تمتلك كتب السيرة الذاتية "مذاقا خاصا" لدى القراء العرب، إذ تجد إقبالاً كبيراً على قراءتها، سواء كانت لشخصية سياسية أو فنية أو أدبية، فالجمهور يُريد أن يعرف الحقيقة بلسان أصحابها، ذلك وهم يعترفون بأدق تفاصيل حياتهم...
كما يستمتع حينما يتعرف إلى جوانب معاناتهم الشخصية. وهنا نجد أنه كلما كانت حياتهم مليئة بالتجارب والتفاصيل، التي تتجسد في قالب العمل / السيرة، تلقى، ومعها الكتاب الذي يحويها، نجاحاً وشهرة وانتشاراً بين الناس. ويبدو، أخيراً، أن هذه الكتب شرعت تتصدر قوائم الكتب الأكثر شعبية وإقبالاً.. وبذا شرع يتجدد ألقها، خاصة بعد المخاضات السياسية التي تشهدها الساحات العربية، وتبرز مصر في السياق، نموذجاً براقاً.
طالما كانت كتب السيرة الذاتية، ضنينة في وجودها وبروزها ضمن الساحة الثقافية العربية، نتيجة خوف بعض الشخصيات من طبيعة هذه الأعمال، التي تعد تعرية للذات، فمن أراد أن يكتبها، يعلم جيداً أن عليه الالتزام بالموضوعية والصدق، وأنه مطالب بألا يخفي حقيقة الأحداث والمواقف، وكذا ضرورة أن يصبح شاهداً على عصره، كما أن هذه النوعية من الكتب، ارتبطت في أذهان القراء بكشف المستور..
فعندما تعلن شخصية عن عزمها سرد حياتها في كتاب ونشره على الجمهور، تطل فكرة الأسرار الخفية والمثيرة إلى ذهن القارئ، خاصة إذا كانت هذه الشخصية تنتمي إلى عالم السياسة أو الفن. واللافت أنه في ظل تغير الأحداث السياسية، بعد ثورات الربيع العربي، حرص كثير من الساسة والمثقفين، على رواية شهاداتهم عن فترة ما قبل هذه الثورات، كشهداء على العصر، أو رغبة منهم في توضيح بعض الحقائق ونشرها في كتب.
«شهادتي»
يمثل كتاب "شهادتي" يوميات تفصيلية لأحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري الأسبق. وهو صادر عن دار نهضة مصر، ويحكي فيه أبو الغيط يومياته التفصيلية، منذ اليوم الأول له في وزارة الخارجية في العام 2004، فيتعرف القارئ من خلال الكتاب إلى ملامح السياسة الخارجية في الفترة الممتدة من 2004 وحتى 2011، ويُعد الكتاب الأول الذي يتحدث عن أحد جوانب الحياة في السياسة والمجتمع المصري خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
«طريقي»
يلقي كتاب "طريقي .. سنوات الحلم والصدام والعزلة من القرية إلى رئاسة الوزراء"، للدكتور كمال الجنزوري، رئيس وزراء مصر الأسبق، الصادر عن دار الشروق، الضوء على مشوار طويل من العمل، ويكتب فيه الجنزوري شهادته الخاصة عن فترة مهمة من تاريخ مصر، مستعرضاً تفاصيل حياته، بدءاً من طفولته في إحدى قرى محافظة المنوفية..وحتى وصل إلى رئاسة الوزراء.
«نصيبي من الحياة»
يسرد الإعلامي مفيد فوزي في "نصيبي من الحياة"، سيرته الذاتية، مستعرضاً جملة ملامح إنسانية ومجتمعية. والكتاب صادر عن الدار اللبنانية، ومن خلاله يقدم فوزي شهادته على عصر عاشه، واقترب فيه من عمالقة السياسة والفن والصحافة والأدب، كما يتحدث عن معايشته لثورة يوليو.. وثورة التصحيح، وثورة يناير.
«أمواج العمر»
ترصد الدكتورة فوزية العشماوي في كتابها "أمواج العمر بين بحر الإسكندرية وبحر جنيف"، الصادر عن دار العين، جوانب تجربتها الحياتية والسياسية والاجتماعية العامة.
ويتطرق الكتاب إلى الحديث عن الأحداث الاجتماعية والسياسية في مصر قبل هجرة الكاتبة إلى سويسرا؛ وتعقد فوزية في هذا الخضم، مقارنة بين الحياة في البلدين (مصر وسويسرا).
«أثقل من رضوى»
تتحدث الروائية والكاتبة المصرية رضوى عاشور، في كتابها "أثقل من رضوى.. مقاطع من سيرة ذاتية"، الصادر عن دار الشروق، عن ملامح شتى من سيرتها الذاتية، وكذا عن مشاهد كثيرة من ثورة يناير في مصر.
«محفوظ عبد الرحمن.. مقاطع»
يمثل كتاب "محفوظ عبد الرحمن.. مقاطع من سيرة ذاتية"، سيرة غيرية قدمتها الكاتبة سميرة أبو طالب، ويتتبع الكتاب، الصادر عن دار الحلم، الخطى الأولى لمحفوظ في عالم الكتابة، متطرقاً إلى القضايا الثقافية التي تبناها. وعلى هذا الأساس، يعكس الكتاب ماهية الحياة الثقافية والسياسية التي عاشها محفوظ.
«عبد الرحمن البيضاني.. الرحلة والمسيرة»
تقدم الدكتورة هناء البيضاني في "الدكتور عبد الرحمن البيضاني.. الرحلة والمسيرة مشوار من العطاء"، سيرة غيرية، تحكي فيها عن والدها، نائب رئيس اليمن الأسبق ورئيس الوزراء، متناولة مواقفه السياسية والفكرية. ويضم الكتاب مجموعة من الصور النادرة، التي تسرد مسيرة الثورة اليمنية.
أهمية كبرى
يرى الناقد الأدبي، الدكتور يوسف نوفل، أن كتب السير الذاتية، لها أهمية كُبرى، قديماً وحديثاً، لافتاً إلى وجود العديد من الكتب الكبرى التي اشتهرت قديماً. ويلفت نوفل إلى أنه زاد في العصر الحديث، الاهتمام بهذا الفن، نظرا لأنه لا يؤرخ لحياة صاحبة فقط، وإنما يؤرخ للعصر الذي يعيش فيه ولقضاياه، ومن أقدم هذه النماذج الكاتب اللبناني أحمد فارس الشدياق..
حيث كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق"، الذي أرخ فيه لحياته.ويضيف نوفل: "غني عن البيان، الشهرة الفائقة التي نالتها رواية (الأيام) لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ونجد ان الأمثلة كثيرة وخصبة، على كتب السير الذاتية الناجحة، لا تحصر، فمعظم المفكرين والأدباء والفنانين، سواء أوروبياً أو عربياً، يُسجلون سيرهم بطريقة ما؛ فالروائي ربما يسجل قصة حياته عبر أبطال رواياته. ويشير نوفل إلى أن فن السيرة الذاتية عريق ومهم، إذ يستفيد منه الدارسون في تخصصاتهم المتنوعة، لذلك هو من أخطر أنواع الفنون.
فروق
تشمل كتب السيرة بوجه عام، نوعين رئيسين: السيرة الذاتية والسيرة الغيرية. ويتمثل الفرق بينهما في أن كتب السيرة الذاتية يتحدث فيها الكاتب بنفسه عن حياته، بينما السيرة الغيرية تجسد حديث وكتابات أحد المؤلفين عن حياة "شخص آخر". وهناك فرق أيضاً في أهداف النوعين، فالذاتية تكون الرؤية فيها موضوعية، أما الغيرية فغالباً ما تشوبها دوافع أخرى، غير موضوعية.
صلاح عيسى: المذكرات مصدر مهم للتأريخ في كافة المجالاتيوضح الإعلامي والكاتب صلاح عيسى، أن السير الذاتية يُطلق عليها عدة مُسمَّيات، من بينها: مُذكرات، يوميات، ذكريات، وكلها مصادر مهمة جداً للتأريخ؛ ويلجأ إليها المؤرخون كونها مصادر أولية قيمتها كبيرة. ويشير إلى أن القيمة الحقيقية لكتب السير الذاتية التي يكتبها السياسيون، ليست سياسية آنية، وحول إقبال القراء على هذه الكتب يقول:
"الشفافية تغيب عن الدول الشرقية، خاصة في ظل الأنظمة التي تسعى للتعتيم على الحقائق وعدم روايتها في حينها؛ لذلك ينجذب القارئ إلى هذه النوعية من الكتب التي تحاول أن تكشف أسراراً ومواقف وأحداثاً مُعينة، ويبحث عن معرفة ما أخفي، كما أن بها نوعاً من التشويق".
ويتابع عيسى: لكتب السير الذاتية أنواع عديدة، فهناك المذكرات السياسية، التي لها طابع خاص يرتبط بطبيعة الدور الذي كان يؤديه المؤلف صاحب الكتاب، وهناك مذكرات الأدباء يحكون فيها تجربتهم الإنسانية، وعلاقتهم بالمجتمع والأجيال والكُتاب الذين عاصروهم، وتكون كتاباتهم هذه جزءاً من تأريخ الأدب والثقافة، وكذلك هناك مذكرات رجال الاقتصاد..
وهي مصدر مهم للتأريخ للحالة السياسية والاقتصادية للبلاد، ومذكرات أهل الفن، وهي أيضا جزء مهم يلجأ إليه العديد من الفنانين مثل: "السيناريست مصطفى محرم، المخرج كمال عطية، نجيب الريحاني، بديعة مصابني، عزيز عيد "الذي كشفت مذكراته عن جوانب مجهولة من تاريخ المسرح"، جورج أبيض، دولت أبيض، فاطمة رشدي،.."، وكلها مذكرات بالغة الأهمية، وجزء مهم من تاريخ الفن والمسرح والغناء، وغيرها من ألوان الفنون".
ويضيف عيسى، إن أنواع السيرة الذاتية تتدرج في المصداقية، فكلما حدث التقادم في العهد تحولت اليوميات إلى مذكرات أو ذكريات، وهو ما يقلل من مصداقيتها؛ فمع تطور الأحداث من الممكن أن يدرك صاحب السيرة أن هناك جملة مواقف اتخذها وكانت خاطئة، فيحذفها أو لا يذكرها كما هي، حيث تصبح الكتابة متأثرة بنزعة الكاتب.
مذكرات "العوام».. غياب مقلق
يلفت كتاب وأدباء إلى نوعٍ آخر من المذكرات، يرونه بالغ الأهمية، ذلك كونه يحتفظ بصور من التاريخ الاجتماعي، ويحتفظ بالتقاليد والعادات لكل فترة من فترات المجتمع. ويمثل ذاك النوع مذكرات "العوام". وتشدد شريحة كبيرة من المتخصصين على افتقاد المجتمع الثقافي لهذا النوع حالياً، وهي تلك التي يكتبها أو يمليها عوام الناس على كاتب أو صحافي محترف لتدوينها، مثل: "مذكرات مدير عام".ويؤكد هؤلاء الحاجة الملحة لهذا الصنف الأدبي.


