هي واحدة من أقدم المكتبات، في العالمين العربي والإسلامي. تحتل مكانة علمية وتاريخية كبيرة بين الباحثين: مكتبة الجامع الأزهر، إذ تحوي بين جنباتها مجموعة كبيرة من الكتب والمخطوطات النادرة وأمهات الكتب، إلى جانب العديد من الكتب في العلوم المختلفة، كالطب والفلك والهندسة..

فمن أراد أن يطلع على هذا التراث وكافة مجالات الحياة المرتبطة بالإسلام، لن يجد أفضل من هذه المكتبة لزيارتها أو التجول عبر الموقع الإلكتروني الخاص بها. إن المكتبة غدت تمثل، بحق، زوادة فكر غنية وشاملة، وكنزاً للمخطوطات، على مستوى العالم أجمع.

يعود إنشاء مكتبة الجامع الأزهر إلى عام 1897 م/ 1314 للهجرة، وقبل ذلك كانت المخطوطات والكتب الخاصة بالأزهر موجودة في داخل الأروقة ضمن الجامع الأزهر، وكان لكل رواق مكتبة، وبلغ عدد هذه الأروقة 30، واستمرت الحال هكذا حتى دعا إمام التجديد والتطوير، محمد عبده، إلى ضم كل هذه الكتب والمخطوطات وحفظها في مكتبة عامة، ذلك بالتزامن مع دعوة الإمام لكبار العلماء والمشايخ، لإهداء مكتباتهم إلى مكتبة الجامع الأزهر..

وهو ما استجاب له شيخ الأزهر الشيخ حسونة النواوي، الذي بادر بالتبرع بما تحتويه مكتبته من كتب، كما سار على نهجه ورثة المرحوم سليمان باشا أباظة، بما تحتويه مكتبة والدهم من أمهات الكتب والمؤلفات النادرة، وفعل ذلك مئات من شيوخ وعلماء الأزهر، وهو تقليد لا يزال يسير على نهجه العديد من علماء المسلمين في مصر، إلى غاية الوقت الحالي.

كتب مُهداة

تألفت المكتبة في بدايتها من 7703 كتب، وكان النصيب الأكبر منها للكتب المهداة إلى مكتبة الجامع الأزهر، والتي وصل عددها آنذاك، إلى 6617 كتاباً؛ لتكون نواة لواحدة من أهم المكتبات العامة، إذ يبلغ عدد الكتب فيها حالياً، وفقاً للقائمين عليها، نحو 79123 كتاباً، إضافة إلى عدد كبير من المخطوطات، من بينها 34 ألف مخطوطة نادرة، يرجع تاريخ بعضها إلى القرن الثالث الهجري، وما بعده.

مشايخ الأزهر

نظراً لأهمية ما حوته المكتبة من كتب ومخطوطات نادرة، حرص مشايخ الأزهر على العناية بالمكتبة، منذ إنشائها، عناية فائقة تليق ومكانة مؤسسة الأزهر الشريف، كمؤسسة إسلامية ذات أثر بالغ يتخطى حدود الدولة التي نشأت فيها (مصر)، ومن بين المشايخ الذين أولوا للمكتبة الاهتمام الكبير، الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1928م..

حيث فكر في إنشاء مكتبة حديثة متسعة، بعد أن ضاقت الأماكن القديمة المخصصة للكتب والمخطوطات والوثائق النادرة، فعمل على إنشاء مبنى ضخم خاص بالمكتبة ضمن مشروع إنشاء مبنى جامعة الأزهر، لكن لم ينفذ هذا المشروع، حتى مجيء الدكتور عبدالحليم محمود الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1973م، إذ أحيا المشروع من جديد، وجرى الاتفاق على إنشاء مكتبة الجامع الأزهر الحديثة. ثم بعد ذلك، بدأ التنفيذ الفعلي لها، عندما تولى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، مشيخة الأزهر في سنة 1982م.

منارة الباحثين

يتكون مبنى مكتبة الجامع الأزهر الحديثة، حالياً، من 14 طابقاً؛ ليستمر في دوره كمنارة إسلامية حضارية يقصدها الباحثون والعلماء وطلبة العلم، من شتى أنحاء العالم، إذ تنقسم المكتبة إلى عشرة أقسام..

وهي: الإدارة المركزية لشؤون المكتبات الأزهرية، الإدارة العامة للمخطوطات والوثائق والميكروفيلم، الإدارة العامة للمطبوعات والببلوغرافيا، إدارة خدمة القراء، إدارة التعاون الثقافي وتبادل المطبوعات والمصورات، إدارة الدوريات العربية والأجنبية، إدارة الحاسب الآلي، إدارة الصيانة والتصوير، إدارة الشؤون المالية والإدارية، إدارة العلاقات العامة، إدارة الأمن والاستعلامات.

مصاحف مختلفة الأحجام

تحتوي المكتبة، تحديداً في قاعة «نوادر مقتنيات المكتبة الأزهرية من رسائل ومصاحف»، على مجموعة من رسائل الإمام السيوطي، كان قد كتبها بخط يده، ويعود تاريخها إلى القرن التاسع الهجري، وذلك إلى جانب عدد من المصاحف مختلفة الأحجام، كُتبت بخطوط رائعة الجمال، وبعضها كُتب بماء الذهب، إذ يعود تاريخها إلى عامي 465 هـ و528 هـ، وذلك إضافة إلى صندوق من الفضة محلى بماء الذهب، يحتوي أجزاءً منفصلة من القرآن الكريم.

مخطوطات نادرة

تتسم المكتبة بوفرة كبيرة ضمنها، للمخطوطات النادرة التي تعنى بشتى المجالات والحقول، ذلك كالفقه. إذ توجد مخطوطة «عمدة الطالبين» لابن الوزير، التي كتبت عام 603 هـ، بخط المؤلف. وهناك أيضاً «زاد الملوك» لابن المظفر. وفي مجال تفسير القرآن الكريم، تحتوي المكتبة على «تفسير سورة الفاتحة» لابن خبري الأندلسي (كتب عام 627هـ)، «الكشاف» للزمخشري (كتب عام 654هـ)، «التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام» للسهيلي (كتب عام 743هـ).

ومن المخطوطات النادرة في الحديث النبوي الشريف، ضمن المكتبة: مخطوط «غريب الحديث» لابن سلام المتوفى عام 311هـ، الجزء الأول من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد (كُتب عام 731هـ)، «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» للمزي المتوفى عام 742هـ (كتب هذا المخطوط عام 725هـ).

وعلى صعيد التاريخ، يوجد مخطوطات عدة، من بينها: «رسوم دار الخلافة في تقويم البلدان» (كتب عام 596هـ)، «إنباء الغمر بأنباء العمر» للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام 852هـ. إضافة إلى غيرها من المخطوطات النادرة المتخصصة في كافة مجالات المعرفة.

دعم عربي

يؤكد مدير الإدارة المركزية لمكتبة الجامع الأزهر، محمد عبدالقادر، أن مكتبة الجامع الأزهر لم تكن بهذا المستوى من التطور، لولا التعاون الوثيق بين المكتبة وبعض الدول العربية، التي تدرك أهمية وقيمة مكتبة الجامع الأزهر، ذلك سعياً ورغبة منها في خدمة الإسلام وطلاب العلم.

ويشيد، في هذا الصدد، بجهود ومبادرات الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لافتاً إلى أنهما كانتا الأكثر حرصاً على تطوير المكتبة، وعلى دعم مشروع حفظ وميكنة وترميم مخطوطاتها، ومن ثم نشرها لتكون متاحة عبر شبكة المعلومات الدولية، للعالم أجمع.

فتكللت تلك الجهود بالقدرة على تحقيق إنجاز نوعي يتمثل في تحويل المخطوطات النادرة من الشكل الورقي إلى شكل رقمي، يضمن استفادة أكبر لطلاب العلم. ويوضح عبدالقادر أن الطلاب والباحثين، وبفعل هذا المشروع، غدا بمقدورهم الاطلاع على هذه المخطوطات بسهولة أكبر، فضلاً عن أن هذه الطريقة الإلكترونية ضمنت الحفاظ على النسخ الأصلية من المخطوطات النادرة، وحفظها من التلف أو الضياع.

ويختتم حديثه بالتأكيد أن المكتبة تفتح أبوابها أمام راغبي التزود بالثقافة الإسلامية والعربية، فتمدهم بكل ما يريدون، ولا تقصر خدماتها على المصريين فقط، إنما تمد يدها إلى كل الباحثين من مختلف الدول، وتوفر لهم ما يحتاجون إليه من صور لمخطوطات أو كتب، ذلك وهم في بلادهم.

أمهات الكتب

 يجد الزائر لمكتبة الجامع الأزهر، عدداً كبيراً من أمهات الكتب الإسلامية القديمة التي لا نظير لها في مكتبات أخرى، ومن بينها: «الكشاف عن حقائق التنزيل» للزمخشري، النسخة الأصلية من «سيرة ابن هشام»، كتاب «تفسير غريب القران للسجستاني» عام 514 هـ، «غريب الحديث لابن سلام» عام 311 هـ.

صيانة وترميم المخطوطات.. دقة وحرص

 تعتني إدارة مكتبة الجامع الأزهر، وانطلاقاً من أهمية المخطوطات التي تحويها، في الحفاظ عليها بشكل دقيق ومحكم، حتى لا تتعرض للتلف، وذلك عبر صيانتها وترميمها.

وحسب القائمين على المكتبة، يستغرق كل مخطوط وقتاً في ترميمه، حسب الطريقة وحالة المخطوط. فالترميم اليدوي يستغرق وقتاً أطول أكثر من الآلي.

وتجري عملية الترميم من خلال المعمل الذي تستخدم فيه مواد كيمياوية مخصصة للتعقيم، وتأتي الخطوة التالية بتحديد نوعية الترميم الذي يحتاج إليه المخطوط؛ حيث هناك مخطوطات لا يمكن التعامل معها آلياً، خاصة المخطوطات المكتوبة بمداد ملون، إذ تتأثر هذه الألوان نتيجة المعالجة أو الترميم الآلي، وفي هذه الحالة تعالج عن طريق الترميم اليدوي. أما المرحلة الأخيرة من الترميم فتكون في قسم التجليد، إذ يُجلد المخطوط ويزين بالزخارف التي تلائم العصر الذي يعود إليه.

نوادر مقتنيات المكتبة الأزهرية

 لعل أكثر ما يلفت انتباه زائر مكتبة الجامع الأزهر، قاعة اسمها «نوادر مقتنيات المكتبة الأزهرية من رسائل ومصاحف»، إذ تحتوي هذه القاعة على مجموعة من أندر المخطوطات، يعود تاريخها إلى فترات زمنية مختلفة، إضافة إلى مجموعة كتب تنتمي إلى علوم إنسانية متنوعة، ككتاب «القانون» في الطب لابن سينا، الذي تقتني منه مكتبة الجامع الأزهر، نسختين، إحداهما مطبوعة والأخرى عبارة عن مخطوط، خاصة وأنه لا يوجد على مستوى العالم، سوى أربع نسخ من الكتاب.