أثرت موجة الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر، منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى الوقت الحالي، على الصعد كافة، بينما لم يكن الصعيد الثقافي والأدبي بمنأى عن تلك التأثرات، فمشهد اصطفاف المثقفين جنبا إلى جنب والثوار المشاركين في 25 يناير؛ للمطالبة بإسقاط حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك..

ومشهدهم كذلك في اعتصامهم داخل الوزارة خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، للمُطالبة بإسقاط حُكم الإخوان، لم يكونا بعيدا عن الأعمال الأدبية للكثير من المبدعين، والتي راحت تتناول فكرة "الثورة" بصورة مباشرة، ما أكد كونها أثرت بشكل من الأشكال، على اتجاهات الأعمال الأدبية المصرية، خاصة الرواية.

وجاء ذلك المشهد انطلاقا من أن مثقفي مصر، لم يكونوا منعزلين عن الحس الجمعي والرأي العام المُطالب بالحرية والديمقراطية، على مدار التاريخ كله، فالأعمال الأدبية جاءت انعكاسا طبيعيا للبيئة التي يعيش فيها المُبدع، وهي البيئة التي تمنعه من الولوج في عزلة اختيارية، بعيدا عن الهم الجماعي. ومن ثمّ فإن تأثر الأعمال الأدبية بالثورة، وبكل ظرف سياسي واقتصادي، كان سمة رئيسية من سمات المشهد الثقافي في مصر..

بينما ظل توقيت طرح الإبداع وتناوله لما يشغل الرأي العام للبلد، محل خلاف رئيسي بين الجميع. فالبعض يرى أهمية في أن تأتي الرواية مُعبرة عن ظرف زمني، لكن ليس في حينه؛ ذلك كي تكون الصورة مُكتملة، والبعض الآخر يرى أن هناك ضرورات مُلحة في كثير من الأوقات، لإحداث مثل تلك الآنية في الطرح، بما يتماشى مع ظروف المشهد السياسي؛ ليكون دافعا للشارع ومُحركا للساحة.

سيناريوهات أدبية

بزغ في مصر عدد من الأعمال الروائية التي أكدت تأثير الثورة على اتجاه الأدب المصري، بشكل عام، والرواية بشكل خاصة. ومن أبرز الروايات التي اهتمت بتوثيق الثورة المصرية، وما تلاها من حراك سياسي: انقسامات واحتجاجات، رواية "سقوط الصمت" للكاتب عمار علي حسن، إذ إنه يغلف أحداث الثورة المصرية وأحداث روايته بطابع إنساني، ويؤكد أن الثورة فعل جماعي.

وتبدأ أحداث الرواية بفترة تسبق ثورة 25 يناير وتستمر لتتجاوز الفترة التي تحياها مصر حاليا، ليستشرف المستقبل، وهناك أيضا رواية "شمس منتصف ليل" للكاتبة أسماء الطناني، و"ديجافو نمرة 9" للكاتب أحمد يوسف شاهين التي تقدم تفاصيل ومشاهد ترصد طبيعة الحراك الثوري وتطرح تكهنات مستقبلية، و"ليلة التحرير" للروائي محمد العون.

بينما قدم الروائي، الدكتور عز الدين شكري فشير، في روايته "باب الخروج" سيناريو لما سيحدث في مصر، ما بعد الثورة وكيفية تعاقب الحكومات. كما قدم الكاتب مكاوي سعيد، عملا بعنوان "كراسة التحرير"، يرصد فيه من خلال رؤيته كشاهد عيان، الوجوه التي كانت موجودة في ميدان التحرير، وحكاياتها المختلفة.

"بيان الكتب". استطلع آراء عدد من الأدباء والنقاد، حول تأثيرات الثورة على مسار الرواية المصرية، وناقش معهم، مدى كونها انعكاسا لها.. وكذا حجم تفاعلها وتلاقحها مع مجريات الثورة وتفاصيلها ونتائجها.

تراجع الأدب

يؤكد الروائي عبدالوهاب الأسواني، أنه في أغلب الأوقات، يكون تأثير الثورات والانتفاضات وما يشبهها، أسرع على القصيدة الشعرية والقصة القصيرة والمسرحية ذات الفصل الواحد، أما الرواية فلا تستطيع أن تعبر عن الحدث أو تتغير اتجاهاتها بالسرعة نفسها للأشكال الأدبية سالفة الذكر، ويحدث التغيير بعد فترة زمنية طويلة، مضيفا ان الرواية لا ترصد الأحداث في ذاتها، ولكن تحللها وتحاول أن ترجعها إلى أصولها الأولى والأسباب الأساسية التي نتجت عنها هذه الثورة. ويوضح أيضا، أنه لهذا السبب تعد الرواية أبطأ الأشكال الأدبية تأثرا بالثورات.

ويلفت الأسواني، إلى علاقة الرواية بثورة 1919 في مصر: " إن ثورة 1919، على سبيل المثال، لم تستطع أن تعبر عنها الرواية إلا بعد 20 سنة تقريبًا من حدوثها، كما أن نجيب محفوظ لم يكتب عنها إلا بعد مرور أكثر من 35 عاما على حدوثها وذلك في ثلاثيته.. كما أن الثورات تؤثر على أسلوب مخاطبة الروائي للقارئ، إذ يتخذ الكاتب أسلوباً مغايرا لمخاطبة القارئ..

فالأديب يتأثر وبقوة بالثورة، ولكن يحتاج إلى وقت لترجمتها وإحداث تغيير حقيقي على الرواية. وغالبا فإنه بعد الثورات، يستطيع أي إنسان أن يواصل عمله، ولكن باستثناء الأديب؛ وهو الأمر الذي يفسر التراجع الذي يشهده الأدب في ما بعد الثورة.. ففي الثورات دائما يتراجع الأدب وتتصدر السياسة المشهد الثقافي".

تأثير سطحي

تجد الناقدة الأدبية، الدكتوره أماني فؤاد، أن تأثير الثورة على الأعمال الروائية ليس كبيرا جدا. وتقول : " نستطيع أن نرصد تأثير الثورة ( ثورة 25 يناير)على اتجاهات الرواية المصرية، لكنه تأثير غير عميق حتى هذه اللحظة، أي انه تأثير لا يحتمل رؤية شاملة بما يمكن أن تسفر عنه أحداث الواقع في المستقبل.

. كما أن هناك تأثيرا لحظيا أو سطحيا على الرواية، كذلك يوجد هناك بعض الأعمال الأدبية التي حرصت على رصد لحظات الثورة المتلاحقة كأنها يوميات للثورة، مثل ما قدمه الروائي إبراهيم عبد المجيد في روايته (هنا القاهرة) وغيرها من الأعمال التي ترصد الحدث. ويتضح أن التطور التكنولوجي سيكون له تأثير أيضا على شكل الرواية، كما كان لشبكات التواصل الاجتماعي تأثيرها الواضح على الثورة المصرية، وهذا التأثير سيكون في طريقة السرد، والتركيب الروائي والتقني، كما أنه من الممكن أن نرى رواية هي مزيج من الصورة والتعليقات والحوار السريع جدا، الذي يتحدث به نشطاء الـ (فيس بوك)".

وتتابع أماني: " الثورة لم تُحدثها لحظة، وإنما قامت على أحداث ولحظات سابقة، وهو الشيء عينه بالنسبة للرواية واتجاهاتها، فأي تغيير يطرأ عليها لن يكون بسبب الثورة وحدها، فإن كثيرا من الثنائيات التي كانت موجودة قبل الثورة، مثل: المقاومة أو الاستعمار، الشرق والغرب، المرأة والرجل. وكثير من هذه الثنائيات ستنتهي من الفكر الروائي..

والثورة سيأتي تأثيرها على تقنيات فنية للرواية وانطلاق الحريات في التجريب بالتقنية الروائية، إذ إن الروائي المعاصر أصبح رافضا لكل ما هو سائد، وللشكل التقليدي للرواية، وبذا بدأ يبحث عن شكل سردي جديد" وتلفت في السياق، إلى أن انهيار ما كان يبدو فكرا إسلاميا يقدمه الاخوان وخاصة بعد وصولهم الى الحكم، وهذا ما لاقاه عقب اكتشاف حقيقة أنه قائم على إدعاءات دينية لها أصول سياسية واقتصادية.. وبذا سيؤدي إلى نوع من المواجهات مع بعض الأفكار، وستكون هذه المواجهات أكثر جرأة.

مقارنة

يشدد الروائي، الدكتور بهاء عبدالمجيد، على أنه من المبكر جدا تحديد ملامح الثورة في الكتابات الجديدة، فالعلوم السياسية والاجتماعية متداخلة مع المنظور الأدبي،. كما يجد أن التغيير وقع بصورة عامة على المجتمع وفي أنماط الحياة.

ولا ينكر عبدالمجيد، وجود تأثير للثورة على الرواية، من حيث الشكل والمحتوى، إذ أصبح محتوى الرواية أكثر جرأة وزادت نسبة التمرد في الرواية، خاصة مع ظهور دور النشر الجديدة التي اهتمت بنشر أعمال روائية لشبان جدد في الساحة الروائية.

ويتابع :"الثورة جعلت المؤسسات الحكومية تلتفت بصورة أكبر إلى الشباب، وتترك لهم فرصة للتعبير عن أنفسهم، خاصة أنها أدركت حقيقة عدم وجوب منع أصوات الشباب، وتخلت عن دور الرقابة".

ويرصد عبد المجيد، اتجاه بعض الروايات التي تلت الثورة، إلى العنف. ويبين أن روايات الرعب التي انتشرت، أخيرا، ستؤثر على نفسية القراء، وربما توجد مرضى -وفق تعبيره-، موضحا أهمية أن تكون هناك أنواع أخرى من الروايات، تتوازن في حضورها داخل الوسط الثقافي مع روايات العنف والرعب، وتمنح القارئ التنوع المطلوب. كما يتطرق إلى أهمية أن تحدث غربلة وأن يزيد اهتمام المجتمع بالثقافة: " ثورة بدون وعي ثقافي لن تحقق أي تقدم في المجتمع، بل على العكس، ستجعل المجتمع يميل إلى العنف الاجتماعي وإلى الطائفية".

«الأدب الثوري»

يعرف نقاد وأدباء، ماهية الأدب الثوري، على أساس أنه ليس فقط ذاك السياق والممارسة الفكرية الثقافية، القائمين على التمرد، رغبة في قلب المعادلة والتغيير في جوهر كامل المكون المجتمعي، وإنما أيضا، واكثر، فهو الذي يحث القارئ على البناء والعمل بوجهة صحيحة تفضي إلى الانتصار لقيم الحق والخير والعدل، وتوظيف الإبداع الأدبي في سبيل الارتقاء بالذائقة الجمالية والبنى العقلية والفكرية للمجتمع، سعيا إلى إيجاد أرضية تقدم وازدهار فكري عام، يقوض الظلم ويحل العدل ويوفر الفرص حسب الكفاءات.

الأدب صرخة تغيير تكتسي ثوب الإمتاع والتوجيه

يرى مثقفون ونقاد، أن الأدب يؤدي الدور الذي تؤديه الثورات ذاته، ويعمل على التهيئة لتحقيقه، إذ يفيد في نشر الوعي في المجتمع بهذا الخصوص، ويساعد على وجود ديمقراطية وحرية تعبير، إضافة إلى أنه ينقذ المهمشين، مثل المرأة وأصحاب الاحتياجات الخاصة. وهذا الدور الذي يقوم به الأدب غير مرتبط بالضرورة بوجود ثورة في المجتمع..

فالأدب ربما يساهم في تغيير المجتمع وإحداث تغييرات سياسية في حياة الأفراد، كما أنه بمثابة صرخات للتغيير، ورغم أن هناك من يرى أن الأعمال الأدبية الهدف منها الإمتاع وليس التغيير، إلا أنه أيضا هناك من يؤمن بأن الأدب يمكنه أن يجمع بين إمتاع القارئ من ناحية، وإحداث تغيير وتأثير في المجتمع في الوقت ذاته، من دون أن يُحدث ذلك، أي تعارض من غير أن ينتقص من قيمة العمل الأدبي.

ويرصد النقاد، تحرر الأدب، بعد الثورات، في الموضوعات والمضامين التي يتناولها، وهكذا، يتبدى أنه في مصر، على سبيل المثال، وبعد ثورة 25 يناير، ظهرت الأعمال التي تتناول موضوعات كان يعدها البعض من التابوهات التي يحرم على الأديب الاقتراب منها، مثل الجنس وغير ذلك.

 مضمون ثوري بناء ولغة جميلة

 لا يقصر أكاديميون وبحاثة عديدون، أهمية الثورة وأدوارها، على أنها تلك فقط التي تكون ثورة على ظلم ما أو ديكتاتورية أو ضد مستعمر، وإنما يجب أن تكون ثورة على الوعي والثقافة، وفق صيغة تصقل تكوين شخصية ثقافية اعتبارية مستقلة للمجتمع، ولا تتيح سيطرة الغرب على وعينا وثقافتنا. ويستشهد هؤلاء بحنكة وذكاء كل من نجيب محفوظ، ويوسف إدريس. إذ مزجا في رسالة أعمالهما باللغة الجميلة والبلاغة، وهي معادلة صعبة لا تتهيأ لأي كان.

 «سقوط الصمت» لعمار علي حسن تغلف أحداث الثورة المصرية (25 يناير) بطابع إنساني مجسدة إياها على أنها فعل جماعي

«ديجافو نمرة 9» لأحمد يوسف شاهين.. تفاصيل ومشاهد ترصد طبيعة الحراك الثوري وتطرح تكهنات مستقبلية

«باب الخروج» لعز الدين شكري فشير رؤى أدبية تقدم سيناريو لما سيحدث في مصر بعد الثورة وكيفية تعاقب الحكومات

«كراسة التحرير» لمكاوي سعيد حكايات شاهد عيان ترصد الوجوه التي كانت موجودة في ميدان التحرير وقصصها المختلفة