«الكتب المزوّرة» صناعة النشر مهددة والحلول مؤجّلة

صورة

"كارثة". هكذا يرى الناشرون والكُتاب ظاهرة تزوير الكتب، وازدياد الطبعات المزورة التي أصبحت تملأ الأرصفة في شوارع بلدان عربية عديدة، بعد أن غاب الرادع القانوني لمرتكبي هذه الجريمة، التي ربما لا يعرف البعض أنها جريمة يعاقب عليها القانون.

"وما الخطأ أو الضير في ذلك .. فهل نشر الثقافة والفكر جريمة (حتى ولو كان بطريقة غير قانونية)؟". إنه سؤال ملح يصحبه استنكار شديد، يدور في خلد القارئ العادي، بشأن تلك القضية، والذي لا يهمه سوى أن يحصل على المعرفة بأسعار زهيدة، بعيدا عن أسعار الكتب المرتفعة، والتي لا يقدر عليها من هم متوسطو الدخل أو القرّاء من الطلاب.

لكن ذلك لا يقاس أو يقف عند هذا الحد. إذ يرى القانون أنها جريمة يتعدى مرتكبها على حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر والتأليف. ويؤكد متخصصون، أن هذه الظاهرة باتت مقلقة ومهددة في الساحة الثقافية العربية، خصوصا وأنها تتنامى في دول عربية كثيرة مستفيدة من تأجيل مشروعات ردعها بحسم، ما يفرز تهديدا حقيقيا لصناعة النشر.

صحيح أن الحملات التي تنظمها الأجهزة الأمنية المتخصصة، في دول عربية كثيرة، والتي أسفرت بالفعل عن ضبط العديد من المطابع والأفراد ممن يقومون بتزوير الكتب الأكثر رواجا لعدد كبير من مشاهير الكُتاب ولدور النشر الكبيرة، لكن الظاهرة لم تنحسر ولم تتراجع، بل ازدادت وتتزايد يوما بعد آخر، بعد أن وجدت لنفسها مناخا ملائما في ظل غياب الأمن،..

كما أنها عملية مربحة للمزور، غدت تجعله يحقق مكاسب طائلة في وقت قصير، ولكنها على الجانب الآخر، تتسبب في خسائر فادحة لدور النشر وللمؤلفين، وتشكل خطرا حقيقيا على مستقبل صناعة الثقافة والنشر.

طرق هدامة

يعتقد المهتمون بصناعة النشر، أن التصدي لهذه الظاهرة ومحاربتها، يأتي بطرق هي أيضا غير سليمة تماما. وذلك كأن تحرص دور النشر على وجود طبعات شعبية للأعمال الأدبية والفكرية تتناسب وإمكانات محدودي الدخل، خاصة وأن دور النشر ستحقق من ورائها هامش ربح، ليس بالقليل، ذاك في ظل كون مهنة الطباعة ونشر الثقافة والفكر يجب أن لا يكون هدفها الوحيد التجارة والكسب المادي..

وإنما يجدر بها أن تضع نصب عينيها غاية رئيسة تتمثل في إحداث التوازن بين كفتي الميزان، فلا يمكن في السياق، ان ننسى كون نشر الثقافة والفكر وتحقيق مكسب مادي، جانبين محوريين متوازيين في عمل هذه الجهات. إذ إن الكسب المادي يساعد دور النشر على الاستمرار.

تفعيل القانون

يوضح عادل المصري نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين رئيس لجنة مكافحة تزوير وتزييف الكتب، في بداية حديثه حول الموضوع، أن اتحاد الناشرين المصريين، يسعى بشكل دائم، وبالتنسيق مع الجهات الرقابية ومباحث المصنفات لتتبع الطبعات المزورة واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المزورين، لافتا إلى أن الفترة الماضية شهدت تحركات للتصدي لهذه الظاهرة بشكل كبير..

حيث ضبطت أكثر من مطبعة وورش لتغليف وتجليد الكتب المزورة. ويتابع المصري: "ترافقت هذه الاجراءات بمبادرة رئيس الهيئة العامة للكتاب في مصر الدكتور أحمد مجاهد، خلال الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الى إغلاق أكثر من 10 أجنحة تعرض كتبا مزورة للجمهور".

ويشدد نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين رئيس لجنة مكافحة تزوير وتزييف الكتب، على ضرورة تفعيل القانون الذي يقضي بحبس المزور وتغريمه مبالغ مادية رادعة، إضافة إلى مصادرة الأدوات والآلات المُستخدمة في عملية تزييف الكتب، مناشدا القارئ أن لا يبحث عن الكتاب الأرخص..

وأن عليه الإبلاغ في حالة اكتشافه أن هناك من يبيع طبعات مزورة. كما يلفت في الوقت ذاته، إلى الفتوى التي أصدرها شيخ الأزهر، التي تؤكد أن هذا الفعل حرام؛ ذلك لأن به تعديا على حقوق الناشر والكاتب. ويتابع: " على مباحث المرافق أن تعمد إلى إزالة الإشغالات التي يقوم بها بعض الباعة على أرصفة الشوارع ويفترشون فيها الطبعات المزورة".

كما يبين المصري أن استمرار هذه الظاهرة سيقضي على النشر والإبداع، فالكاتب عندما يعلم أن أعماله سيتم تزويرها ولن يجني من ورائها ما يستحقه من مقابل مادي، فربما يمتنع عن الكتابة والإبداع..

وهو ما سيفرز في المحصلة، تاثيرات جمة متنوعة، على حركة الثقافة والإبداع، وكذلك فإن دور النشر حينها، لن تتشجع لإنتاج وإصدار أعمال أدبية وثقافية جديدة؛ لأنها لا تحصل على حقها المادي، ولا ملامة هنا، إذ إن العائد الاقتصادي الذي تحققه، هو أمر في سلم الاولويات والقضية الجوهرية، ذلك حتى تستطيع الاستمرار.. ولتدفع مستحقات كادر العاملين ضمنها.

تخفيض الأسعار

يرجع مدير "دار الربيع العربي"، أحمد سعيد، السبب في ارتفاع أسعار الكتب، إلى المكتبات وليس دور النشر، موضحا أن تخفيض الأسعار من أهم سبل مواجهة تزوير الكتب، الأمر الذي سيشجع القراء على اقتناء النسخ الأصلية، بدلا من شراء الكتب المزورة، وبالتالي يفضي هذا الى الحد من اختلاط الكتاب الجيد بآخر رديء وضعيف الجودة ويؤثر على صناعة الكتاب وعلى مستقبل دور النشر.

تأثيرات جمة

وفي السياق ذاته، يبين مدير "دار الحافظ للنشر والتوزيع" في القاهرة، هيثم حافظ، أن ظاهرة الكتب المزورة في العالم العربي، كانت منتشرة جدا، في الفترة السابقة، إلا أن تزوير الكتب، حاليا، شرع يختفي كظاهرة، ذاك باستثناء بعض الدول الفقيرة. ويرى أن ردع ظاهرة التزوير المؤلفات والتصدري الناجع لها في العالم العربي، يحتاج منا، وقبل سن القوانين أو تفعيلها إلى توعية للقارئ...

فعندما يمتلك أفراد المجتمع ثقافة تعاط سليمة وبناءة في هذا الصدد، ستنحدر أو تتلاشى ظاهرة التزوير، ذلك مهما حاول المزور الدخول للأسواق. ويضيف: " أرى أن هذه النقطة التي ذكرتها، أهم مرحلة للقضاء على الطبعات المزورة، إلا أن هذا لا يعني أننا غير معنيين بضرورة سن بموازة هذا الامر وتدعيمه بسن قانون رادع وصريح، يطبق بدقة وبلا اي نهاون...".

كما يصف حافظ، الكتب المزورة بـ"الظاهرة السلبية" في عالمنا العربي، مؤكدا أنها تحد من التطور والإبداع، وتؤثر سلبا على صناعة الكتاب والثقافة في الوطن العربي. وتلحق بدور النشر المالكة لحقوق الملكية الفكرية لطرح الكتاب بالأسواق، خسائر اقتصادية، لافتا إلى أهمية أن يبادر كل مواطن الى التصدي لهذه الظاهرة، بأي جهد كان، غاية الحد من انتشارها.

ويوضح في الخصوص، أن الحل يأتي من خلال عدد من النقاط، أهمها: (زيادة وعي القارئ العربي، واتجاه الناشر لزيادة إنتاجه على أن يكون متطور فكريا وجماليا؛ فيكون منتجا جميلا أنيقا متطورا، حضور كبير في السوق العربية ضمن كل فروعها ومنافذها، دعم ومساندة الوزارات المسؤولة عن تطبيق قانون الملكية الفكرية).

وحول فكرة إصدار دور النشر لطبعات شعبية للكتب مرتفعة الأسعار؛ تشجيعا للقارئ على تناول النسخ الأصلية بدلاً من المزورة، ينوّه الحافظ إلى أنها فكرة تسهم بالطبع في الحد من انتشار الكتب المزورة، مبينا أنه هنا تبرز مسؤولية الناشر كي يستطيع الوصول إلى السوق العربية بكل فئاتها وأطيافها وطبقاتها.

أسباب

تؤكد الكاتبة الفلسطينية لبنى السحار، أنها، وخلال إقامتها حاليا في السعودية، لم تلحظ وجود هذه الظاهرة، ولكنها تسمع عن انتشارها في مصر. وتشير هنا إلى أن السبب في انتشار هذه الظاهرة، من وجهة نظرها، البحث عن التجارة والرغبة في التكسب المادي ولو بطريقة ملتوية.

إذ يبحث الشخص الذي يمارس هذا الامر، عن الكتاب الذي يحقق مبيعات عالية ويبدأ في طباعته بجودة ضعيفة، ثم يطرحه في الأسواق، فيشتريه القارئ ويحقق البائع أرباحا كبيرة، كونه يتمكن من بيع الكتاب بأسعار زهيدة. وترى لبنى أن تزوير الكتب من الظواهر التي تؤثر سلبا على الكاتب، وعلى سوق الكتاب.. وعلى القارئ بشكل عام. فغالبية هذه الكتب تكون رديئة الطباعة غير واضحة وسطورها مائلة.

ولا تنكر الكاتبة الفلسطينية أن رواج هذه الظاهرة يرجع إلى ما تشهده من إقبال من القراء عليها، إذ يلجأ إليها تحديدا، القارئ صاحب الدخل البسيط أو المتوسط الذي يهمه السعر أكثر من أن يستمتع بكتاب فاخر الطبعة.

ترفض لبنى، في موازاة حديثها ذلك، أن تعتبر هذه الظاهرة تفرز مخاطر على صناعة النشر : "لا يمكنني القول إنها مخاطر. ولكنها أشبه بالتهديدات، فأكثر ما يهدد صناعة النشر الورقية هو تزايد أعداد مستخدمي الأجهزة الذكية والـ(آي باد)، في ظل تفضيل الكثيرين لقراءة الكتاب إلكترونيا، خاصة ان أسعار الكتب في ارتفاع مستمر".

وتتابع: "تحتاج دور النشر إلى حملات دعاية موسعة ليستمر القارئ بشراء الكتب بأسعارها الحالية، وهذا أمر ملح في ظل وجود البديل الإلكتروني، الأرخص أو المجاني".

غياب الحلول الناجعة

يرى كتّاب ومثقفون، عديدون، أن لا قابلية أبدا، لتوفر حلول ناجعة في مواجهة هذه الظاهرة الهدامة في الساحة الثقافية العربية، في حال ظلت الجهات المعنية تغفل حقيقة أن الخطوة الأولى، الأجدى، في محاربتها، هي توفير الكتب كافة لجميع القراء العرب، بأسعار مناسبة. فحينذاك، برأيهم..

لن يتوانى القارئ، أيا كان مستواه الثقافي، عن استبعاد الكتب المزورة، إذ إنه ليس بحاجة عندها، للمقارنة بين السعر كل من الكتاب الأصلي والمزور.. ثم تفضيله المزور متأثرا بالفرق الكبير في السعر. كما يلفت هؤلاء، إلى أن الاجراءات القانونية الرادعة في هذا الصدد، ضرورة، لكنها تأتي مكملة للخطوة الأولى.

 الإمارات وحماية الملكية الفكرية.. شهادات عالمية ومكانة رائدة

 حققت دولة الامارات نجاحات مشهودا لها عالميا، على صعيد حماية الملكية الفكرية، وحماية حقوق المؤلفين. فأثمر ذلك ردع ظاهرة الكتب والمؤلفات الفكرية المزورة. وكان لافتا أن الدولة فطنت مبكرا للأمر.. فتتوج حرصها بإصدار الجهات المعنية، جملة قرارات وقوانين، رادعة وواضحة ومباشرة، تكفل التصدي لجميع أشكال التزوير الفكري.

وهكذا باتت الامارات، التي تعد الاولى عربيا في هذا الحقل، وفي فترة قصيرة، تحوز سمعة ومكانة عالميتين رائدتين في المجال. إذ تحتل موقعاً متقدماً عالمياً في قائمة الدول التي تكافح انتهاك الملكية الفكرية. وصنفت أنها من أفضل 20 دولة في العالم في حماية الملكية الفكرية.

ولا تدخر الامارات اي جهود او امكانات مادية ومعنوية، في سبيل متابعة النجاح في حماية الملكية الفكرية ومنع التزوير، موظفة في هذا السبيل، برامج عمل نوعية عبر مبادرات وهيئات متنوعة، ومن أبرزها إنشاء جمعية الإمارات للملكية الفكرية، التي تلتزم أجندات عمل فاعلة تكفل الارتقاء بقطاع الملكية الفكرية في الدولة، بموازاة تحقيق هدف تحسين مستويات معارف المجتمع والقطاع الخاص والمعنيين في المجال، عبر تأهيلهم وتدريبهم وزيادة كفاءاتهم.

كما أن الجميعة تتابع كافة الجوانب الخاصة بالامر. إذ تجهد لتحسين الشروط والظروف المدعمة لحماية الملكية الفكرية في الدولة، بالتنسيق والتعاون مع جميع الجهات المعنية. كما وقعت الامارات على العديد من الاتفاقات الدولية في الخصوص، ومنها: اتفاقية "بيرن".

وحدة متخصصة في جمارك دبي

 بادرت دبي إلى تبني مشروعات وأجندات عمل دقيقة محصنة في سبيل حماية الملكية الفكرية، فكان أن حصنت جهودها المتنوعة في المجال، بإنشاء وحدة متخصصة في جمارك دبي: حقوق الملكية الفكرية. وتتضمن فريق عمل متخصص، يملك ثقافة قانونية على مستوى عال في هذا الصدد. كما أن الوحدة تتسلح بإمكانات تقنية ومعرفية غاية في التميز.

 

كتّاب وناشرون يؤكدون أن التغاضيعنها تشجيع للتعدي على مضمون الثقافة والفكر في العالم العربي

 ظاهرة غدت مقلقة عربياً في ظل تضاعفها وتسببها في خسائر وطنية فادحة بموازاة إضرارها بالعاملين والمهنيين في هذا الحقل

 عادل المصري: يجدر تفعيل القانون المصري القاضي بحبس المزور وتغريمه مبالغ مادية ومصادرة الأدوات والآلات المُستخدمة في تزييف الكتب

 الطبعات الشعبية للكتب مرتفعة الأسعار تشجع القارئ على تناول النسخ الأصلية بدلاً من المزورة وتسهم في الحد من انتشار الظاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات