لا تحتاج "مكتبة أنطوان" ومعها، دار نشر "هاشيت انطوان"، بطاقة تعريف تقليدية تشرح دورهما ومكانتهما في عوالم الكتب والنشر. فنتاجاتهما ومنجزهما الثقافي والعلمي منحاهما، عربياً وعالمياً، جواز سفر بمستوى دبلوماسي في الحقل، لا ينفك يخولهما ويتيح لهما أن تكونا في المقدمة وعلى رأس لائحة التصنيفات الخاصة بالمؤسسات المرموقة في قطاع النشر والكتب. إنهما، بحق، عنوان العالمية والتخصص والنجاح، في رياض ورحاب النشر والكتاب.
لم يتوقف مركب التجديد والتطوير لدى" مكتبة انطوان" و"هاشيت أنطوان"، يوماً. إذ لا تنفك تذخر الدار ومعها المكتبة أطر عملهما بجرعات إذكاء تفيدهما في متابعة مشوار التقدم ومواكبة أحدث آليات الاشتغال والتنويع في أطر ومساقات عملهما. وهكذا غدتا قيمة وعنوانا براقين، مستفيدتين من حيوية رؤاهما المستقبلية ومن خلفيتهما التاريخية وبرامجها ومبادئها الفريدة.
حكاية وتاريخ
كان العام 1933 نقطة تحول مهمة وعلامة فارقة بالنسبة لعوالم النشر والثقافة والكتاب في العالم العربي. إذ شهد افتتاح أنطوان نوفل لـ"مكتبة أنطوان"، في محلّ يتألف من 30 مترا مربّعا، وسط العاصمة اللبنانية، بيروت- شارع الأمير بشير- مبنى الآباء اللعازاريين- مقابل "المسرح الكبير" أو الـ"غراند تياتر ". وفي مرحلة لاحقة ( 1935- 1939 )، انضمّ الأخوان بيار واميل، شقيقا أنطوان، إلى المكتبة.
إذ اهتمّ بيار بشكل خاص بالشقّ المدرسي، بينما تولّى اميل مجال الأدب العام. أمّا أنطوان فتكفل بالشؤون الماليّة والإدارة العامّة. وواكب هذا، إجداء المكتبة لخطط توسعها، التي تترجمت عمليا في العام 1946، مع افتتاح فرع ثانٍ لها في باب ادريس وسط بيروت. ومن ثم تتالت مساقات التطوير والتوسع، فشملت محطات عديدة، منها :
فرع ثالث في سنتر ستاركو وسط بيروت(1960)، أسّس الأخوة الثلاثة "شركة الشرق الاوسط لتوزيع المطبوعات ( 1968) بالشراكة مع "الشركة الجديدة الباريسيّة لتوزيع الصحف " (NMPP)، أسّس بيار نوفل "مؤسّسة نوفل"(1970) -وهي دار نشر عربيّة عامّة وشركة لتوزيع الكتب العربيّة، انطلقت مكتبة أنطوان في مجال نشر الكتب المدرسيّة بالتعاون مع "ايديسيف" (1996)، صدور أولى الكتب المدرسيّة باللغة العربيّة عن مكتبة أنطوان(2006)، مكتبة أنطوان تشتري "مؤسّسة نوفل" (2009). كما اشترت من دار "بيت الحكمة" للنشر، سلسلة القصص المعروفة باسم الدار أو سلسلة "بيت الحكمة".. لتصبح قائمة العناوين الصادرة عن مكتبة أنطوان تضم أكثر من 700 عنوان.
«هاشيت».. عراقة وارتباط
لا يمكننا أن نتحدث عن مكتبة انطوان للنشر، من دون التعريج بداية، على قرينها التوأم، بل شريكها العضوي في آفاق الفكر والثقافة، على مستوى العالم، مؤسسة/مكتبة "هاشيت" في فرنسا. إذ شكلتا، معا، مؤسسة عريقة بارزة في مجال النشر، وهي دار نشر " هاشيت انطوان" عام 2009.
وكان لشراكتهما تلك، كبير الأثر والإسهام في إغناء الساحة الثقافية العربية والعالمية، خاصة وأن هاشيت مؤسسة عريقة تأسست عام 1826. إذ بدأت القصة حين اشترى لويس هاشيت، المولود عام 1800، مكتبة "بريديف" القائمة في جوار جامعة السوربون. ومن ثم أطلق لويس هاشيت، عام 1829 ورشة وضع "كتاب الأبجد" المتخصص بالكتب المدرسية.. إلى أن عهدت إليه الدولة الفرنسية بنشر قرابة مليون نسخة منه. ووقع اتفاقات عمل وشراكة عديدة.
وبدأ بتوسيع عمله نحو مفهوم المكتبة بشكل عملي، إذ شهد العام 1850 تطوّر السكك الحديد ما حداه إلى التفاوض مع شركات سكك الحديد للحصول على امتياز إقامة "مكتبات محطات القطار"، في كلّ المدن الكبرى. فقدم مع ذلك: الدليل السياحي ( عام 1855 ):"دليل جوانّ"، الروايات، وسّع لويس هاشيت نطاق منشوراته الأدبيّة لتضمّ روايات ديكنز ونرفال وصاند.. وعندما توفي لويس هاشيت عام 1864، كانت دار نشره تصنف في المرتبة الأولى عالميا.
وشهد القرن العشرون محطّة بارزة بالنسبة إلى دار هاشيت وبالنسبة إلى القراءة والنشر بشكل عام.. وهذه المحطة تمثّلت في ظهور "كتاب الجيب" عام 1953. وعرفت خمسينيّات القرن الماضي إقبالاً على شراء دور النشر فاشترت هاشيت: "غراسّيه"، "فايار"، "ستوك".
1980: التوسّع
أصبحت مكتبة "هاشيت"، التي تحوّل اسمها في العام 1918 إلى "هاشيت وشركاه"، ملكا لشركة "ماترا" سنة 1980. وفي العام 1993 تحوّلت "مجموعة كتاب هاشيت" إلى "هاشيت للكتاب" : (Hachette Livre). وهي فرع من مجموعة "لاغاردير". وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، واصلت "هاشيت للكتاب"، سياستها في تعزيز الكتاب.. واستحوذت على دور نشر في فرنسا والعالم أجمع. فاندرجت في عداد أصول "هاشيت" مجموعة "أنايا" الإسبانيّة.. مع التحاق دارَي :"سالفات" و"برونيو" في عامَي 1988 و2001 .
وعلى الصعيد الانغلوأميركي، كانت "هاشيت" قد أجرت أوّل اختراق لها عام 1988 أيضًا بشرائها "غروليير" الأميركيّة للموسوعات. وإضافة إلى التوسع اللافت في بداية القرن الواحد والعشرين، وبمعزل عن دار النشر البولونيّة (Wiedza i Zycie) التي اشتريت سنة 2000، كان التركيز منصبا على التوسّع في الصرح اللغوي الأنغلوأميركي. وبذا انضمّت اليها جهات كثيرة، مثل: "أوريون وكاسّل" العامّة المحدودة البريطانيّة- في عام 1998. وعلى الصعيد الأميركي فإنّ شراء "تايم ورنر بوك غروب": "هاشيت بوك غروب"، أدخل الدار من الباب العريض إلى هذه السوق الهائلة.
«هاشيت أنطوان»
كانت الأحواض اللغوية الأساسية الثلاثة: الفرنسية والأنغلوأميركيّة والبرتغالية-الإسبانيّة، تفتقر إلى رابع: الحوض العربي الذي يشكّل سوقاً هامة تتيح فيها الجهود المشتركة لـ"هاشيت" و"أنطوان" أن يتحوّلا إلى فاعلين حقيقيين في مجال النشر باللغة العربية. ومن هنا كان إنشاء شركة مشتركة، قبل نهاية 2009، مهمتها وضع قائمة كتب متنوّعة ومتناسقة في آن، تبرز فيها الهويةّ الشبابيّة.
يوجد مقر "هاشيت أنطوان" في بيروت، ويرأسها اميل تيان المدير التجاري لمكتبة أنطوان، حالياً. ويضم مجلس ادارة الشركة: ثلاثة أعضاء يمثلون هاشيت وثلاثة أعضاء يمثلون مكتبة أنطوان. وتضم أسرة "هاشيت انطوان" مؤلفات ونتاجات كبار الكتّاب والمؤلفين، أمثال: اميلي نصرالله وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ونزار قباني.. وكذلك كتّاباً هم من بين الأكثر مبيعاً، كالكاتبة البريطانية ج.ك. رولينغ، ومجموعة أقلام جديدة .
ويوجد لدى الدار مجموعة سلاسل وكتب مدرسيّة، من بينها: سلسة "لغتنا الأمّ"( سلسلة جديدة لتعلّم اللغة العربيّة الفصيحة). كما تعنى "هاشيت أنطوان" بالكتب المدرسية بمتمّمات رقميّة مناسبة للّوح التفاعليّ.
دمغات خمس
تغطّي منشورات "هاشيت أنطوان"، مضامير واسعة تخصّ كلًّا من الجمهورَين العام والمتخصّص، تحت دمغات خمس، وهي:
دمغة "نوفل" المتخصّصة في الإصدارات الأدبية الكلاسيكية والتاريخية، "هاشيت أنطوان حياتيّات" المتخصصة في كتب الصحّة وتطوير الذات والأسرة والطبخ والحياة المهنيّة، "هاشيت أنطوان أطفال" التي تؤسّس لبعد جديد في أدب الأطفال، "هاشيت أنطوان مراجع"، "هاشيت أنطوان تربية" للكتب المدرسيّة باللغات العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة.. وهذا فضلًا عن كتب القراءة اللاصفّيّة للأطفال والناشئة (من ضمنها مجموعة "بيت الحكمة" التراثية).
ثاني ناشر عالمياً والأول أوروبياً
تُصنف "هاشيت للكتب": (Hachette Livre)، كثاني ناشر عالمي وأوّل ناشر أوروبي. وتتساوى وكبار منافسيها في كلّ الأسواق الكبيرة، التي توجد فيها. وتحتلّ المجموعة المرتبة الأولى بفرنسا وبريطانيا، والثانية باستراليا ونيوزيلندا، والثانية باسبانيا، والخامسة بالولايات المتحدة. ولطالما كانت مهمتها، منذ انشئت عام 1826، بيع وتوزيع كتب ابتكاريّة مميزة، تخدم حبّ المعرفة والتعلّم والثقافة. ويتولّى تحقيق هذه المهمّة اليوم ما يقارب الـ 7550 موظفاً.
حقوق حصرية لترجمة روائع «ديزني» و«تشوبي»
لا تدخر دار نشر "هاشيت أنطوان"، جهداً في سبيل نجاح اصداراتها وحفظ مكانتها في الحقل. وتلتزم لهذا الغرض، خطة عمل ومنهجاً دقيقين، يقودهما حرصها على اعتماد المعايير العالميّة في عملها، بموازاة مراعاة احتياجات السوق المحلّيّة. فمن جهة، ساهمت خبرتها الطويلة في هذا المجال بانفتاحها على مختلف المدارس التربويّة في العالم، ومواكبة تطوّر أساليب التعليم ووسائله.
ومن جهة أخرى، لعب موقعها في السوق العربيّة دوراً بارزاً في تعميق معرفتها بما يحتاج إليه الأطفال في مختلف مراحل التعليم.. وضمنت بذلك شعبية ونجاحاً كبيرين لكتبها المدرسية. وكما هي آليّة العمل الاحترافيّ التي تتميّز بها الدار، فإنها تحرص على أن نواكب عمليّة النشر للكتب المدرسيّة بدورات تدريبية للأساتذة والتربوييّن.
كما تمتلك "هاشيت أنطوان" حقوقاً حصرية لترجمة روائع: ديزني، تشوبي، السيد والآنسة. ووصولا إلى أشهى وصفات سلسلة "حبة مسك" الشهيرة للطبخ. وتحرص الدار على تقديم ونشر كتب قيّمة، توازي الكتب الأجنبية من حيث جودتها وتحترم ثقافة المنطقة العربية ومتطلّباتها. وإذا كانت مكتبة أنطوان قد حققت، منذ تأسيسها في 1933، الريادة في عالم الكتب ومجالي التوزيع والنشر في دول المشرق والخليج العربييّن والغرب، فإن "هاشيت أنطوان" تهدف الى نشر إصداراتها في العالم العربيّ، من المشرق إلى المغرب، مروراً بمنطقة الخليج العربي.



