخية والدراسات الأثرية في فلسطين، ومجموعة من الخرائط والشرائح والأفلام. وكذلك مكتبة المرحوم الدكتور قدري طوقان التي أوصى بها للمكتبة قبل وفاته في عام 1975،.
ويبلغ عدد الكتب فيها 4060 كتاباً شاملة جميع أنواع المعرفة الإنسانية، باللغتين العربية والإنجليزية. كما تحتوي مكتبة بلدية نابلس أيضاً على ركنين خاصين بمكتبتي المرحومين: حافظ طوقان والدكتور راسم يونس. واللافت أن المكتبة فيها مكتبات جزئية تتعلق بالطفل والدراسات والأبحاث العربية، يحمل اسم «مركز الدراسات والأبحاث العربية».
مكتبة الأسير
يوجد في المكتبة نحو 7845 كتاباً وأكثر من 800 مذكرة، هي حصيلة مكتبة الأسير الفلسطيني التي نقلت إلى مكتبة بلدية نابلس، في عام 1996 بعد إغلاق سجني الجنيد ونابلس اللذين كانا موجودين في مدينة نابلس ويشرف عليهما الاحتلال الإسرائيلي، وحالياً تعد هذه المكتبة من أهم الأقسام الموجودة في مكتبة بلدية نابلس، لا سيما أنها لا تشتمل على الكتب فقط.
وإنما أيضاً تشمل التوقيعات والتعليقات المتعلقة بآراء وأفكار ومعتقدات وآهات الأسرى، مسجلة على طيات الكتب في ذلك الوقت، إضافة إلى المئات من الكراسات التي كتبها الأسرى بخط اليد، والتي يمكن للباحث فيها معرفة طبيعة الأوضاع التي كان يعيش فيها الأسرى في السجنين المذكورين، وطبيعة ما تحمله الحركة الأسيرة من فكر سياسي واجتماعي.
تغذية المكتبة
تحرص إدارة المكتبة التي تخصص لها البلدية ميزانية خاصة، على اقتناء كل ما هو جديد في عالم الكتب والثقافة، وهو ما يمكن لمسه من خلال مجموعات الكتب الكبيرة من نوعيات الإصدارات الحديثة، وذلك لتوفير المعلومة أمام روادها، من العامة والباحثين. ووفرت المكتبة لكل الراغبين وسائل تكنولوجية متنوعة، لمساعدتهم على البحث عما يتطلعون إليه من معلومات.
كما خصصت زاوية للمكفوفين، عبر توفير مجموعة من الكتب المطبوعة بلغة بريل، وتسعى إدارة المكتبة حالياً إلى استحداث قسم خاص بالوسائط المتعددة التي تشمل الصوتيات والمرئيات والصور والخرائط المختلفة.
«اقرأ كي تحيا» .. تفعيل قراءة الأطفال
اعتادت إدارة مكتبة بلدية نابلس تنظيم العديد من الفعاليات التي تسعى من خلالها إلى التشجيع على القراءة، ومن بينها معرض قصص الأسـبوع الوطني للقراءة الذي يقام تحت عنوان «اقرأ كي تحيا»، ويعد حالياً من أبرز هذه الأنشطة، إذ تستهدف من خلاله إدارة المكتبة محبي القراءة من كل الأعمار، وتحديداً الأطفال منهم، بغية تعويدهم على تآلف الحروف.
لذلك، تعمل إدارة البلدية خلال هذا المعرض الدوري على تنظيم معرض متكامل داخل حديقة الشويتره، وتقدم فيه مجموعة كبيرة من القصص القصيرة المخصصة للأطفال وبلغات عدة.
إضافة إلى الموسوعات العلمية وكتب عن النباتات والحيوانات، وكتب علمية رياضية، وأخرى متنوعة عن قصص الشخصيات الإسلامية، وموسوعات عربية لإرضاء جميع الأذواق والمستويات المختلفة للأطفال، كما يشمل هذا المعرض أيضاً مجموعة من الكتب المطبوعة بلغة بريل المخصصة للمكفوفين، وذلك حتى تتاح لهم الفرصة للمشاركة في هذا المهرجان السنوي .
صفحة المكتبة على فيسبوك تجذب أكثر من 5000 مشارك
أنشأت إدارة المكتبة صفحة خاصة بها على موقع التواصل الاجتماعي الـ«فيسبوك»، وذلك في إطار تواصلها مع العالم. وجذبت الصفحة أكثر من 5000 متابع، إذ تزخر الصفحة بأخبار وأنشطة المكتبة، إلى جانب ملايين المعلومات التي دأبت إدارة المكتبة على نشرها، والتي تسعى من خلالها إلى التعريف بمجموعة من الشخصيات الفلسطينية والعربية، ممن عرفوا في مجالات الأدب والثقافة.
وكذلك تاريخ المدن الفلسطينية، وبعض المناطق الأثرية والتراثية فيها، والعائدة إلى زمن بعيد، كما تنشر فيها مجموعة من الصور التاريخية، خاصة تلك التي التقطت للقدس ويافا وحيفا، والتي تعود بعضها إلى عام 1900 وما قبله، وكذلك في أثناء فترة الانتداب البريطاني، وقبل فترة النكبة، كما تنشر فيها الصفحات الأولى لصحف «فلسطين» و«الدفاع» وغيرهما التي كانت تصدر في فلسطين خلال سنوات الثلاثينيات وما قبلها من القرن العشرين، وتنشر المكتبة فيها أهم الأحداث الثقافية في العالم.

