المكتبة الوطنية الجزائرية

تاريخ يوثق قرنين من الزمان

صورة

تعد المكتبة الوطنية الجزائرية، المكتبة العمومية الأكبر في الجزائر، وهي تحفظ بين جدرانها وفي ثنايا مخطوطاتها، نفحات تاريخ يوثق لنحو قرنين من الزمن. وتسكن المكتبة، قلب العاصمة. كما أنها تطل، شمالاً، على واحد من أقدم أحيائها.. وأكثرها شعبية: شارع محمد بلوزداد.

 كما تشرف، شرقاً، على حديقة الحامة، التي تعد واحدة من أجمل الحدائق في العالم. وكذا تربط، غرباً، بين شارع حسيبة بن بوعلي، إحدى بطلات حرب الجزائر، ومرتفعات "العناصر" الجميلة، لتستأنس، جنوباً، من بعيد، بموجات البحر الأبيض المتوسط، الذي يبعث إليها بنسيمه العذب، في عز الصيف بينما ترتفع درجات الحرارة في الجزائر العاصمة.

المكتبة الوطنية الجزائرية، أو كما كانت تسمى في البداية، عند تأسيسها: مكتبة الجزائر (العاصمة)، تعد أقدم مكتبة أسسها المستعمر الفرنسي في الجزائر، وكذا أعرق مؤسسة ثقافية أنشأتها فرنسا في القارة الأفريقية، التي كانت تحتل الكثير من دولها. كما أنها تصنف كونها المكتبة الوطنية العمومية الأقدم، في كامل العالمين: العربي والإسلامي. إنها، كما يصنفها كثر حالياً، مركز إشعاع فكري، يسرد قصص قرنين من الثقافة والفكر في الجزائر.

علامات وتميز

لا شك أن خصوصية المكتبة الوطنية الجزائرية، وظروف نشأتها، أمور جعلتها تتميز عن المكتبات الأخرى، المتبقية، في العالم، ذلك كونها ولدت في خضم الحرب، وجمعت كتبها وسط المعارك والقتال وبين أصوات المدافع والقنابل، لتتصالح بين رفوفها، منذ الأيام الأولى، لنشأتها، كتب المُستعمِر(فرنسا) بثقافته الغربية والأوروبية، والبلد الذي استعمَره (الجزائر) بثقافته العربية والمشرقية.. وبتنوع تراثه، الذي كان مرآة شعوب مرت من شمال أفريقيا.

أرادت فرنسا المكتبة، في البداية، مكاناً متخصصاً، تجمع وتدرس فيه، ما وجدته في أرض الجزائر الخصبة عندما احتلتها عام 1830، من تراث ثقافي وعلمي وفني، مثل، ويمثل، خلاصة حضارات وثقافات وشعوب مختلفة مرت على هذه الأرض ومنها. وكذا ابتغت في هذا الخضم، جمع مفردات المكون الثقافي والمعرفي للمجتمع، من ما جاء به سكان الجزائر، باختلاف أصولهم، من أراض بعيدة.

من الثكنة العسكرية إلى قصر الداي

قبل "رسوها" وتركزها في مقرها الحالي، ضمن الحامة، تنقلت المكتبة الوطنية الجزائرية، على مقرات وأمكنة كثيرة. وكانت قد بدأت عند تأسيسها عام 1835 بقرار من عالم الآثار (وهو فقيه في المصادر المكتوبة)، وزير الاحتلال الفرنسي، حينذاك: أدريان بربروغر، بـ 700 مخطوط، جمعتها فرنسا خلال احتلالها للمناطق الأولى في الجزائر، إذ خزنتها، أولاً، في ثكنة عسكرية في العاصمة، والتي كانت وقتها، مركزاً للعمليات العسكرية الجارية في كامل أنحاء الجزائر ومناطقها.

وبفعل ظروف كثيرة، يتقدمها عامل الرطوبة التي كانت تميز المكان، حيث شرعت تؤثر على محتويات المكتبة وطبيعة مواصفاتها، رُحِّلت الكتب والمخطوطات إلى بيت من بيوت الدولة (فرنسا)، آنذاك، التي كانت مخصصة للتوثيق، لكن ما فتأت أن رُحِّلت، أيضاً، إلى بيت آخر أوسع، ذلك بسبب كبر وتعدد كمية الكتب والمخطوطات التي كانت تصل من مختلف المناطق المحتلة من ربوع القطر الجزائري....

أو التي كانت تهدى من قبل العسكريين الفرنسيين والأسر الفرنسية كذلك. وتتابعت تلك المراحل في حياة المكتبة، إلى أن استقرت، أخيراً، في الفترة تلك، تحديداً عام 1863، في قصر الداي مصطفى باشا، الذي يسمى حالياً: قصر الرياس، والمصنف، حالياً، من أهم المعالم التاريخية للجزائر، يسكن قلب القصبة..

وكان مقر إقامة آخر دايات الجزائر. كما أنه من أجمل المجموعات المعمارية لمدينة الجزائر، خلال الفترة العثمانية ويعود تاريخ إنشائه إلى القرن السادس عشر. وهكذا بقيت المكتبة في القصر إلى غاية سنة 1958، إذ نقلت إلى مبنى في شارع فرانس فانون، تبلغ مساحته 4800م2.

سنة 1986 بدأ مشروع بناء مكتبة وطنية جزائرية جديدة في جزائر الاستقلال لأول مرة وتم تدشينه في 1 نوفمبر 1994 في الموقع الجديد المتواجد بالحامة (الجزائر العاصمة).

حضن التراث الجزائري

تتسم المكتبة الوطنية بقدرة استيعاب واستقبال، نوعية. إذ إنها تستطيع استقبال 2500 زائر، في الوقت نفسه، وهو ما يجعلها تتبوأ مكانة أو تصنيف: أكبر مكتبات العالم العربي.

وتملك المكتبة الوطنية الجزائرية، شهرة وصدى عالميين، نظراً إلى الكتب (من حيث النوع والكم)، التي تحتوي عليها من جهة، وعدد القراء الذين تستقبلهم من جهة أخرى. وتتميز، في الخصوص، بما تشتمل عليه من مؤلفات ودراسات ثقافية وتراثية، نادرة، توثق للتراث والثقافات المحلية بوجهة دقيقة شاملة.

كما أنها تعد من بين أكبر وأحدث المكتبات الوطنية العالمية، سواء أكان ذلك من حيث مضمونها أو من حيث التقنيات الحفاظ على الكتب، المتوافرة فيها. وإضافة إلى هذا، تحرص المكتبة الوطنية على استعمال أحدث طرق للمعالجة والتسيير في علم المكتبات، ومن بينها: تقنيات وتكنولوجيات الحفاظ على الكتب باستخدام عتاد متطور ومناسب، تسيير آلي للكتاب في التقسيم والعمليات الأخرى، الإعارة والبحث من قبل القارئ.

مهام

كان للمكتبة الوطنية الجزائرية، دور ثقافي ومهمة سياسية واستراتيجية، حيوية، خلال الحقبة الاستعمارية، وكذا في جزائر ما بعد الاستقلال. ففي عهد الاستعمار الفرنسي للجزائر، كانت المكتبة الوطنية تعنى في جمع وتخزين الكتب والمخطوطات التي وجدت في البلاد، والمحافظة عليها وفق أعلى المعايير.

أما في مرحلة ما بعد الاستقلال، فأول مهام المكتبة الوطنية الجزائرية وأهمها، تمثل في جمع وحفظ وتبليغ التراث الثقافي الوطني الجزائري، الموجود داخل الوطن وخارجه.. وهذا أياً كانت وسائطه، سواء بشرائه أو عن طريق الإهداء. كما تولت مسؤوليات التزود بكتب ودراسات تكفل الانفتاح على الآخر والتعرف إلى مكنون بانوراما التراث العالمي.

ولا تغيب هنا، إسهاماتها البناءة، في المشاركة في تطوير الشبكة الوطنية للمكتبات والوثائق. إذ إنها، تضطلع في هذا الإطار بمهام متنوعة تتمثل في: أولاً، جمع شامل للوثائق الخاضعة للإيداع القانوني، ثم تعالجها وتحافظ عليها طبقاً للمواصفات وأطر التشريع المرتبط بها.

ثانياً، تقتني وتعالج وتحافظ وتوزع المؤلفات والوثائق المكتوبة والسمعية البصرية، الصادرة عبر التراب الوطني وفي الخارج.

ثالثاً، تجمع مجموعات المخطوطات والقطع النقدية والأوسمة والوثائق النادرة والثمينة، ذات الأهمية الوطنية. وتضبط فهرساً متخصصاً في ذلك.

رابعاً، تكون وتحافظ على مجموعات الوثائق المختلفة والمطبوعات والمخطوطات التي تتعلق بالجزائر، أو التي يؤلفها جزائريون، والمنشورة في الخارج، وكذلك الخرائط والتصاميم الموسيقية والمؤلفات الصوتية والسمعية البصرية.

خامساً، تحافظ على المطبوعات الرسمية الأجنبية، المحصل عليها من خلال تطبيق اتفاقات التبادل الدولي. وتتصرف تصرف المؤتمن عليها.

سادساً، تعد وتنشر المواد الوثائقية الثانوية، التي تتعلق بالتعرف على الوثائق المعنية وتحديد أماكنها (الفهارس المرجعية، قواعد المعطيات، خزائن المعلومات والفهارس الجامعة).

سابعاً، تنجز جردات مستمرة تحصر فيها مفردات التراث الثقافي الوطني المكتوب. وتهتم بحفظه في المكتبات، ضمن البلاد وفي الخارج.

ثامناً، تشارك في تطوير اقتصاد المكتبات وتقنيات الوثائق.

تاسعاً، تشارك في تكوين وتحسين المستوى وتجديد المعلومات، بالنسبة للمكتبيين والتقنيين والمتخصصين في الإعلام العلمي.

عاشراً، تولي اهتماماً بمهام تبادل الوثائق والمعلومات العلمية والتقنية، مع المكتبات والمؤسسات العلمية الوطنية والأجنبية.

غنى

تزخر مصلحة المخطوطات، ضمن المكتبة، بعدد لا يستهان به من المخطوطات والمطبوعات، في شتى العلوم، مكتوبة بلغات متعددة، منها اللغات المعروفة، كالعربية والفارسية والعثمانية والفرنسية، ومنها غير المعروفة ، والتي تنتظر البحث والدراسة التحليلية.

ورصيد مصلحة المخطوطات في المخطوطات، هو 4298 مجلداً، بينها 2351 مجلداً من الكتب النادرة. وأما أقدم كتاب نادر فيها، فهو كتاب متخصص في التاريخ يعود إلى العام 1495م، باللغة اللاتينية، إذ إنه اكتشف، أخيراً، في أرشيف المكتبة.

المخطوط الأقدم

 تحتوي المكتبة، أيضاً، على مصحف يعود إلى القرن الثاني هجري وكتاب في التاريخ، مسطور باللغة اللاتينية، يعود إلى العام 1495م. ويتمثل أقدم مخطوط تضمه المكتبة الوطنية الجزائرية، بجزء من مصحف يعود إلى القرن الثاني الهجري، مكتوب على جلد الغزال.. ومكتوب بالخط الكوفي العراقي، ويتألف من ثماني صفحات، كل صفحة فيه يضاهي ثمنها اليوم الـ 10 آلاف دولار.

برامج تثقيفية ومساقات تعاون وتنسيق دوليين

 تمتلك المكتبة الوطنية الجزائرية، برنامجاً ثقافياً تعريفياً، دقيقاً ومدروساً، استطاعت بفضله، ومن خلال جملة مشروعات وأنشطة تعاون وتنسيق مع مكتبات وطنية ومؤسسات ثقافية متنوعة في العالم، التعريف بما لديها من درر ثقافية..وبذا حصدت تعاون وتواصل دول عديدة..

وكان لافتا تعميق تعاونها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة بجهات ومؤسسات عديدة ضمنها، إذ برز تنويع أشكال التنسيق بين الجهات المعنية في الامارات والمكتبة، وكان بارزاً في السياق، حرص مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، بعد زيارة جمعة الماجد نفسه للمكتبة، على تصوير المخطوطات التي تحتويها.

ولا تغفل المكتبة، الاضطلاع بدور فكري تنويري اجتماعي. إذ توسع حلقة مناشطها الثقافية التوعوية،وتنظم لهذا الغرض، ندوات وفعاليات ثقافية تستضيف فيها بحاثة ومفكرين، مهمين. وتتيح المجال، بهذا، لشتى أفراد الجمهور، ليحصلوا على جرعات تثقيفية وتنويرية بناءة ومتميزة.

خزانة لحفظ المخطوطات و10 ملايين رف

 تضم المكتبة الوطنية 10 ملايين رف، ضمن 14 مستوى موزعة على تسعة طوابق، ولعل أهم طوابقها وأجنحتها، هو الأرضي، الذي توجد فيه مصلحة المخطوطات والكتب النادرة المحفوظة في خزانة، تحوي، أصلاً، جزءاً كبيراً من تراث مكتوب، قاوم عوامل الزمن، ليحفظ جانباً من مكونات الذاكرة الفردية والجماعية للجزائر، وليسهم في صون على الهوية الثقافية للبلاد.

وتعنى المكتبة، على الدوام، بتوظيف أحدث تقنيات العمل المكتبي، لصون ما لديها من مخزون وكنز معرفي وطني، موظفة في هذا الصدد، إمكانات وطاقات كبيرة في سبيل جعل محفوظاتها مصونة وفق أعلى المعايير. كما أن المكتبة لا تبخل أو تدخر جهداً لأجل جعل خدماتها الفكرية والتثقيفية، للباحثين والقراء، على السواء، سهلة وسلسة. ولذا فإنها تطبق برامج إعارة مميزة، وتوفر قاعات بحث ودراسة ومطالعة، مجهزة وفق أحدث الطرز العصرية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات