بدأت فكرة إنشاء "دار الربيع العربي"، في مصر قبل ثورة يناير، إذ شرع مؤسسها، الكاتب الشاب أحمد سعيد، في تنفيذها. لكن اشتعال الأحداث وتبعات الثورة واستمرارها، عوامل أسهمت في تعثر أو تأجيل هذا المشروع الثقافي، الذي كان يحمل اسم "العربي"، خاصةً وأن صاحب الفكرة بات منشغلًا عنها، في تلك الفترات، بمستقبل الثورة ومستقبل الوطن. إلا أنه لم يطل الغياب، فعاد إلى مشروعه الثقافي من جديد، بعد أحداث محمد محمود الدامية التي وقعت في القاهرة، مدفوعا بشعوره بإحباط ثوري في ظل انصراف الثوار عن الميدان.
وهكذا، قرر تنفيذ مشروعه الثقافي ليشهد الوسط الثقافي مولد دار جديدة للنشر، استمدت اسمها من ثورات الربيع العربي، وتنطلق في رؤاها وأعمالها، من الايمان في أن الشباب هم جوهر هذا الربيع ومحركة. وغدت في نهاية المطاف، كما يصنفها نقاد كثر، بمثابة " ثورة شبابية في عالم الكُتب".
لم تكتف "دار الربيع العربي" بدورها في تقديم كتب فكرية وأدبية تحمل قيمة وفكرا ناصعا وطرحا جديدا يستفيد منه القارئ ويتمتع بقراءته، بل أرادت لنفسها دورا أكبر من ذلك، يُشجع المواطن المصري والعربي الذي يعشق القراءة، على شراء النسخ الأصلية من الكتب، بدلا من شراء كتب مزورة. وعلى هذا الأساس، أنشأت الدار مكتبة الربيع العربي، حتى تستطيع أن تتحكم في تخفيض أسعار الكتب الصادرة عنها، بل تتنازل حتى، عن جزء من هامش ربحها، وتخفيض ثمن كتب دور النشر الأخرى التي تعرضها المكتبة.
فكر وتوجه
أصدرت دار الربيع العربي، منذ نشأتها قبل عام ونصف العام تقريبا، حوالي 12 كتابا من بينها "آيات علمانية" للدكتور عماد ذكري، و"ملك وامرأة وإله" للدكتورة نوال السعداوي..
و"بريود" لمحمد متولي. ورغم قدرة الدار على إنتاج عدد أكبر من ذلك، إلا أن حرصها على انتقاء الكتب التي ستقدمها للمكتبة العربية، جعلها تسير بخطوات بطيئة، ولكنها، في الوقت نفسه، ثابتة وواثقة، تكفل دفع الدار إلى الأمام، وترسخ فكرها وتوجهها في الوسط الثقافي، تحقيقا لهدفها ورؤاها في تنوير القارئ أكثر من تسليته.
ولا تغفل " الربيع العربي"، الاعتناء بجعل منشوراتها، بمثابة فضاءات فكرية مؤثرة، تعزز الوعي الثقافي والاجتماعي لدى افراد الجمهور، وتنتج، على الدوام، أطر إدراك مجتمعي متطور، يحمي مفردات التغيير والتحسين. واللافت في هذا الصدد، ذاك النجاح الذي افلحت في تحقيقه، خلال فترة بسيطة، إذ غدت عنونا براقا للتجديد والتحسين في عوالم النشر.
حكاية التأسيس
يقول صاحب ومؤسس دار ومكتبة الربيع العربي، أحمد سعيد، انه قبل إنشاء الدار، كان قد أسس "جبهة" التصحيح اللغوي؛ لتقويم وتصويب صورة اللغويين. وكذا غاية إظهار اللغة العربية على أنها لغة عصرية ولغة للحياة، أكثر منها، فقط لغة للتراث. ويشير سعيد إلى أنه، أيضا، نظم صالونا ثقافيا "وسط البلد" عام 2009، اهتم من خلاله بمن هم من مواليد التسعينات وأواخر الثمانينات من القرن الماضي، لاقتناعه في أن هذا الجيل يمتلك رؤى إبداع فكري متمايز، وكذا أسلوبا مختلفا، عن الأجيال الأخرى.
ويضيف : "قررت العودة إلى نشاطي الثقافي، وأن لا يكون دوري مقتصرا على النشاط الثوري في الميدان فقط. وأحاول حاليا، تطبيق المبادئ التي نادينا بها في الثورة، عملياً. وذلك عبر توجهات وممارسات ثقافية محددة في عوالم النشر، تعنى بالشباب وتحصن رؤى التغيير والتصحيح. فالربيع العربي هو الشباب ولم يكن يوما، تحركات سياسية".
علامة فارقة
يشرح صاحب ومؤسس "الربيع العربي"، أهداف ورؤى الدار: "نريد أن نخوض في عقل المواطن، وندفعه إلى التفكير وإعمال العقل؛ ليغير طريقة حياته إلى الأفضل".
ويلفت في هذا الصدد، إلى أن إصدارات الدار القصصية، للمتتالية، المتمثلة في:"الشوارع الجانبية للميدان" للصحافي طارق مصطفى، كانت بمثابة نقطة تحول، رفدت وقوت أجندة برامجنا ورؤانا، إذ أفرد لها الكاتب جمال الغيطاني مساحة للحديث عنها في جريدة (الأخبار) المصرية.
وكانت مقالة رائعة وصف فيها المجموعة القصصية بأنها علامة فاصلة في تاريخ القصص العربي، وهذه المقالة كانت علامة فاصلة وفارقة، توجت تميز الدار".
ويتابع: " توقفنا بعد إصدارنا تلك المجموعة، طوال عدة أشهر، ذلك كي نتوصل إلى عمل ذي قيمة، يمكننا نشره، بحيث يكون في السوية نفسها لتلك المجموعة. لكن الأعمال التي كانت تُعرض علينا، رغم كثرتها، لم تكن مشجعة..وفي النهاية، أصدرنا كتابين فكريين مهمين، ينسجمان مع ما كنا مصرين عليه، لتقديم مستوى مختلف وراقٍ، من الفكر والأدب والإبداع".
مبادئ راسخة
يُشير سعيد، إلى اهتمام الدار بالإنتاج الأدبي والفكري للشباب، مؤكدا أنها تعنى بنشر الأعمال الجيدة، ذلك حتى وإن كانت تختلف مع صاحب العمل( الكاتب) حول مسميات أو فكر محددة. ويدلل على مقصده في هذا الخصوص، بالتطرق إلى ما واجههم وحدث معهم أثناء الاعداد لنشر "شفرة فرويد" للكاتب رامي جان.
إذ ورد في مسودة العمل، وصف له يسمى 30 يونيو أنه انقلاب. وذلك علاوة على كون الكاتب ذاته، يقود حركة "مسيحيين ضد الانقلاب". إلا أن جميع الاختلافات في وجهات النظر والرؤى، ضمن إطار مرسوم ومنهج محدد ومقبول، كما يؤكد صاحب الدار، لا يمكن أن تجعله الدار سببا في رفضها أيا من الأعمال في حال كان يتسم بالجودة والقيمة الرفيعة.
عقد ثقة
لا تتميز دار الربيع العربي كدار للنشر والتوزيع، عن غيرها من دور النشر، كما يقول سعيد، سوى بأن لها توجها، ومبدأ ثابتا تعمل على تحقيقه، وبذا دائما يحركها السعي إلى تقديم الأعمال الفكرية في أفضل صورة، من حيث الطباعة والورق والغلاف.
وكذلك التسويق والتوزيع، لكن دار الربيع تهتم بالكيف على حساب الكم، سعيا منها إلى بناء ثقة حيوية مع القارئ. ويضيف سعيد: "أنا دائما غير راضٍ وأسعى الى الأفضل، لكننا لمسنا، على مدار سنة ونصف السنة، أن الجمهور أدرك توجه الدار..
وبات يواكبها وينتظر جديدها ويعطيها دافعا مهما. كما استطاعت الدار، بدورها، أن توسع شبكة حضورها وتاثيرها عبر فروعها في ست محافظات، إلى جانب حضورها الخارجي في الدول العربية. ونعتزم، خلال أيام، أن نطبق مشروع خطة عمل دقيقة، تكفل أن تكون إصدارات دار الربيع العربي، في بيروت، موجودة بشكلٍ دائم، إذ تتعاون الدار في هذا الخصوص، مع دار التنوير في العاصمة اللبنانية. ولدينا أيضا خطط توسع وحضور في : تونس والمغرب .
نصيرة القارئ
يستعرض سعيد ماهية الغاية التي تسعى إليها الدار، من إنشائها مكتبة تتبع إليها : "الهدف من هذا التوجه، تقديم حلول عملية لتخفيض أسعار الكتب ومواجهة التزوير واختلاط الجيد بالرديء من إنتاج دور النشر.
ودار الربيع، بالتواصل مع الشباب والاستماع إلى شكاواهم بارتفاع أسعار الكتب، لمست مدى الحاجة إلى تغيير هذا الواقع، وبذا أرادت أن تكون سباقة ورائدة في إنشاء مكتبة تخفض من هامش ربحها، لصالح القارئ العربي، خاصةً أن المكتبات هي المسؤولة عن ارتفاع الأسعار وليس دار النشر كما يزعم البعض، لذلك تعمل المكتبة على تخفيض ما نسبته 25% من قيمة إصداراتها. وتخفيض نسبة 15% على إصدار دور النشر الأخرى".
موئل الشباب وحضن دافئ للأدب الرفيع
يصف الكاتب الشاب محمد متولي -صاحب المجموعة القصصية التي وصفها كثيرون بالجريئة: "بريود"، الصادرة عن دار الربيع العربي، يصف تجربته في التعاون مع الدار بالإيجابية جدا، وذلك لعدة أسباب. كما يوضح أن الدار مختلفة وتقدم أدبا متمايزا، مشددا على أنها تعنى في تقديم كل ما هو جديد ومميز ومفيد للقارئ.
ويؤكد متولي، أيضا، أن " دار الربيع" ليست كغيرها من دور النشر التي تهتم بنشر أعمال لكُتاب معروفين فقط. وكذا فإنها تركز على اختيار الأعمال الأدبية والفكرية بعناية فائقة، والأكثر من ذلك أن القائمين عليها، يعطون صاحب كل كتاب يرغب في نشر كتابه، تقريرا مفصلا عن رؤيتهم حوله، ذلك سواء سينشر الكتاب أم لا، وذاك دليل على أن الدار تدرس الأعمال المُقدمة إليها بشكلٍ جيد، وتعي بعمق، ما تقوم به.
ويضيف الكاتب الشاب: " تهتم الدار بنشر كل ما سيُحدث فرقا لدى القراء، من دون الالتفات إلى ما إذا كان موضوع الكتاب من التابوهات أم لا. وانا شخصيا، كنت قد عرضت مجموعتي القصصية (بريود) على أكثر من دار نشر كبيرة، ولكن جميعها رفض، بحجة أن العنوان صادم؛ إضافةً إلى كوني كاتبا شابا في بداية الطريق. لكن دار الربيع العربي احتضنتني وكانت اكبر المحفزين.
والمميز في تجربة التعاون معها، أنها تجعل الكاتب شريكا أساسيا في كل المراحل التي يمر بها الكتاب، كاختيار الغلاف، والخط، ونوع الورق". ويتابع: " إن كل ما يطلبه الكاتب ويتراءى للدار أهميته.. وأنه في صالح الكتاب، تنفذه.
وذلك في حين أن هناك دور نشر أخرى، تُحرِّم على الكاتب التدخل في أي شيء يتعلق بالكتاب، بعد أن تستلمه من الكاتب". ويختم متولي، لافتا إلى أن الدار اقترحت عليه، إضافة بعض الصور والرسومات داخل الكتاب، وكانت تلك فكرة جيدة، لاقت صدى مهما لدى القراء. وبذا نتبين، كما يقول، إن "دار الربيع العربي"، تهتم في أن تقدم عملا يرضي الكاتب ويثري الحياة الثقافية، ويُفيد القارئ.


