نقاشات لا تنتهي شرعت تطرحها، أخيراً، النجاحات المهمة التي تحصدها الأعمال الأدبية، الروائية تحديداً، لمؤلفين شباب، خاصة في ظل الإقبال الكبير عليها وترشح أو نيل بعضها جوائز مرموقة. وتبرز لنا في مثال هذه الأعمال وفي سياق هذه الظاهرة، حالة الروائي المصري الشاب أحمد مراد، ذلك عقب صدور أربع روايات له نالت شعبية كبيرة ضمن الساحة الأدبية المصرية..

 وكذلك تركزت ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، ذلك بموازاة ترشح الكاتب لنيل جائزة البوكر العربية.

وأطلقت هذه الحالة، مع غيرها، سيلا من التساؤلات والمداولات المصحوبة بجدل لا ينتهي، في الساحة الثقافية العربية، حول موضوع «الكُتّاب والأدباء الشباب»، الذين أوجدوا قاعدة جماهيرية كبيرة لهم، رغم عمرهم الروائي القصير. وعلى حد زعم أصحاب تلك الآراء، فإن دليل ذلك أن روائياً شاباً مثل مراد، لا يتعدى «عمره الأدبي» عشرة أعوام، بات يحتل مكانة مميزة في صفوف القراء، وبشكل غالب، الشباب من بينهم.

يبدو أن القضية غدت محل بحث وتحليل معمقين لا يتوقفان، فلم تعد تقتصر في الطروحات والنقاشات حولها، على التفتيش عن مدى توسعها أو سيطرتها في الساحة الثقافية. بل إن النقاشات الدائرة في شأنها أصبحت تتركز على معرفة مدى تأثيرها وتوفيرها لحقيقة شغل الأدباء الشباب مكانة متقدمة في الحقل، يستطيعون معها سحب البساط من تحت كبار الكُتّاب.

«بيان الكتب» يحاور مجموعة من المتخصصين والكتاب حول المسألة، مسلطاً الضوء على أسبابها وطبيعة نتائجها المستقبلية، إضافة إلى سبل الاستفادة منها وتوظيفها في تعزيز البناء والتطوير ضمن لبنات العمل الثقافي في العالم العربي.

لا اختلاف

لا يرى عاصم شلبي، رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب، أن الجيل الحالي يختلف كثيرا، في التكوين الفكري، وكذلك في لغة الخطاب التي يستخدمها، عن اجيال المبدعين والأدباء الذين سبقوه. ولذا، حسب قوله، فهو يجد في كتابات الشباب، التي شرعت تتبوأ مكانة مرموقة في الساحة حالياً، تلبية لمتطلباته الفكرية والعقلية، خاصة إذ نظرنا إلى الفروق السنية، التي تتطلب خطاباً متمايزاً.

ويضيف: « لا شك أن للشباب في وقتنا الحالي، خصوصية وسمات فكرية ومعرفية عامة، يتمايزون فيه عن الفئات العمرية الأكبر. فهم ينتمون إلى جيل عايش وواكب الكثير من المتغيرات والمستجدات في الوطن العربي بدوله المختلفة؛ وبناء على هذا، فإن تأثيرات وحيثيات كثيرة، لا تحصى، انغرست في بنية تفكيرهم وتعاطيهم.

الأمر الذي أفرز اختلاف طريقة تفكيرهم ومن ثم خروجهم عن الإطار والنسق المألوفين، ولا حاجة بنا إلى التأكيد ها هنا أن لهذه العملية، جملة إفرازات طالت بدورها سياق تعاطيهم واستيعابهم وتفضيلاتهم في الشأن الثقافي».

ارتباط

يميل الناقد والشاعر شعبان يوسف، إلى ترجيح حقيقة أن المحتوى هو الحكم في الأعمال الأدبية، دوماً، وينسحب ذلك على الظاهرة موضوع التناول. ويحكي عن رأيه ذاك: «لا يرتبط القارئ، في منحى ميوله واشكال خياراته في شرائه للكتب، بجانب انكبابه او تركيزه على جعل أي من تصرفاته تلك، يتسق وتواكب مع محور دعم الشباب من عدمه. فلا جدال في أن المحتوى بمستواه وماهيته، يبقى نقطة الجذب والاستقطاب في نهاية المطاف.

ويمكن أن كتّاب هذا الجيل، جيل الشباب، تفردوا وتمايزوا عن الاجيال السابقة، بكونهم أكثر حظا من جانب تنوع المصادر واسس التغذية والاستفادة، ذلك بفضل توفر جميع السبل التي تمكنهم من التواصل مع جمهورهم وهو أمر يعطيهم دافعا، ويجعلهم يستطيعون حصد أكبر النتائج ».

ويتابع يوسف: «هؤلاء الكتاب الشباب يتواصلون مع من هم في مثل سنهم ومراحلهم العمرية، ما يقلل الفجوة بين الكاتب والقارئ، ويعلي من مبيعات الكاتب نفسه، في السوق، وهذا يحوله مركز اهتمام من قبل دور النشر. لكن، ومن جهة أخرى، فإن التواصل الاجتماعي بوسائله العصرية، يبدو سلاحاً بحدين.

اذ يمكن أن ينتحل أحدهم شخصية الكاتب، وهي ظاهرة غير صحية نسبياً. إلا اننا في النهاية، نجد أن نوعية الكتاب هي الفيصل في إقبال الجمهور من عدمه، ذلك سواء كان المؤلف من الكتّاب الشباب أو الكبار».

ذوق خاص

يتفق الروائي المصري، إبراهيم عبدالمجيد، مع ما يطرحه الشاعر شعبان يوسف، في أن لكل قارئ اختياره وذوقه الخاصين. فالأمر لا يقتصر على سن بعينها، فهناك من يقرؤون للعقاد ومحفوظ والسباعي وغيرهم. ويعقب: «هدفنا في النهاية، توسيع دائرة القراء. وحتى مع حتمية أن لكل قارئ كتابه وكاتبه، فهذا أمر لا يقلل من قيمة أحد أو يزيد منها. فالموهبة هي الأصل والأساس».

ومن جهته، يقول الكاتب خالد الخميسي:« نمر، حاليا، في لحظة تاريخية جديدة بتاريخ الإنسانية، بتأثير العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، وما خلفه ذلك من اثار على الحقل الأدبي والثقافي العام. وأعتقد أن الجميع ليسوا على دراية كاملة أو مدركين لها، فنحن نعيش لحظة انتقالية بحق، إذ إن الأمر لا يقتصر على ثورات الشعوب أو الثورة الرقمية، بل يمكن تفسير الأمر على أنه مرحلة اضمحلال ونهاية لنمط وتفكير القرن الـ18 ومعه المدارس التي بزغ نجمها في القرن نفسه..

ذلك في كل المجالات، سياسياً ونظامياً واجتماعياً، فما بالك بالأدب الذي يعد نتاج كل هذه العوامل مجتمعة. إذ الوقت الحالي هو زمان ميلاد لفكر وأدب بصيغة جديدة، خاصة في هذه المرحلة». ويشرح الكاتب، رأيه في شأن وضع القراءة بشكل عام : «القراءة في مصر محدودة المستويات إلى درجة كبيرة، كما أن عدد القراء الذين يملكون الرفاهية للقراءة الإلكترونية ليس ذا بال؛ وطبعاً ذاك نظراً للوضع الاقتصادي والمادي، وبذا نحن منغمسون في تلافيف مأساة حقيقية بهذا الخصوص».

عصر الشباب

ينحو عادل المصري، نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، في تناوله القضية، باتجاه مختلف، يعد معه أن أدب الشباب يكتب من الشباب وللشباب. فالجيل الحالي، برأيه، لم يعتد قراءة الكتب ذات الحجم الكبير، إنما يفضل مطالعة الكتب البسيطة والمختصرة ذات اللغة السهلة، والتي يتناولها في حديثه اليومي.

وعن الأعمال الأدبية القديمة، يضيف: « لا يوجد كتاب يموت، كما أن القارئ في حالة تطور دائمة، سينتقل ما بين المراحل، فبعد اطلاعه على أدب الشباب سيكون قد امتلك الحصيلة الفكرية واللغوية التي تمكنه من مطالعة الأدب القديم بأنواعه».

فكر مختلف

يتحدث الكاتب عمر الكومي عن الظاهرة:« جيل الشباب، تحديداً من يتراوح أعمارهم بين الــ 16و الـ 24 عاماً، يتطلع إلى صيغة مختلفة. وهو يجدها في كتابات الشباب وفكر الأدباء الشباب، خاصة مع سرعة نمط الحياة، كما أن القراء الشباب أيضاً لا يُقبلون بشكل كبير، على الكتب الموسوعية وذات البعد الفكري العميق، لأن الكتب المتوسطة تروي عطشهم للقراءة».

ويستطرد: « الربيع العربي كان له آثر كبير على التوجهات الفكرية للشباب في الوقت الحالي، فالبعد الثوري بتفكير شريحة الشباب، جعله متمرداً على كل ما هو مُسلَّمٌ به، كذلك الموضوعات التي يقبل على قراءتها أصبحت مختلفة.

ومع أن ثورة الإنترنت أثمرت الكثير من الإيجابيات، هناك سلبيات أيضاً، ومنها عرض الكتب إلكترونياً من دون الانتباه الى حقوق النشر، وهذه تعد سرقة. لا يجب السماح في سرقة الكتب، خاصة وأن أسعارها في مصر هي في حدود المعقول، ذلك مقارنة بأسعارها في دول أخرى، أجنبية أو عربية. كما ان عزوف القارئ عن شراء الكتب، ناتج من الأزمة الاقتصادية، لا أسعار الكتب، المبالغ بها».

 ظاهرة أدبية صحية تُلبي حاجة مجتمعية عصرية

يؤكد أدباء ونقاد كثر، عدم تخوفهم من هذه الظاهرة، بما تشتمل عليه من أنساق اختلاف وتطور في منحى ما، إذ يجدونها صحية ومفيدة مآلها التجديد والتحسين في مضمون ونوعيات الأعمال الثقافية العربية، ومن ثم مصيرها أن تحدث جملة تغييرات بنيوية تكسر نمطية النهج المتبع والموضوعات المطروقة.

وتؤدي بالتالي، طبقاً لدراسات وآراء متعددة في المجال، إلى الخروج عن القالب المعتاد، مستفيدة في تغذية ركائزها ومسارها من قاعدة تنوع وسائل تواصل الكتّاب والقراء في ظل الارتقاء التقني والتكنولوجي والرقمي، الفريد، الذي نعيشه.

إذ أتاحت الوسائط المتنوعة، مثل شبكات التواصل الاجتماعي، تقريب القارئ من الكاتب، فالدخول إلى عوالمه ومجاله الشخصي. وعلى هذا الأساس، نظر هؤلاء إليها على أنها ظاهرة صحية صرفة ولا يمكننا أن نعتبرها محط خلل أو مساقاً ناشزاً في سيرورة ومضمون الثقافة والأدب في الوطن العربي. إذ إنها تلبي حاجة مهمة.

 وسائل الاتصال وطبيعة الموضوعات أساس الإقبال

عوامل عديدة تجتمع، حسب رأي عاصم شلبي رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب، لتخدم استمرار ارتقاء وتألق الأعمال الأدبية الشبابية. ويشرح وجهة نظره في الخصوص: « لم تعد سبل النشر، بدورها، تقليدية كالسابق، فمنوال تعامل الناشرين ومحاولة مواكبة التطور التكنولوجي، يبدوان بمثابة أساس وخطوة محورية ومتطورة للتسويق والنجاح المهم الذي نشهده بخصوص الأعمال الأدبية الشبابية.

لكن، ومع هذا، يظل الكتاب الورقي يحوز مكانة لدى القارئ ليس بمقدورنا الانتقاص منها او التقليل من شأنها. وأود الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن إقبال الشباب على الكتابات الشبابية، نسبيا، أمر مبرر ومفهوم، فتلك الأعمال الجديدة قريبة منهم، ومن قضاياهم ومن لغة ومعطيات عصرهم. كما أنها تقدم بأسلوب طرحا مختلفا حتى ولو كانت تتعامل مع القضايا نفسها، التي طرحت من قبل».