لا يمكن لعين زائر العاصمة الدنماركية، كوبنهاغن، أن تخطئ ذلك المبنى الأسود المطل على الواجهة المائية للعاصمة الدنماركية، والذي يطلق عليه اسم «اللؤلؤة السوداء»، نظراً لما يتمتع به من جمال وتصميم معماري أخاذ، إذ اكتسب اسمه من طبيعة لونه الأسود، ذلك المبنى الذي يضم بداخله تشكيلة واسعة من لآلئ المعرفة والثقافة، التي اتخذت من رفوف المكتبة الملكية مكاناً لها، وهي اللآلئ التي جمعت من حول العالم.

21500 متر مربع هي المساحة الإجمالية التي يقوم عليها مبنى المكتبة الملكية في الدنمارك، والتي تعد حالياً أكبر مكتبة في بلدان الشمال الأوروبي. وتأسست المكتبة الملكية على يد الملك فريدريك الثالث في عام 1648 ميلادية، وهي تضم كافة الأعمال التي طبعت في الدنمارك منذ القرن السابع عشر، إضافة إلى مئات المخطوطات التاريخية في كافة المجالات، إلى جانب الآلاف الكتب والصحف والدوريات والمنشورات المختلفة، والصور الفوتوغرافية والسلالم الموسيقية.

والوثائق الفولكلورية، إضافة إلى عشرات النسخ الإلكترونية. وبحسب الإحصاءات فإن المكتبة تضم على الأقل: 33 مليون و300 ألف مصنف، من بينها نحو 6 ملايين كتاب وصحيفة، و15 مليون و500 ألف مطبوعة وصورة، ونحو 7 ملايين و600 ألف كتيب ونشرة، كما تمتلك المكتبة نحو 393 ألف غيغابايت من النسخ الإلكترونية وغيرها، الأمر الذي يشير إلى مدى ضخامة هذه المكتبة العريقة.

رحلة التطور

تاريخياً، فتحت المكتبة الملكية أبوابها أمام العامة في عام 1793، وشهدت خلال تاريخها تطوراً هائلاً ومجموعة تغييرات، من أهمها دمجها مع مكتبة جامعة كوبنهاغن المرموقة، التي تأسست عام 1482. إذ جرت هذه العملية في العام 1989، ليُلحق بها في 2005 المكتبة الوطنية الدنماركية للعلوم والطب. ومن ثم تحول اسمها في 2006..

وبشكل رسمي، إلى المكتبة الملكية، بينما شهدت المكتبة في 2008 عملية تطوير تمثلت بإلحاق أرشيف الفولكلور الدنماركي بها، علماً أن المكتبة تفتح أبواب مجموعاتها التاريخية وما تضمه من مخطوطات أمام أي شخص يتجاوز عمره الـ18 عاماً، على أن يلتزم بقواعد الاستخدام الخاصة بالوثائق النادرة والقيمة..

ذلك كما في حالة الخرائط التاريخية للمنطقة القطبية ومخطوطات الكاتب والشاعر الدنماركي هانز كريستيان أندرسون (1805 - 1875)، إلى جانب مئات المخطوطات العربية الأصل والأجنبية التي تمثل مختلف ثقافات العالم وحضاراته.

1842

رغم ما تحتويه المكتبة من مخطوطات تاريخية، فإن اللافت هو امتلاكها لأول كتاب مطبوع في الدنمارك، والذي صدر في عام 1482، ليشير ذلك إلى مدى اهتمام إدارة المكتبة بالحصول على كافة المصنفات والمنشورات الصادرة في الدنمارك، والتي لم تقتصر فقط على الكتب، وإنما شملت أيضاً الدوريات والصحف التي صدرت ولا تزال، في الدنمارك.

وأفردت لها مساحة كبيرة، ولم تقتصر إدارة المكتبة في عمليات جمع المخطوطات التاريخية على حدود الدنمارك، وإنما توسعت في ذلك، لتشمل أيضاً حدود الدول التي كانت تنتمي إلى التاج الدنماركي، مثل: النرويج، التي ظلت تحت الحكم الدنماركي حتى عام 1814، وآيسلندا التي ظلت حتى حكمها إلى عام 1944.

وبمتابعة تاريخها، نلاحظ أن إدارة المكتبة، وبخلاف ما يقدمه المواطنون الدنماركيون إليها من هدايا على شكل مخطوطات وكتب، تحاول، منذ أواخر القرن الثامن عشر، شراء جميع الكتب والدوريات التي صدرت في الدنمارك، إضافة إلى الكتب المترجمة أيضاً، لإيمانها أن هذه الكتب من شأنها أن تضفي أهمية كبيرة على المشهد الثقافي العالمي، ومساعدة الباحثين في الحصول على ما يتطلعون إليه من معلومات، وبحسب ما يشير إليه موقع المكتبة الإلكتروني، اهتمت إدارة المكتبة بجمع روايات وقصص الكاتب والشاعر هانز كريستيان أندرسن، التي ترجمت إلى أكثر من 90 لغة.

وفي هذا الخصوص، شكل اكتشاف مخطوط يقع في ست صفحات، لواحدة من حكايات أندرسن الخرافية، التي تدور حول قصة «شمعة ترغب في أن تشتعل»، أهم الأحداث التي شهدتها المكتبة الملكية مع مطلع العام الجاري، وصادق المؤرخون والمتخصصون في أدب أندرسن على صحة المخطوط، بعد دراسات متعددة للخط ولطريقة الكتابة وما شابه ذلك. وأهمية هذا المخطوط لم تبن فقط على قدمه...

وإنما جاءت من كونه يمثل واحدة من أولى الحكايات التي كتبها أندرسن في مطلع شبابه. إذ تشير الدراسات والأبحاث إلى احتمال أن المخطوط كُتب بين عامي 1822 و1826، أي أنه نص سبق بدايات أندرسن الأدبية التي اتفق الجميع على أنها بدأت العام 1829، أي حين نشر قصيدته الشهيرة «الطفل المحتضر».

ولذلك اعتبر الحدث في الدنمارك أهم اكتشاف أدبي منذ العام 1920، لا سيما وأن أهمية هذا الاكتشاف نابعة من طبيعة ما يحظى به أندرسن من حضور في المشهد الثقافي الدنماركي، فهو لا يزال يعد أكبر كاتب مر في الدنمارك، كما أنه شاعر الدنمارك الوطني..

وأحد الذين أسسوا لما اصطلح على تسميته بالحكاية الخرافية. وفي ما يتعلق بالتراث الفكري الدنماركي، حرصت إدارة المكتبة أيضاً، على امتلاك مجموعات الأدب السرية التي نشرت إبان الاحتلال الألماني للدنمارك، خلال الفترة من 1940 1945، والتي اكتسبت أهمية بالغة في المكتبة، لمساهمتها في التعريف بتلك الفترة وما شهدته من تقلبات فكرية واجتماعية مختلفة.

مجموعات ومخطوطات

وفي إطار سعيها لاستكمال صورة المشهد الثقافي العربي، تمتلك المكتبة الملكية بالدنمارك مجموعة مهمة من الكتب، لمفكرين عرب من الذين ساهموا في فتح النقاش حول قضايا حيوية تخص الدين والسياسة والمجتمع، وعملوا من خلالها، على تغيير الصورة النمطية التي اعتاد الغرب النظر من خلالها إلى الشرق..

وفي الوقت ذاته، تحرص إدارة المكتبة على اقتناء كافة ما تنتجه الثقافة العربية من كتب ومنشورات مختلفة، سواء في الشعر أو الرواية أو الرسم والموسيقى، وذلك لأدباء وفنانين بخلفيات ثقافية وأيديولوجية مختلفة، معتمدة في ذلك على مبدأ أن لكل مرحلة مفكريها ومؤلفاتها وحركتها الثقافية التي يمكنها أن تعكس طبيعة الواقع الذي ربما يتوافق أو يختلف مع سابقه.

وفي هذا الصدد، نجد أن المكتبة اهتمت كثيراً بالمخطوطات العربية على اختلاف أنواعها، والتي بادرت إلى ترميمها وإعادة أرشفتها مجدداً، بطريقة رقمية، غاية المحافظة على المخطوطة من التلف، وإتاحتها أمام الباحثين والدارسين بطريقة سهلة وبسيطة، ومن بين المخطوطات العربية التي تحتفظ بها المكتبة، مخطوطات كتاب «الطبيب» لابن البيطار...

وبحسب ما يشير إليه موقع المكتبة الإلكتروني، حصلت المكتبة على مخطوطات هذا الكتاب، من خلال الباحث الدنماركي بيتر فورسكال الذي زار مصر في 1760 ضمن البعثة الدنماركية، وأشار الموقع، إلى أن هذه المخطوطة تشكل، حالياً، جزءاً من مجموعة المخطوطات العربية التي تمتلكها المكتبة الملكية الخاصة بالطب القديم، لا سيما وأن هذه المخطوطة تعكس المعرفة التجريبية العربية في مجال الطب والعلاج.

واعتبرت إدارة المكتبة أن وجود مثل هذه المخطوطات لديها إنما يعكس مكانة المكتبة. وهناك أيضاً مخطوطة كتاب «خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لابن الوردي، والذي يقدم فيها جملة من الفوائد الجغرافية والتاريخية، كما تمتلك المكتبة مخطوط كتاب «تحفة الألباب ونخبة الإعجاب»، لأبي حامد الغرناطي، والذي دون فيه رحلاته المختلفة، وغير ذلك الكثير.

كتب عربية

 اهتمام إدارة المكتبة الملكية لم يتوقف عند حدود التراث الفكري الدنماركي، وإنما توسع ليشمل العربي كذلك، وهو ما نلمسه من خلال مكتبة مركز الدراسات الشرقية والعبرية، التي تضم بين جدرانها مجموعة غنية منوعة من الكتب العربية، سواء التي تصدر في الشرق الأوسط أو في أوروبا. إذ يحرص القسم على اقتناء أحدث ما يصدر من كتب في المجالات المختلفة..

ورغم أن الأدب العربي الحديث يحتل جزءاً كبيراً منها، إلا أن مجموعات الكتب التي تتناول الجدل الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، وجدت أيضاً، اهتماماً ملحوظاً لدى إدارة المكتبة، إلى جانب كل ما يصدر حديثاً من كتب في التراث وأدب الرحلات والموسيقى والفن. وجميع ما من شأنه أن يتصل بالحركة الثقافية المعاصرة في العالم العربي، ذلك بهدف إتاحتها وبسطها بين أيدي القراء للدراسة والاطلاع عليها.

رقمنة أرشيف الأونروا والانتهاء من 150 ألف صورة

 أعلنت إدارة المكتبة الملكية في الدنمارك، أخيراً، عن انتهائها من ترقيم وأرشفة أكثر من 150 ألف صورة خاصة بوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وأنها تنوي خلال العام المقبل، تنظيم معرض خاص بهذه الصور، بعد الانتهاء من أرشفة بقية الصور الخاصة باللاجئين الفلسطينيين.

وجاء مشروع أرشفة صور الأونروا الذي بدأت فيه المكتبة خلال شهر مايو 2013، بهدف إنقاذ الأرشيف وحفظه وتصنيفه بطريقة سهلة تكون متاحه أمام الجميع، كما يرمي المشروع إلى رفع الوعي وتسليط الضوء على أهمية هذه الصور، خاصة وأن المشروع يتضمن مجموعة ضخمة من الصور لها أهمية تاريخية بالنسبة للقضية الفلسطينية.

وكانت الأونروا، ومنذ تأسيسها، قد عملت على جمع وحفظ الأرشيف السمعي البصري، والذي يغطي جميع الجوانب عن حياة وتاريخ اللاجئين الفلسطينيين، إذ يتألف من أكثر من 430 ألف صورة سلبية، وأكثر من 10 آلاف صورة مطبوعة، و85 ألف صورة على شرائح، و75 فيلماً و730 شريط فيديو.

أغرب رسائل قديمة ضمن ممتلكات المكتبة

 تمتلك المكتبة الملكية في الدنمارك، أغرب رسائل قديمة كتبت على ورق خاص بالاستخدام الصحي في أحد سجون الدنمارك، وتعود ملكيتها لكاتبها الفرنسي فارلويس فريناديد، الذي حكم عليه بالسجن 18 شهراً بعد الحرب العالمية الثانية في سجن دنماركي؛ بسبب كتاباته ضد اليهود، واقتراحاته قبل الحرب، بتشكيل تحالف فرنسي ألماني.

ولكنه فر قبل نهاية الحرب مع زوجته، إلى الدنمارك من خلال ألمانيا. واعتبرت المكتبة أن هذه الرسائل، التي عرضت في مزاد علني في فرنسا، جزء من تاريخها، إذ إن الدنمارك حافظت على حياته بعد صدور نداءات بالحكم عليه بالموت في فرنسا، للخيانة العظمى. ولكن الدنمارك رأت أن يسجن 18 شهراً، ومنعته من السفر خارج حدودها إلى عام 1951؛ إذ عاد إلى موطنه فرنسا، وتوفي هناك عام 1961.

21500 متر مربع مساحة المكتبة الإجمالية وتحتوي على أكثر من 33 مليون مصنف

اهتمت المكتبة بالتراث الفكري العربي وتمتلك مجموعة كبيرة من المخطوطات العربية

تحتضن المكتبة أول كتاب مطبوع في الدنمارك صدر في عام 1482

اعتنت بجمع روايات وقصص الكاتب والشاعر هانز كريستيان أندرسن التي ترجمت لأكثر من 90 لغة