كثير من المواهب الشابة في مجال الكتابة، عاش تجربة صعوبة البدايات، خاصة عوائق التكاليف المادية عند التفكير في تأليف كتاب ما، فكان أن التجأ هؤلاء، ولسنوات طويلة، إلى البحث عن فرصة تضعهم على بداية الطريق، وتحول الحلم إلى حقيقة ملموسة، من خلال تكاتفهم، في ظل ارتفاع أسعار "الطباعة والتوزيع"..
فتترجم الأمر من خلال "كُتب جماعية"، تُعد الملاذ الآمن وربما "الملاذ" الأخير بالنسبة لهم، حسب تصنيف وتأكيد شريحة كبيرة منهم، لطرح إبداعاتهم ومشاركتها مع جمهور عريض من القرّاء. وفي العموم، يؤكد معنيون، أن الكتب الجماعية بمثابة " كوكتيل ثقافي" إبداعي، شبابي، يتحدى "تهمة" الطابع التجاري.
أسباب وخلفيات كثيرة تقف وراء بروز هذه الظاهرة في الوسط، فعدا الجانب المادي، هناك سبب حفز الشباب للاتجاه نحوها، إذ إنه ليس من السهل أن يعترف المجتمع الثقافي بمولد كاتب جديد، وليس من السهل أن تُقدم دور النشر على تبني المواهب الشابة..
حيث تعتبر إصدار كتاب فردي لمثل هذه المواهب، مخاطرة تكبدها خسائر مادية هي في غنى عنها، ووسط هذه الصعوبات، التي يواجهها الكُتاب الجدد، برقت تلك الفكرة التي تبنتها بعض دور النشر، خاصة الشابة منها؛ مساهمة بذلك في مساندة المواهب الحقيقية في إظهار إبداعاتهم الفكرية والأدبية، وبتكلفة زهيدة تضمن لدور النشر، ألا تخسر في مقابل وقوفها إلى جوار هذه المواهب وتقديمهم إلى المجتمع الثقافي عبر الكتب الجماعية.
رؤى متنوعة
يصنف نقاد كثيرون، الكتب الجماعية، بمثابة "كوكتيل ثقافي"، يضم عدداً كبيراً من الكُتاب الشباب، يقدم كل منهم ما يعبر عن موهبته ما بين: القصة القصيرة، الأشعار، الخواطر، المقالات الساخرة.. وغير ذلك، كما أن، هذه النوعية من المؤلفاتـ تمنح الشباب فرصة أن يتعرف إليهم الجمهور ويتواصل معهم بشكل مباشر، عبر حفلات التوقيع، كما تمنح القارئ وجبة ثقافية متكاملة في كتاب واحد زهيد السعر.
ولكن، يبقى التساؤل في هذا الصدد، الذي تلح فيه جهات عديدة معنية: هل يعني ذلك، أنه أصبحت ظاهرة "الكتب الجماعية" ملاذاً آمناً وحقيقياً أمام المواهب الشابة التي تحلم باليوم الذي ترى فيه بين يديها، كتابها الورقي الأول؟ أم أنها مجرد عملية تجارية تلجأ إليها دور النشر للاستفادة مادياً، من شباب يتلهف على رؤية إبداعه وأفكاره بين ضفتي كتاب، حتى وإن كان مشتركاً فيه مع آخرين؟
ظاهرة إيجابية
يرى الروائي عصام يوسف، أن ظاهرة الكتب الجماعية ظاهرة إيجابية، واصفاً إياها بالفرصة الجيدة التي تُفسح المجال أمام مشاركة المواهب الشابة في المجتمع الثقافي.
العبء الأكبر
يصف مصطفى الفرماوي، مدير تزويد المكتبات في دار الشروق للطباعة والنشر، ظاهرة الكتب الجماعية بالفكرة الجيدة، التي بدأت تظهر، أخيراً، لدى عدد من دور النشر، مثل "دار إبداع للنشر والتوزيع"، لافتاً إلى أنها ظاهرة لم تأخذ وضعها بعد، في داخل المجتمع الثقافي، فالقراء لم يعتادوا عليها.
ولم ينسجموا معها بعد، إذ لا يزالون ينجذبون أكثر إلى مسألة الكتاب الفردي، تحديداً لكُتاب اطلع القارئ على أعمالهم وأفكارهم، وارتبط بأسلوبهم في الكتابة، كما يشرح أن ظاهرة الكتب الجماعية لم تُطرح حتى الآن، للتقييم.
وحول تقييمه الشخصي لظاهرة الكتب الجماعية، يبين الفرماوي أنه لا يمكن إنكار أهميتها، خاصة أنها تشجع على ظهور المواهب الشابة، لافتاً إلى أن مكتبات الشروق تحرص على عرض إصدارات دور النشر التي قدمت كتباً من هذه النوعية؛ تشجيعاً للمواهب الشابة، وتدعيما لها، ولهذه النوعية الجديدة من الإصدارات.
التجربة الأولى
يسرد الكاتب الشاب، محمد سعد بركات، تجربته مع الكتب الجماعية، إذ صدر له، أخيراً، تجربته الأولى في هذا الصدد، من خلال قصة قصيرة تحمل عنوان "الممر"، تضمنها كتاب جماعي، عنوانه "شيزوفرينيا الحب"، يضم عدداً من المواهب الشابة، وهو صادر عن دار إبداع للنشر والتوزيع.
ويقول في هذا الإطار: "معرفتي بالكتب الجماعية جاءت عبر إحدى الصديقات التي خاضت التجربة من قبل..فقررت خوض التجربة، وبالفعل، أرسلت قصة قصيرة أردت أن أشارك بها في كتاب جماعي، ووافق المعنيون عليها، وظهر الكتاب أخيرا".
ويضيف: "رغم رفضي للفكرة منذ البداية، خاصة أن الكتب الجماعية ليس لها جمهور، فإنني وجدتها تجربة جديرة بالخوض والعناء. وإنني لن أخسر شيئاً إذا مارستها، بل العكس، فربما تكون بمثابة الفرصة النوعية، التي يتمناها كل كاتب شاب يشق طريقه في وسط المجتمع الثقافي، واعتبرتها خطوة تكسر في دواخلي رهبة أن يكون لي كتاب فردي، خاصة أنها تجربة غير مكلفة، فتكاليفها زهيدة، وبمقدور أي من المواهب الشابة التكفل بها".
"تجاري بحت"
يصف البعض هذه الظاهرة، بأنها "أمر تُجاري بحت من قبل دور النشر"، أي أن الهدف من إقدام بعض دور النشر عليها، الاستفادة المادية من المواهب الشابة فقط، كما أنها، في الإطار، لا تهتم بعد ذلك، في توزيع وتسويق الكتاب بالشكل الذي تتمناه المواهب الشابة. وحول هذا الجانب، يقول الروائي الشاب محمد سعد بركات:
"دور النشر بالطبع لا تريد أن تُكبد نفسها خسائر هي في غنى عنها، وتبحث عن المكسب في المقام الأول، لكنها في الوقت عينه، تفتح الباب أمام مواهب شابة حقيقية، وتضعها على أول الطريق، وذلك مقابل مبالغ رمزية، تضمن للدار، حتى وإن لم تحقق مكاسب، يجب ألا تخسر". ويبين هنا، أن الفرق بين الكتاب الجماعي والكتاب الفردي ربما يكون في جودة الطباعة والورق المُستخدم...
وكذلك في تصميم الغلاف، مشدداً على أن اهتمام دور النشر بتسويق هذه الكتب، هو أكبر دليل على أن الموضوع ليس تجارياً بحتاً؛ لأن هذه الدور اسمها دار نشر وتوزيع، وليس دار للطباعة فقط، وإلا كان الأولى بالشباب أن يذهبوا إلى مطبعة ويدفعوا لها تكاليف الطباعة؛ لتنتهي علاقة المطبعة بعد ذلك، بحسب رأيه.
تجربة
يحكي الشاعر الشاب إسلام محمد (أحد المشاركين في كتاب جماعي يحمل اسم "نجوم")، عن هذه المسألة، كاشفاً مدى تقديره لأهميتها. ويقول في الصدد: "إنها تجربة مُهمة، سواء نجحت أو فشلت، فالكتب الجماعية وسيلة للكاتب للتعرف إلى عالم المثقفين والتواصل مع نظرائه من الكتاب الشباب؛ لتوحيد خطاهم نحو تحقيق حلم طرح إبداعاتهم وأسمائهم بقوة على الساحة الثقافية في مصر"..
ولكنه يتهم دور النشر، أيضا، بعدم إعطاء فرصة كافية للكتاب الشباب، والاعتماد فقط على "الأسماء اللامعة" في مجال الأدب والفكر والصحافة؛ لضمان تحقيق ربحية مناسبة، موضحاً أن الدولة مسؤولة بقدر كبير، عن ضرورة توفير غطاء رسمي للمواهب الشابة.
سمات
يشدد كتاب شباب، كثر، على أن هذه النوعية من الكتب، تحوز شعبية من نوع خاص، إذ إنها تمتلك ميزة فريدة، ومن بين ذلك: التنوع، كما أن هناك نقطة بارزة تتمثل في كون تكلفتها منخفضة، ومما يفيد الكتاب الشباب في هذا الصدد، دور النشر، التي تتعامل مع هذه الأصناف من المؤلفات، بشكل خاص، إذ يهمها تسويقه، ولا تركز عليه بصفة وسمة ربحية.
بوابة مثالية لولوج عوالم المجتمع الثقافي وتأسيس علاقات متنوعة
يرى نقاد ومتخصصون عديدون، أن الكتب الجماعية، تمثل بوابة حيوية للشباب، تؤهلهم للقدرة على ولوج عوالم المجتمع الثقافي بقوة وثقة واقتدار، إذ إنها تتيح لهم في هذا السياق، فرصة الممارسة والتجريب. وتزيل الحواجز من أمامهم، فتجعلهم على تماس مباشر مع المع الكتاب، ومع الجمهور. وهكذا يغدو بمقدورهم لقاء أناس من داخل المجتمع الثقافي..
وبذا تتوسع دائرة معارفهم الثقافية، وهو أمر ضروري في هذا المجال، ومن فوائدها أيضاً، إلى جانب ما سبق، أنها تجعل الشباب يتعرفون إلى الأنشطة الثقافية ومن بينها حفلات توقيع الكتب؛ ليكونوا في مواجهة مباشرة مع الجمهور الذي يأتي إلى هذه الحفلات، وليتعرف الأخير إلى هذه المواهب الشابة ويتناقش معهم، فتمنحه المزيد من الجرأة في التعامل مع الجمهور.
وتفيد آراء متنوعة، أغلبيتها من هؤلاء الشباب الذين خاضوا تجربة الكتب الجماعية، أن جدواها الكبرى، تتمثل في كسر الرهبة أمام الشباب، وجعله يتخطى عقبة القدرة على إعلان حضوره ووجوده كونه مبدعاً، ضمن الساحة الثقافية، من خلال كتاب يؤلفه.
ولا يقف الأمر عند تلك الحدود، إذ إنه ومع الفعاليات التي تخوله ظاهرة الكتب الجماعية لحضورها، يبيت باستطاعته، أن يختلط بشرائح كثيرة من المعنيين في هذا الشان الثقافي، فيخلق صلات مع كتاب وناشرين ونقاد وفنانين، وغير ذلك الكثير، وهو ما يتيح له مراوحة علاقات واسعة، تخدمه بشكل خلاق في المستقبل.
ثراء ثقافي وقالب شعبي
يصنف نقاد كثيرون، الكتب الجماعية، بمثابة صيغة ثقافية متنوعة، تضم عدداً كبيراً من الكُتاب الشباب، يقدم كل منهم ما يعبر عن موهبته ما بين، القصة القصيرة، الأشعار، الخواطر، المقالات الساخرة، وغير ذلك، كما أن هذه النوعية من المؤلفات، حسب آراء متخصصة، تمنح القارئ وجبة ثقافية متكاملة في كتاب واحد زهيد السعر.


