تلعب المكتبات دورا هاما في تفاصيل المشهد ضمن الحقل الثقافي وجوانبه في أي من المجتمعات، فهي بمثابة منارات للتثقيف، إذ تضم عوالم غنية تُتيح للقارئ أن ينهل منها ويغوص في بحر المعرفة. وكان لافتا، في هذا الخصوص، تركيز سلسلة مكتبات "أ "في مصر، على جعل هذه الرؤية مناخا للتطوير والتجديد اليومي، ما أفادها في جعل دورها يتسع لتتجاوز الإطار التقليدي لدور المكتبات. فباتت
دوح فكر وثقافة، كما يصنفها معنيون، لا بل" "أندلس الفكر"، حسب وصف بعض المثقفين. وكذا أصبحت مهامها، وفق هذا النهج، غير مقتصرة فقط، على عرض الكتب في مختلف المجالات لتجذب القارئ لشرائها وقراءتها، بل إنها انخرطت في مسار التوجه الرائد لمكتبات ومؤسسات ثقافية متنوعة، إلى أن غدت..
وفي فترة قصيرة، شريكا أساسيا في الأنشطة الثقافية على الساحة.. وفي مناقشة الحدث والتطورات التي تطرأ على الحدث الثقافي. إذ لا تغفل في إطار توجهها هذا، عن تنويع مساقات نشاطاتها الثقافية وبرامجها الفكرية، لمناقشة القضايا المعرفية .. والمسائل الفكرية والمجتمعية، باستمرار، المستجدة منها ولقديمة المتجددة.
يبين القائمون على سلسلة مكتبات " أ"، في حديثهم عن قصة نشوئها، أنها لم تجعل من محدودية الخبرة والتخصص في عالم المكتبات، في البدايات، حاجزا يمنع ارتقائها الى مكانة متقدمة. وبذا تمكنوا من تخطي العوائق كافة، بمختلف انواعها.
وتكللت جهودهم بجملة انجازات ونجاحات تجسدت في أرض الواقع بشكل براق، بفضل دقة العمل والتفاني في سبيل الوصول الى ذاك الهدف. كذلك إضافة إلى مضمون البرنامج الذي تبنته المكتبة في مخاض هذا المسار. وكان القرار.
"تاكسي المعرفة"
يؤكد القائمون على سلسة مكتبة"أ"، أن غاياتهم واستراتيجيات عملهم، الرئيسة، منصبة كأولوية، على الإسهام النوعي في إثراء الحياة الثقافية في مصر، مشيرين في الخصوص إلى أن فكرة إنشاء المكتبة جاءت رغبة منهم في تنفيذ فكرة "تاكسي المعرفة"، الذي يسعى إلى نشر الثقافة والمعرفة داخل المجتمع المصري؛ لتصبح الثقافة ركنا أساسيا لا يستطيع المجتمع الاستغناء عنها.
ويشرح هؤلاء، ماهية فكرة "تاكسي المعرفة"، مبينين أنها كانت تقوم على الاتفاق مع عدد من سائقي التاكسي؛ لوضع مجموعة من الكتب التي يُمكن أن يقرأها الركاب بينما يستقلون التاكسي وهم في وجهتهم الى مكان ما. وهكذا باتت مكتبات "أ" منافسا قويا للعديد من المكتبات الشهيرة في مصر، ومن بينها:
مكتبات "دار الشروق"، مكتبات "ديوان". كما أن المكتبة، وتماشيا مع توجهاتها القاضية التنويع والتجديد والجذب، استحدثت ضمنها مكانا هو أشبه بالمقهى المصغر. ذلك إلى جانب جملة مرافق ثقافية وترفيهية هادفة، من بينها: مكان مخصص للقراءة.
"مصر تقرأ"
تتألف سلسلة مكتبات "أ" من ما لا يقل عن 13 فرعا، منتشرة في أنحاء جمهورية مصر العربية، وفي مناطق حيوية في القاهرة الكبرى، إلى جانب وجودها في الإسكندرية وأسيوط وشرم الشيخ. ويأمل القائمون عليها ايجاد فروع لها في أماكن أخرى ضمن مختلف المحافظات. وتمتلك المكتبة، مشروعا أطلقت عليه اسم : "مصر تقرأ"، يهدف الى خروج قوافل ثقافية مدعومة ببعض الفعاليات.
وشملت حملات هذا المشروع الجنوب المصري ومدن القناة، لكن اندلاع ثورة 25 يناير.. وحالة عدم الاستقرار السياسي، حالا دون استمرار المشروع خلال الفترة الماضية.
تميز وأشكال
يحكي مدير مبيعات دار الشروق للنشر والتوزيع، مصطفى الفرماوي، عن سلسلة مكتبات "أ"، واصفا إياها بأنها أحد المشروعات الثقافية المحترمة في الساحة الثقافة المصرية والعربية عموما؛ ذلك بفضل حرص إدارتها على التطوير وتلافي أي خطأ أو عيب. ويرى الفرماوي، في هذا الصدد، أن انتشار وتنوع المكتبات، في الفترة الأخيرة، بمثابة ظاهرة صحية، وذلك حتى لا تكون "الشروق" أو غيرها من دور النشر والمكتبات تحتكر الساحة لوحدها، فكلما زادت المكتبات، برأيه، كانت المنافسة بينها هي في صالح الوسط الثقافي، خصوصا أن مصر، حسب وجهة نظره، تحتاج إلى ما هو أكثر من العدد الموجود بكثير.
ويرى الفرماوي أن ازدياد عدد المكتبات وولادة الكثير منها، وبينها مكتبة "أ"، قضية ستخدم تطوير وتغيير ثقافة الناس في اتجاهات ايجابية بناءة على الصعيد الاجتماعي. فبدلاً من أن يأخذ الأب أبناءه ويذهب إلى الملاهي أو الحدائق العامة فقط، ستتمكن هذه المكتبات، وبفعل برامجها الثقافية المحفزة والتنافس الحامي بينها، من جذب الاب وعائلته، ومن ثم تحفيزهم لوضع زيارة المكتبات واقتناء الكتب وحضور الفعليات الثقافية، كاولوية في اجندة الترفيه.. وهو ما يكفل في نهاية المطاف، تعويد الاجيال الجديدة، على ارتياد المكتبات وشراء الكتب.
ويعرض مدير مبيعات " الشروق"، لأشكال التميز وجوانبه، بالنسبة لعمل سلسلة مكتبة "أ"، موضحا أنها أولت اهتماما كبيرا للأنشطة الثقافية، وهي الأنشطة التي تبنتها أيضا مكتبات "الشروق"، وذلك لتأثير هذه الأنشطة على القارئ الذي يلتقي بالكاتب وينتقده ويناقشه في أعماله وأفكاره.
مغامرة
يوضح المستشار الثقافي لسلسة مكتبات "أ" عماد العادلي، أن "أ" بدأت مشوارها وخوضها في حقل الثقافة والفكر في الساحة، على شكل مغامرة من قبل بعض المستثمرين الشباب الذين قرروا استثمار أموالهم في مشروع يدر ربحا ماديا بالاقتران مع تحقيق أهداف سامية مضمونها الارتقاء بفكر المجتمع وثقافته. وهكذا جاءت فكرة المكتبة، خاصةً أنه في تلك الفترة كانت المنافسة محصورة فقط، بين "الشروق" و"ديوان".
ويتابع العادلي:" .. وكانت فكرة وجود شريك ثالث بالقوة نفسها.. أو يتفوق على تلك المكتبات، أمرا صعبا.. وتحديا يحتاج كبير الجهد والعمل، لكن، ورغم ذلك، قرر المعنيون خوض التجربة. فبدؤوا بفرع في مصر الجديدة.
كذلك حرصوا على ابتكار أفكار جديدة ومختلفة، تميزهم عن المكتبات الأخرى، فأصبحت مكتبات (أ) تحمل روحا مختلفة في شكل الديكور وطبيعته، إذ اتخذت المكتبة من الطراز الإسلامي القديم والطراز الأندلسي، بتحديد أكثر، شكلاً لها في الفروع كافة، ويضاف إلى ذلك، الشكل المختلف في الأنشطة والفعاليات الثقافية".
مشروعات فكرية متكاملة
يؤكد العادلي أن مكتبة "أ" استطاعت فتح قنوات تواصل وتفاعل، نوعية، بين القارئ والكاتب، من خلال طريقة مختلفة في التعاطي الثقافي، وهي أشبه بحلقات برنامج تليفزيوني، حيث يقوم من يُدير أيا من أنشطتها، بعملية توصيل بين الكاتب والقارئ، بشكل يحمل طابعا اجتماعيا، لافتا، في السياق عينه، إلى أنهم نجحوا بشكل ملحوظ في هذا التوجه.
ويلفت العادلي، إلى اعتناء مكتبة"أ" في فروعها كافة، بتنظيم ندوات وحلقات بحث فكرية، تناقش فيها مختلف الموضوعات الحياتية والمجتمعية العامة، ومن تلك الفعاليات: "فن الحياة مع أ"، محاضرات مجانية في كيفية إدارة الذات والقدرات: "التنمية البشرية". كما أصبحت المكتبة شريكا في تحليل الأحداث السياسية والثقافية.
ولم يعد هذا الدور مقتصرا على دور النشر، إذ إنها تبنت العديد من الأنشطة الثقافية التي شهدها المجتمع للمرة الأولى، منذ وقت قريب. فالمجتمع الثقافي لم يكن معتادا على فكرة حفلات توقيع الكتب التي باتت حاليا، أحد أهم عناصر تسويق الكتب. كذلك فإنها تجمع في حلقاتها النقاشية، الكُتاب والمؤلفين، مع القراء والمثقفين؛ بهدف مناقشة آخر الإصدارات الأدبية والثقافية.وهو ما يكفل كسر الحواجزبين الطرفين.
سينما في مكتبة
رؤى تطوير ثقافي نوعية في ماهية العمل المكتبي، تبقى السمة الابرز لدى سلسة مكتبات " أ". إذ إنها لم تدخر جهدا في سعيها لتخطي جمود وروتين العمل الثقافي التقليدي لدى المكتبات. وهكذا فإنها أوجدت مشروعات فكرية حيوية الطابع، أنشأت معها "سينما أ"، مُستعينة ببعض الشباب لعرض أفلامهم التسجيلية والروائية القصيرة. وكذا شرعت تستضيف بعض النقاد في الحقل؛ سعيا إلى خلق حالة من الثقافة السينمائية بين الشباب، ذلك طبقا لرؤى القائمين عليها.
عروس الثقافة تحلُ في مصر الجديدة
بدأت فكرة إنشاء مكتبة "أ" في العام 2005، لكنها أصبحت حقيقة ملموسة على أرض الواقع، في العام 2008، إذ أنشئ الفرع الأول في سلسلة مكتبات "أ"، في مصر الجديدة، واتخذت الفروع في تصاميمها المعمارية، شكلاً مُستوحى من مجموعة تصاميم تاريخية، حيث بُنيت على الطراز الأندلسي.و بدءا من هذه القاعدة، شرعت "أ"، تخط ألوان تميزها وفرادتها بين المكتبات الاخرى في الساحة، إيمانا منها أن الشكل والمضمون في وحدة متكاملة ضمن مشروعات العمل الفكري، وتركيزا منها، أيضا، على الدلالة الى القيمة الفكرية للاندلس..
كذلك اشارة الى مجد عربي وإسلامي لا بد من اعادة الوميض الى نجمه الذي أفل. فالأندلس كانت يوما رمزا للعلم والمعرفة والفكر. ومن هنا، وطبقا لهذه الاعتبارات، جاء اختيار المكتبة لاسمها "أ". فهو أول الحروف الأبجدية في اللغة العربية، والحرف الأول من لكمة "أندلس".
إقبال محكوم بالأحداث المجتمعية
يقول مسؤولو المكتبة "أ" أن هناك تنوعا، في الكتب التي يفضلها أفراد المجتمع، ذلك طبقا للاحداث السياسية والقضايا الراهنة. فبعد اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، برز الاقبال على الكتب التي تتحدث عنها. كذلك، عقب وصول الإخوان إلى الحكم، زاد الإقبال على الكتب التي يتحدث فيها الإخوان عن أنفسهم.. واتجهت الفئة الأكبر الى شراء الكتب التي تدحض مزاعم الإخوان وتفند أخطاءهم. وعموما، تأتي الأعمال الأدبية في مقدمة الكتب الأكثر مبيعا، ذلك حسب مسؤولي المكتبة.




