شارع "موفتار"، واحد من أقدم شوارع العاصمة الفرنسية، باريس. وها هو يأتلق، أخيراً، باسم المفكر العربي الراحل محمد أركون ( 1928 - 2010 )، بعد أن حملت مكتبة "موفتار" فيه، التابعة لبلدية باريس والواقعة في قلب الحي اللاتيني في الدائرة الخامسة، اسم شخصية من المغرب العربي: المفكر الراحل محمد أركون، وذلك في بادرة هي الأولى من نوعها.

 وتأتي هذه المبادرة، لتعزز القيمة التي يكتسيها ويشتهر بها هذا الشارع، الفواح بألق التاريخ وحكايات الفكر والانفتاح، إذ يعتقد أنه يعود إلى الحضارة الرومانية.. كما أنه معروف بمحاله ومكتباته ومسارحه الصغيرة "المبعثرة"، هنا وهناك..

والتي تعيد إلى الأذهان صور باريس القديمة. ويتميز، كذلك، بمستوياته "المنحدرة"، من الأعلى إلى الأسفل، وكأنه يبدأ من قمة الجبل ليفسح المجال، بكل هدوء، لشارع آخر، وهو في أسفله (الجبل)، يسكن قلب الحي اللاتيني، حيث يلتقي السائح بالفرنسي.. الشاب بالكهل، حول فنجان قهوة باريسية أو كتاب في الأدب أو السياسة، أو حول مائدة فرنسية بأطباقها الخفيفة التي يجيء الكثيرون، من بعيد، لتذوقها. ويتردد عن الشارع كذلك، ان فيكتور هيغو كان يجيئه ليستلهم أفكاره بينما هو يكتب رائعته الأدبية "البؤساء".

شارع "الروابط"

يتركز شارع موفتار في العاصمة الفرنسية، ضمن الدائرة الباريسية الخامسة، المعروفة بمعالمها الثقافية والأدبية العربية، التي تعود إلى بدايات القرن الماضي. إذ أرادت فرنسا حينها، أن تعزز روابطها بالعالمين العربي والإسلامي وبالجالية المنحدرة منهما، الموجودة على أراضيها، من خلال مجوعة مشروعات ثقافية وفكرية، من بين أبرزها: مسجد باريس ومعهد العالم العربي.

ولم يقف الأمر عند هذه الحدود، فكان لافتاً أن تضيف الدائرة، إلى القائمة تلك، ومنذ مدة زمنية قليلة مضت، معلماً آخر يحمل اسم قامة مهمة من ضمن عمالقة الفكر العربي والإسلامي المعاصر: العلامة الجزائري، الراحل محمد أركون.

وهو ما يمثل فعلياً، تكريماً وتخليداً لاسم هذا المفكر الفذ، الذي برز في عطائه وإسهاماته، وبقي يصنف كأحد أعمدة الفكر الإسلامي المعاصر، وكأحد أساتذة تاريخ الحضارات. وذلك خاصة وأنه أثرى بكتاباته وبحوثه، حوار الحضارات. كما أحدث فكره اهتزازات نوعية في الفكر التقليدي، وفي نمطية التأصيل في التراث الإسلامي، والإنساني بشكل عام.

أسماء عربية

تأتي هذه المبادرة، التي اعتبرها البعض "تاريخية"، بفضل جهود وحرص عمدة باريس، اليساري برتران دولانوي، إذ إنه كان وراء اقتراح اسم العلامة محمد أركون، لتحمله مكتبة "موفتار" الشهيرة. وكذا فإنه كان صاحب السبق والمبادرة في أنشطة وبرامج أخرى كثيرة مشابهة، عبر إطلاقه..

في السياق نفسه، أسماء شخصيات عربية، كثيرة، على ساحات ومؤسسات فرنسية، فمنذ ثلاث سنوات خلت، صارت ساحة في الدائرة السادسة تحمل اسم شاعر القضية الفلسطينية، الراحل محمد درويش.

وقبلها بسنوات، كذلك، أطلق اسم الأمير عبدالقادر، بطل الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، على ساحة توجد في قلب باريس ضمن الدائرة الخامسة. وآخر تلك المبادرات، كان، أيضا، يخص ساحة في الدائرة الـ14 صارت تحمل، ومنذ العام2011، اسم محمد البوعزيزي، الشاب التونسي الذي أشعل فتيل الثورة في تونس، التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، بعد أكثر من عشرين عاماً من حكمه.

ويضاف إلى ذلك، جملة ساحات فرنسية، متنوعة ومتفرقة، صارت تحمل، في السنوات الأخيرة، أسماء ملوك ورؤساء عرب، كانت تربطهم علاقات خاصة مع فرنسا، كالملك المغربي الراحل محمد الخامس، الذي تحمل اسمه، ساحة موجودة في الدائرة الخامسة. وهناك ساحة أخرى باسم للرئيس التونسي الأسبق، الراحل محمد بورقيبة.

.. أركون العالمي والإنساني

لم يشأ عمدة باريس، برتران دولانوي، المعروف عنه، كذلك، ولعه بالثقافة العربية وبالشخصيات الإنسانية التي كانت لها رسالة عالمية، أن يمر حفل تدشين المكتبة، الذي كان في الـ 23 من شهر أكتوبر الماضي..

بحضور أسرة محمد أركون وعدد من ممثلي المجتمع المدني والرسمي الفرنسي ونخبة من المثقفين والأدباء الذين عرفوا وعايشوا محمد أركون، من دون أن يسجل كلمات إشادة وشهادة بالراحل أركون، يبين فيها أبعاد ودلائل تسمية المكتبة باسمه، ويستعرض فيها، أيضا قيمته كمفكر عالمي. إذ قال دولانوي:

"تفاجأت بشدة حزني وشعوري بالشوق والوحدة بعد وفاة محمد أركون، إذ التقيت الرجل وقرأت له كثيرا، تحدثت معه مرارا كذلك، عن حوار الحضارات وكيف يمكننا أن نعيش في سلام باختلاف أدياننا وثقافاتنا، حدثني عن إسلام الأنوار وعن تاريخ الأديان السماوية...".

وأضاف: " كنت متأكداً من ضرورة أن نجعل فكر وشخصية محمد أركون حاضرة دوما بيننا، وحتمية أن نوصل كل ذلك الى الأجيال القادمة، وأن ننقش اسمه الى الأبد في صورة باريس وشخصيتها..ومن هنا جاءت فكرة المكتبة، فهي الطريقة الأنسب التي وجدتها بلدية باريس لكي تقول له (شكراً) ولكي تفصح له كذلك بأنها لا تزال بحاجة إليه".

"الصبر مفتاح النجاح"

يثني رئيس الدائرة الـ15 في باريس، جون تيبري، هو الآخر، على سيرة المفكر الراحل وأهمية منجزه وعطائه، مؤكداً دوره الحيوي في عكس وتوصيل الثقافة العربية والإسلامية في صورتها الحقيقية، إلى العالم أجمع. وكذا جدوى ما قدمه وأرساه في جهود ترسيخ نهج ورؤى الحوار بين الحضارات والأديان. ويقول تيبري في الخصوص: "الصبر هو مفتاح النجاح. هكذا كان يقول محمد أركون دائما.

وهو الذي صبر كثيرا حتى رأى مذكراته وبحوثه تأخذ حيزا من الاهتمام والدراسة.. أركون رجل ثقافة وإنسان أنوار، عاشق للسلام. وكان أول المفكرين العرب الذين آمنوا بأن العلمانية هي عامل بديهي للفكر المعاصر، رجل حوار في هذا العالم المعقد والصعب، كان يعرف جيدا ويحب الدائرة الـ15 التي أقام ودرس ضمنها في جامعة السوربون. وسيبقى فيها إلى الأبد، ذاك كون مكتبتها صارت تحمل اسمه".

"الشيء الوحيد "

تحكي ثريا يعقوبي، أرملة المفكر الراحل محمد أركون، ورئيسة المؤسسة التي صارت تحمل اسمه: "مؤسسة محمد أركون للسلام بين الثقافات"، عن انطباعاتها حول أهمية هذه المكتبة الجديدة التي تحمل اسمه: "لا أعتقد أنه هناك مكان كان سيكون أحسن من مكتبة لتحمل اسم محمد أركون، الإنسان العالمي. فكل حياته قضاها مع الكتب، مفتشا ومتعمقا فيها وفي عوالمها

. فهي طالما كانت الشاهد على السنوات الأخيرة من حياته، والتي خصصها لعمله وبحوثه وكتاباته". وتتابع ثريا: " ..فأركون كان يردد دوما مقولة :(المعرفة هي الشيء الوحيد الذي تتلقونه، ولا أحد يمكنه أن ينتزعه منكم). ولأجل ذلك قررت أن أخصص كل وقتي، وحتى أيامي الأخيرة، لجمع وطبع وحفظ وتوريث كل أعمال محمد أركون، غاية تسهيل وصولها إلى الباحثين والأجيال القادمة...".

وأوضحت رئيسة "محمد أركون للسلام بين الثقافات"، أن المؤسسة ستعمل بالتنسيق مع مكتبة محمد أركون الباريسية، على وضع أرشيف متكامل للمفكر الراحل.

44100 كتاب بلغات متنوعة.. و125 دورية

تحوز مكتبة محمد أركون، في باريس، أهمية كبيرة، من حيث طبيعة مضمونها، وقيمتها التاريخية والحيوية. كما أنها تحتوي على: 44100 كتاب، 3600 كتاب من الرسوم المتحركة- 500 منها من نوع "المانغا": (القصص المصورة اليابانية)، 1400 كتاب بلغات أجنبية مختلفة، 1600 كتاب صوتي، 14600 أسطوانة مضغوطة تلاقي رواجاً كبيراً (خاصة من قبل فئة الشباب).

كما تحضر في المكتبة، الجرائد والمجلات والدوريات المختلفة، إذ تعنى بتقديم خدمات إعلامية وثقافية شاملة لروادها، وفق صيغة تنويع وشمولية. وهي تضم بذا: 125 دورية، منها ست يومية.

وتتيح المكتبة للزوار أجواء مثالية ليتمكنوا من الاطلاع على محتوياتها، بانسيابية وسهولة. كذلك لا يغيب عنها، إيجاد وتوفير أوقات دوام مرنة وطويلة تمكن الراغبين في القدوم إليها، من اختيار الوقت الذي يلائمهم، وتعمد في هذا الصدد، إلى فتح أبوابها أمام أفراد الجمهور، على مدار أيام الأسبوع، عدا الأحد والاثنين.

 تكريم يليق بقامة أركون

 يرى مفكرون ومتخصصون كثر، أن هذه المبادرة من قبل بلدية باريس (تسمية المكتبة باسمه)، تكرم أركون، وتعزز مكانته ودوره، كونه لعب دوراً كبيراً في حوار الحضارات، وأحدث نقلة حيوية في أسلوب تقديم وشرح المضمون الحقيقي البناء للفكر الإسلامي والعربي.

كما أنه أحدث اهتزازات في الفكر التقليدي وفي نمطية التأصيل في التراث الإسلامي والإنساني، بشكل عام، وأيضاً، ناضل من أجل ترسيخ المنهجية التاريخية الحديثة في الفكر الإسلامي، وفتح آفاقاً واسعة للفكر العربي الإسلامي.