المتابع لحال كثير من الكتاب العرب هذه الأيام، يجد أن معظمهم، على الأقل، يمتهن مهنة أخرى غير الكتابة، فإما يعمل في الصحافة أو في الإعداد الإذاعي أو التلفزيوني. أو يشتغل في الترجمة أو كتابة المقالات النقدية والسياسية.. وغيرها من الأعمال الإضافية التي تندرج في إطار "الاسترزاق"، ذلك بعيداً عن المنظور القيّمي للإبداع. وهكذا غدا الكتاب، في رأي متخصصين كثر، إبداعاً وقيمة أخذت تربكهما موجات "الاسترزاق".
لعل هذا الأمر يعيد مجدداً، طرح جملة تساؤلات يطلقها متخصصون ومعنيون، كثر، من قبيل: هل الكتابة قيمة إبداعية.. أم مصدر رزق ولقمة عيش وسعي فقط نحو الشهرة؟.. وهل أنه لا تزال المكاسب المعنوية التي يحصلها الكاتب من قيمة الإبداع نفسه، أهم بكثير من أية عوائد مادية ربما يجلبها له هذا الإبداع؟
أم يجدر الاعتناء في مساقات ترجمة قيمة الإبداع المعنوية إلى مادية.. ذلك حتى يتسنى للمبدع العيش في مأمن من قساوة الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تهدد مجتمعه، وحتى يواصل إبداعه بشكلٍ متدفق، دون توقف أو تعثر؟
سبوبة واسترزاق
تقول أستاذ الصحافة والنشر، الكاتبة والروائية، الدكتورة عزة عزت في هذا الخصوص: "إذا ما تتبعنا حال الكثير من الكتّاب، نجد معظمهم، على الأقل، يمتهن مهنة أخرى غير الكتابة. فإما يعمل في الصحافة أو في الإعداد الإذاعي أو التلفزيوني، أو يعمل في الترجمة إن كان يمتلك لغة أخرى أو ما شابه ذلك. وجميع هذه الأعمال الإضافية مُقارنة بالأصل، وهي كون الشخص كاتباً، تندرج في إطار كلمة "السبوبة" التي نعنيها في هذا المقام".
استغلال دور النشر لصغار الكتاب
تتطرق أستاذ الصحافة والنشر، أيضاً، إلى مجموعة قضايا أخرى، تعني الكاتب وفعل الكتابة ضمن إطار الموضوع المطروق: "لعلنا في هذا المقام، نستطيع الربط بين بداية الكاتب وعلاقته بالناشر أو دور النشر.. وما يتكبده من عناء ومشقة في البداية التي يكون فيها أحرص الناس على طباعة أعماله ونشرها، حتى لو كلفه ذلك دفع مبالغ طائلة لتحقيق الهدف، وبين حالة الكاتب بعد حصوله.
ولو على بصيص من النجومية والشهرة بعد نشر أعماله والممارسات المختلفة التي يكتسبها أو يكسبها لنفسه؛ لتعويض ما فاته، أو لتضييق الفوارق المادية بينه وبين من يضعهم هدفاً للوصول إليهم، ممن سبقوه في القيمة والمكانة المادية، فربما يضطره ذلك إلى قبول مجموعة من "السبوبات" الأخرى، المحتمل أن تؤثر على معظم هؤلاء الكتاب، تحديداً في جانب قدرتهم على تطوير إبداعاتهم)".
وتضيف في الخصوص: "صراع الحياة المادي الذي تعيشه مجتمعاتنا حالياً، يفرز تأثيرات جمة. وهكذا فإن الكاتب، الذي هو فرد أصيل ضمن منظومتها، يتأثر بوضعه الاقتصادي، ويطمح الارتقاء به، ذلك في الوقت الذي يتعرض فيه لابتزازات كبيرة من دور النشر والناشرين في بداية حياته الإبداعية، والتي ربما تضطره، في معظم الأحيان، إلى الاقتراض؛ لتوفير النفقات ودفع فاتورة هذه الابتزازات، وإلا يفوته القطار، ويظل قابعاً في نفق (الإبداع بلا شهرة)"،
.. أسير في البدايات
يُشير الناقد عزالدين نجيب، إلى أن أسوأ الظواهر التي تنتاب عالم العلاقة، تحديداً فيما بين الكاتب والناشر، هي نفسها التي تجعل الكاتب أسيراً للناشر في بعض الأمور الجوهرية، إذ تصيب عصب المجتمع الإبداعي والفكرة الفنية ومعالجاتها المختلفة في مقتل، كأن يفرض الناشر على الكاتب تغيير اسم العمل أو العنوان..
ذلك بما يخالف النهج الإبداعي لدى الكاتب، ويخل بعلاقة العنوان من الأصل.. مع مضمون العمل، تحت زعم من الناشر أن ذلك مطلب حتمي وضروري يساعد في الترويج للعمل، ويجذب انتباه القارئ، أكثر من مثيله الذي يؤمن الكاتب أنه يعبر عن أفكاره وما يقصده من العمل".
يتطرق نجيب إلى نقطة جوهرية في الموضوع: "هنا، وعلى ضوء تلك المحددات والعوامل، نجد انه يغدو لزاماً على الكاتب أن يرضخ لمثل هذه التعليمات، وإلا سيفقد فرصة ثمينة بالنسبة له لطبع العمل، وليس ذلك فحسب بل يصل الأمر حدود أن يوجهه الناشر نحو الكتابة في موضوع ما أو في إطار فكرة معينة، بدافع ومبرر، من وجهة نظره، أن السوق في حاجة لذلك. فالربح المادي يحتل المرتبة الأهم من العائد الفني والمعنوي للعمل.
ويحتمل أن ينساق الكاتب لهذه الرغبة، ويمكن أن يكلفه هذا الابتعاد عن سياق عمل إبداعي أكثر قيمة فنية من الفكرة المطروحة، يقوم بكتابته بالفعل، متزامناً مع هذا المطلب.. وهكذا نجد الكاتب، في أحيان كثيرة، أسير حيرته بين ضرورات ومطرقة التقيد بقيمة العمل الإبداعي وقيمته الفنية، من جهة، وسندان التفكير في "سبوبة" يسترزق منها، لتعويض ما أنفقه وما عاناه في السابق، من جهة أخرى.
معنوي أم مادي؟
لا يتردد الأديب والروائي، يوسف القعيد، في التأكيد على أهمية أن يعنى الكاتب بالجانب المعنوي لمنتجه، ولكنه، أيضاً، يسوق أساسيات واقعية مهمة، تبرر سعي الكتاب إلى التركيز على فعل الاسترزاق في الكتابة: "لا بد أن نتفهم كون العوائد المادية للإبداع ليست خطيئة ولا عيباً، وإنما ربما تكون ضرورة حتمية لمواصلة مشوار الحياة الصعب الذي يعيشه معظمنا..
ولا يمكن لأي من البشر أن يعيش من دون المال، فمتطلبات الحياة تجبر الكل على ذلك، وإن لم يحصل المبدع -الذي يقضى كل وقته بين القلم والورق ليسطر إبداعاته وأفكاره- على مال يقتات منه، فكيف يعيش؟.. وحتى إذا أراد المبدع أن يجعل الكتابة مهنته وحرفته، فيتعين عليه الاستغناء عن بعض الكماليات والأمور الضرورية، ويكتفي بقليل القليل من هذه الضروريات..
كما كان يفعل العقاد والحكيم وجمال حمدان، وكنا نسميهم أو نطلق عليهم (رهبان الكتابة)". ويستطرد القعيد: "أعتقد أنه في الزمن الحالي، ربما باتت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، أقوى من تلك المعاني فوق المثالية، ومن الممكن جداً، في إطار مفهوم وعوالم الكتابة، نفسه، أن تكسب التجربة المبدع، المزيد من الاحتكاك العملي مع قوالب فنية أخرى للكتابة، مثل العمل الإذاعي أو التلفزيوني.. وهنا يمكن أن يكون فعل الكتابة فائدة مادية له وإثراء لغويا وقيميا للمنتج التلفزيوني مثلا".
لأسباب منطقية.. وليس لغاية
ومن جهته، لم ينتقد المفكر وأستاذ علم الجمال، الدكتور صلاح قنصوة، حال كون المبدع أو المؤلف، ربما يلجأ أو يعتمد على بعض المجالات الأخرى، والتي تحمل إطاراً فكرياً وأدبياً، كالصحافة أو التدريس مثلاً، أو حتى المحاماة، ذلك كأسلوب متفرد وحتمي للعيش بشكل كريم.
إذ يرى أن هناك من يمتهنون مهناً أخرى لا علاقة لها بالعمل الفكري والإبداعي على الإطلاق، كأن يكونوا موظفين مثلاً أو أصحاب مشروعات صغيرة أخرى، والتاريخ الأدبي حافل بهذه النماذج التي استطاعت الحفاظ على وظائفها؛ لأنهم لا يستطيعون العيش من دونها، معتمدين على الكتابة فقط...
ومن هؤلاء، حسب قوله: طه حسين، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم.. فلا ضير أن يتخذ الكاتب إبداعه، سلاحاً يستطيع من خلاله محاربة ظروف الحياة المتقلبة؛ ليحيا حياة كريمة تدفعه للمزيد من التألق والإنتاج الإبداعي المتميز، من غير أن تطغى الرغبة في الكسب المادي، على الرغبة في تقديم عمل فني إبداعي يخدم المجتمع، ويرتقي بالنفس البشرية.. فهذا أسمى وأبقى.
ويشدد قنصوة، في السياق، على أن الأمر إذن، ليس ضد أو مع من يكتبون من أجل المال فقط، ولكنى ضد فكرة أن يُصبح المال هو محور استهداف الكاتب؛ لتحقيق مكاسب مادية بحتة مرجوة من العمل، تضطره أو تجعله طوعاً منه، تحت وطأة كل الشروط التي يمكن أن يمليها عليه آخرون، داخل هذا الحقل الثقافي..
والذي يظن أنه دونهم لن يتحقق له ما يريد، ولأن هذه القضية غير منطقية أصلاً في عالمنا العربي، فإن الكتابة المجردة لا تحقق في الغالب مالاً وفيراً لاعتبارات عدة تتعلق بالقيم الاقتصادية ومعايير الرغبة في المعرفة والقراءة، ووضعية شراء الكتب من بين اهتمامات المجتمع، وغيرها من العوامل المؤثرة في هذا الصدد.
حق وموهبة
يرى محللون ونقاد متخصصون، أننا في دراسة مكنون تلك الظاهرة وأبعادها، نتبين أنه لن يسعى أحد لا يمتلك القدرة والموهبة على التأمل والإبداع، إلى الكتابة، فقط غاية جني أموال طائلة جراء ما يكتبه، لكن "التسبب أو الاسترزاق" من الكتابة يكون، حصراً، مقصوراً على من يمتلكون بالفعل، هاجس الكتابة، ولا يسعدهم أو يمتعهم، سوى ممارستها، وهم في نهاية المطاف، القادرون عليها والموهوبون فيها، وتضطرهم ظروف الحياة الصعبة أن يجعلوا من هذه الموهبة "سبوبة" و"استرزاق".
ويخلص المعنيون، في السياق، إلى أنه من حق الموهوب في الكتابة، الاسترزاق من موهبته.. إذا أراد أو استطاع، من دون خجل، ولكن بعيداً عن أن يغلب الطابع المادي على اهتماماته الأدبية والإبداعية، أو أن يكون أسيراً لسلطة بعينها.
نوافذ حيوية وفوائد ومشاركات متنوعة
يفسر نقاد ومحللون، جوانب معنوية ذات بعد اقتصادي في امتهان فعل الكتابة، تتمثل في حال تبيننا، حالياً، وجود الكثير من المُبدعين والروائيين، يكتبون المقالات النقدية والتأملية لأعمال قصصية أو أدبية، أو المقالات السياسية وغيرها.. وهذه الصحف التي يكتبون ضمنها، تمدهم بجانب الامتيازات المادية..
وكذا الحضور والشهرة في عوالم طبقة أخرى من القراء من عامة الناس.. إذ لم يتسن لهم معرفتها من قبل، إلا من خلال تلك المشاركات الصحافية، خاصة إذا لم يكن هؤلاء من أصحاب الأعمال الأدبية التي تحولت إلى دراما تلفزيونية أو إذاعية أو مسرحية، فهم يحتاجون، قطعاً، إلى المزيد من الظهور. وهو ما يشكل لهم، منابر ومنافذ حيوية، لتحقيق جوانب استفادة متنوعة.
متخصصون ودارسون: قيمة المنتج ونوعيته يبقيان شرطاً
يحلل متخصصون ودارسون، جملة أبعاد ترتبط بتلك الظاهرة الإبداعية. وتركز دراسات معنية، على تفسيرات المقصود من كلمة "سبوبة أو استرزاق" في فعل الكتابة وعوالمها، إذ إنه كل عمل للمبدع أو الكاتب أو الروائي، يكون إضافياً، يأتي إلى جانب كونه كاتباً في المقام الأول، ذلك أياً كانت الأسباب.
. وأياً كانت الدوافع. أو أن يكون استخدامه للكتابة كـ"سبوبة" وكمهنة في حد ذاتها، بعيداً عن المنظور القيمي للإبداع. ويشدد مثقفون، كثر، في هذا الصدد، على أنه ما يعنينا في هذا المقام، ضرورة عدم استنكار هذه الممارسات من قبل الكاتب، بقدر وجوب أن نعتني ببحث تأثيرات هذه الممارسات على إبداعات الكاتب، وحفاظه على موهبته وتنميتها، على أن يحتل ذلك قمة الهرم لاهتماماته.


