«الجزائر للكتاب».. صالون أدبي دولي

صورة

لم يقف معرض الجزائر الدولي للكتاب، منذ سنواته الأولى،   عند حدود معينة من التطور والارتقاء، إذ استمر يبني ويضيف على مضامين تجربته في دوراته المتتابعة، إلى أن بلغ مكانة مهمة على الصعيدين العربي والإقليمي. وتعزز قيمة المعرض، النجاحات التي حققها، ومن بينها ما أوضحه  إحصاء متخصص سنة 2010، أفاد أن، "الجزائر للكتاب"  الثالث عالمياً بعد صالوني كالكوتا والقاهرة.

وهكذا وصل إلى ما رسم له وخطط لمساره، عقب أن كانت تلك التجربة قد بدأت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ذلك من خلال تنظيم مجموعة معارض للكتاب، ضمن العاصمة الجزائر. وكان لافتاً، حينذاك، بروز إقبال الجزائريين، بشكل كبير،  على اقتناء الكتب المستوردة من دور النشر العربية والعالمية.

وهذا بتأثير وفعل جملة عوامل أساسية، كان في مقدمها سياسة دعم الكتاب الذي انتهجته الدولة الجزائرية، مركزة على جعل نسبة هذا الدعم في أقصى حدودها، تسهيلاً على القراء والجمهور بصفة عامة، فأثمرت الخطط في الصدد عن الوصول، آنذاك، إلى والذي حدود نسبة دعم حكومي بلغت 80% من سعر الكتاب.

وكانت الفائدة المحققة، جراء هذا التوجه، أن عوَّضت تلك الفعاليات (معارض كتاب جزئية - عززها ورسخها معرض الجزائر الدولي للكتاب بصيغته الحالية-)،  وكذا معها البرامج الثقافية المشابهة،  نقص الإنتاج الوطني في الحقل، المقتصر على مجموعة من الناشرين العموميين. كذلك سدت ثغرة  نقص المكتبات الخاصة ومكتبات القراءة

حكاية ولادة

تولدت، بل رسخت، الحاجة الملحة لإيجاد صيغة متكاملة لـ: معرض الجزائر الدولي للكتاب، كمعرض ضخم متكامل ومستقل، بعد تأكد حقيقة كون تلك المعارض المستحدثة، الجزئية، آنئذ، خلال الفترة المذكورة، كانت مقتصرة على عمليات بيع الكتب، من دون برمجة ثقافية، وهو ما كان يفرز إقصاء الكتّاب عن الحدث.

 ومع ظهور الأزمة الاقتصادية، كرد فعل على انهيار أسواق النفط، خفت بريق هذه التجربة، ومن ثم تلاشت. وبالتوازي، أيضاً، غابت سياسة دعم الكتاب، المنتهجة حكومياً طوال سنوات. وعلى خلاف بعض المبادرات المحدودة والسريعة، لم تستضف الجزائر فعاليات مهمة حول الكتاب. وبقيت الحال على هذا المنوال إلى أن كانت سنة 1995، إذ إنه، وفي ظروف مأساوية:(صراع الدولة مع الإرهاب أو ما يُعرف بالعشرية السوداء 1990 - 2000)، ولد الصالون الدولي للكتاب في الجزائر :( معرض الكتاب)، وبذا كان العام ذاك، تاريخ تنظيم دورته الأولى.

ومع ولادة هذه الفعالية، البناءة والمؤسسة، ضمن ظروف الحرب الدائرة بين السلطة والمتطرفين، كان المعرض قد حقَّق نجاحاً غير متوقع. واعتبر في ذلك الوقت، علامة أمل وعودة إلى الاستقرار. وهذا الامر شجَّع مجتمع الكتاب العالمي وأخصب حقول النشر وتوجهاتها في الجزائر. وهكذا أعلن عن ولادة دور نشر جزائرية جديدة، وانطلقت ملامح الحراك الثقافي والأنشطة المتنوعة التي ترفد مساقات عوالم النشر والكتاب..

فكانت، في مجملها، صيغ تحفيز وتشجيع للكتّاب والناشرين، ولمسالك ورؤى النشر وعوالمه في البلاد.. ومع مرور السنوات، انعكس هذا على قاعدة الاختمار والتهيئة لنشوء المعرض. فبرزت، بداية، عمليات اكتساب الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، أهمية متضاعفة، من خلال مشاركات العارضين وإقبال القراء.

كما تكشف سجلات آراء المشاركين في المعارض في هذا الشأن، وبتطابق تام، أنه كان يزور المعرض، يومياً، حوالي 200 ألف زائر، متجاوزين بذلك التقديرات التقريبية المتوقعة. وهذه النتيجة بعثت وعياً بحجم ودور هذه الفعالية كإحدى أكبر صالونات الكتاب في العالم، من حيث عدد المقبلين عليه.

كما وضع تقييم مؤقت، كانت أجرته اللجنة المنظمة اعتماداً على أرقام سنة 2010 (المصدر: ملف الصحافة للصالون الدولي للكتاب بالجزائر 2011)، الصالون الجزائري في المرتبة الثالثة عالمياً، بعد صالون كالكوتا( 3 ملايين زائر- والقاهرة مليوني زائر)، متفوقاً بذلك على صالون نيودلهي (مليون زائر) وهونغ كونغ( 950 ألف زائر) وفرانكفورت ( 300 ألف زائر).

مرآة ثقافية

تُبيّن مضامين البيانات الخاصة بمعرض الجزائر الدولي للكتاب، أنه، وإذا أدخلنا العامل الديموغرافي في الحسبان، بهذا الخصوص، يبرز أنَّ جزائرياً واحداً من بين كل 37 شخصاً، زار الصالون الدولي للكتاب في عامي : 2010 و 2011. وهذا يعني أنَّ المعرض الدولي للكتاب في الجزائر، أوجد، فعلياً، شغفاً بالقراءة لدى الجزائريين. كما أنه كان بمثابة مصدر لتلبية حاجة كبيرة بقيت تزداد بإلحاح نتيجة نظام التعليم ومتطلباته في ظل وجود ملايين الطلبة والمعلمين.

بات معرض الجزائر الدولي للكتاب، وجهة حضارية فكرية عالمية، بل مقراً احتفالياً ثقافياً يجمع ناشري ومفكري وقراء العالم، في بوتقة تقارب وتمازج حضاري.

كما أنه غدا يمثل صورة شفيفة لماهية الارتقاء الثقافي في البلاد، مدللاً في الوقت نفسه، على كون حقيقة تنوع القراءة في الجزائر تعكس مدى النهضة التعليمية والمعرفية لدى أفراد المجتمع، بمختلف شرائحهم. إذ تبدى إقبال كثيف على اقتناء الكتب باللغات: العربية والفرنسية والإنجليزية، ضمن شتى حقول العلوم والمعارف، وأنساقها: دراسات، روايات، كتب أطفال، معاجم، قواميس، كتب دينية.

تنوع

أصبح الصالون الدولي للكتاب الجزائري (معرض الجزائر الدولي للكتاب)، منذ تأسيسه، وبعد أن نجحت عمليات الانتقال من معارض الكتب التي كان هدفها الأساسي نشر كتب ضرورية بأسعار زهيدة، موئلاً ثقافياً وفكرياً، ليس للجزائر فحسب، وإنما على مستوى المنطقة.

ويبدو لافتاً في طبيعة محتواه وخططه ورؤاه، التزامه بإعطاء بعد ثقافي في طبعاته المختلفة، إذ نتبين أن دور النشر المشاركة، تثري برنامج المعرض بنشاطات متنوعة، مثل: لقاءات مع الكتاب، محاضرات، موائد مستديرة، حوارات. كما يتعاون الجميع، لإطلاق مساقات برامج ثقافية تكفل تشجيع حضور الكتَّاب (المؤلفين) في الأجنحة الخاصة بدور النشر المشاركة.

كذلك، وحسب موضوع كل طبعة، يكون هناك برنامج للتنشيط الثقافي الذي تميزه لقاءات مختلفة مع مؤلفين معروفين، ومع باحثين وكتَّاب، يتقاسمون مع رواد المعرض النقاشات المثيرة للاهتمام.

دعامة حيوية

ينظر باحثون ومفكرون عديدون، إلى معرض الجزائر الدولي للكتاب، حالياً، كدعامة حيوية للحراك الثقافي في البلاد، تؤزر وترفد مساقات نشاط الهيئات الأخرى في المجال، والتي تترابط وتتناسق في إطار برنامج نشاط وطني واسع وقابل للتطور: (معارض وطنية مجاورة، مثل: المهرجان الدولي لأدب الشباب( FELIV ) والمهرجان الدولي للرسوم المتحركة( FIDBA )..

إضافة إلى مبادرات أخرى تتعلق بمعارض محلية أو جهوية.. وأيضاً المعارض المتخصصة). وغدا معرض الكتاب في الجزائر، خاصة في دوراته الأخيرة، عرساً ثقافياً لافتاً، يعزز حضور الدولة ومكانتها الثقافية على الساحة العربية والإقليمية والعالمية، فينعكس في تأثيراته على مختلف مساقات العمل الثقافي في المجتمع، طوال فترات العام.

950 دار نشر من 44 دولة في 2013

 

 يُصنّف متخصصون، معرض الجزائر الدولي للكتاب، حالياً، وبعد 18 دورة على انطلاقته، من بين المعارض الدولية الأهم في عالم الكتاب، ذلك خاصة بفعل إقبال الزوار ومساهمة المحترفين والشعبية الكبيرة التي يحوزها من قبل مثقفي وناشري العالم أجمع. وكان لافتاً أنه استقطبت دورة العام الماضي 2012م، نحو 1.2 مليون زائر، طبقاً لبيانات واحصاءات المنظمين.

إلا أن دورة العام الجاري( 2013)، التي أقيمت في شهر نوفمبر الفائت، كانت الأبرز في سياق النتائج المذهلة المحققة، إذ شاركت في المعرض خلالها: 950 دار نشر تنتمي إلى 44 دولة، وهو رقمٌ لم يسبق تسجيلُه في أيٍّ من الدورات الـ17 السابقة. وكانت الجزائر شاركت بـ266 دار نشر، كما سجلت غالبية الدول العربية حضورها فيها، ذلك إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة..

إضافة إلى الصين التي شاركت في المعرض للمرة الأولى في تاريخه. ويؤشر هذا النجاح، حسب مراقبين، على افق نماء وتطور مستقبليين، كبيرين، للمعرض، خاصة في ظل توسع شهرته، ومشاركة دول وجهات من أنحاء العالم كافة.

 مكانة بارزة واستراتيجية نجاحات مستقبلية

يُعد معرض الجزائر الدولي للكتاب، علامة فارقة في الحقل، إذ إنه يحظى باحترام مؤسسات عريقة ومفكرين بارزين، في دول العالم كافة.

وهكذا له، ويبقى، دور كبير في استقطاب أبرز الكتاب إلى عوالم الثقافة العربية. وبطبيعة الحال، لم يغفل المنظمون في المعرض، تتويجاً وتحفيزاً لهذه المكانة، تكريم المثقفين والدول في دوراته المتعاقبة. ومن بين أبرز الذين كرّموا ضمنه: جان بول سارتر، اندريه مندوز، المناضل اليساري هنري علاق (ذلك اعترافاً بمواقفهم الشجاعة تجاه الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي).

ومؤكد أن معرض الجزائر الدولي:( SILA للكتاب)، مطالب، حالياً، بفعل النجاحات التي حصدها، أن يتابع التطور والنمو ومواكبة العصر. واللافت أن الجهة المنظمة، وكذا مختلف الأطر الثقافية في البلاد، لا تغفل عن هذا الجانب، إذ يولي الجميع، عناية كبيرة لهذا الأمر، فيقدمون رؤى عصرية وحيوية، تكفل بقاء المعرض في مكانة رفيعة، عبر إقرار وتبني مناهج عمل وخطط مستقبلية واعدة، ذات بعد استراتيجي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات