تعد مكتبة باينكي للكتب والمخطوطات النادرة واحدة من أهم أقسام مكتبة جامعة «ييل» الأميركية الشهيرة. وتصنف بمثابة مركز للبحوث، يستخدمه الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وغيرهم من العلماء، سواء كانوا تابعين لجامعة ييل أو من خارجها. كما أن موادها ممنوعة من التعميم. ولكن يمكن استخدامها في غرفة القراءة الخاصة الموجودة ضمن المكتبة، وذلك بعد تسجيل الراغبين أسماءهم ضمن قائمة مجموعة الباحثين في باينكي.

تضم المكتبة أكثر من 800,000 كتاب ووثيقة نادرة، وأكثر من 5000 مخطوطة عربية وإسلامية. إذ كان التركيز التاريخي للمكتبة، منذ البدايات، ينصب فقط، على المواد العربية. ولكنها في الوقت الحالي، تعمل على توسيع ممتلكاتها. وهكذا بدأت جمع مواد بالفارسية والتركية..

 وسوى ذلك من اللغات. وتشتمل المكتبة ضمن مجموعات باينكي الغنية، أيضاً، على الكتاب المقدس بنسخة «غوتبورغ». وهو أول كتاب غربي طبع على هيئة الكتب المنقولة. كذلك تحوي مخطوطة «فوينيتش»، وهي كتاب رسومات غامض، يُعتقد أنه كتب في نحو الفترة الواقعة بين عامي 1404 - 1438م، من قبل مؤلف مجهول. إذ خُط بأبجدية غير معروفة ولغة غير مفهومة. وفي العموم، تُبرع به إلى جامعة ييل، في العام 1969م.

تخزين تحت الأرض

خصص واحد من بين أكبر المباني في العالم، لاحتواء كنوز مكتبة باينكي، التي تعود محتوياتها إلى مئات السنين التي خلت. كما لديها غرفة في البرج المركزي تتسع لحفظ 180 ألف مجلد وكتاب..

إضافة إلى وحدات تخزين موجودة تحت الأرض، فيها 600 ألف مجلد. وأيضاً، الملايين من المخطوطات ووحدات التخزين التي تجري مراقبتها بنظام متطور يتحكم في درجة الحرارة والرطوبة، لضمان بقاء المواد المخزنة محمية وسليمة، بحيث تصل إلى الأجيال القادمة في أفضل حال.

تصميم المبنى

بدأ العمل في مبنى مكتبة باينكي عام 1960. واكتملت عملية إنجازه سنة 1963، على يد المهندس المعماري البريطاني جوردون بونشافت. واللافت أن المبنى يتمتع بطراز هندسي حديث، اعتُمد في بنائه على استخدام مواد محددة: الرخام والغرانيت والفيرمونت والبرونز.. والزجاج.

كما عمد مصممو المبنى، إلى وضع الألواح الرخامية في تصميم المكتبة، بعد دراسات عدة، تأكدوا من خلالها، أن الرخام لديه القدرة على تصفية ضوء الشمس الوارد إلى أجنحة المكتبة، بحيث يمكن عرض موادها النادرة، بأريحية وثقة، وذلك بلا خوف من أن يلحق بها الضرر. وبينٌ أن الهندسة الحجرية القوية للمبنى، تخدم هيمنته على المساحة الواسعة التي تحتلها في حرم جامعة ييل.

تنوع ومجالات

شهدت المكتبة، عقب فترة العقود التأسيسية (الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الـ20)، مرحلة ارتقاء وتطور مهمة، اختمرت وصُقلت ملامحها، بدءاً من العام 1982 مع تعيين رالف جورج فرانكلين مديراً لها. إذ أخذت مكتبة باينكي بالتوسع السريع على العديد من الجبهات (عمليات الاستحواذ، الموظفين، التكنولوجيا، الملفات العامة). وأنشئت أقسام متخصصة في الخدمات التقنية وإدارات الخدمات العامة.

ومن كان العام 1984، موعداً لارتقاء نوعي آخر، إذ جرى تشكيل وحدة الخدمات الإدارية ضمنها. كما بدأت المكتبة، آنذاك، تبني وتطبيق مشروعات معالجة المخطوطات المتراكمة لديها، التي لم تصنف. ومن ثم أنشئت فيها، سنة 1986، وحدة المخطوطات.

الصور النادرة

اتسمت فترة أواخر التسعينات، بالنسبة للمكتبة، بكونها ذات صبغة نوعية في ما يخص أعمالها ونشاطاتها. إذ أضافت مكتبة باينكي، مسارات جديدة لسياستها التوسعية. وبدأت جمع الصور النادرة لدعم نقاط قوتها التقليدية، المتمثلة في الكتب والمخطوطات النادرة.

التحول التكنولوجي

لم تقصر المكتبة جهودها في التطوير والتحسين على نوعية المضامين المعرفية والوثائقية فيها. وهكذا أولت عناية كبيرة للملمح الهندسي والتفصيل الجمالي في مبناها. وبذا ركزت بين عامي 1999-2001، على تنفيذ مشروع لتجديد مبنى المكتبة. وكان الهدف الرئيسي من هذا التوجه، إيجاد طرق جديدة لتخزين الكتب. ومن ثم توفير مساحة جيدة للفصول الدراسية والموظفين..

حيث أضيفت الرفوف المدمجة التي زادت بشكل كبير القدرات الاستيعابية للمكتبة. والأهم من ذلك، كان استحداث وحدات تخزين تحت الأرض، تقع إلى الغرب من المبنى. فتلك وفرت، بدورها، رفوفاً إضافية.. ومكاناً جديداً لعمل أمناء الأرشيف في المكتبة.

وانطلاقا من العام 2010، حتى الوقت الحالي، دخلت مكتبة باينكي مرحلة جديدة، فبدأت تواجه تحديات التغير التكنولوجي، وتتصدى لضرورات ومتطلبات الحاجة إلى التحول من النظام الورقي إلى الحفظ الرقمي للمواد.

مكتبة جامعة «ييل»

بدأت مكتبة باينكي، في الأعوام الأخيرة، تحوز أهمية ومكانة فريدتين، لدى الباحثين والقراء. وذلك بفضل ما تشتمل عليه من درر فكرية تاريخية. وبدت في منحى توجهاتها تبني وتجود في صميم بنية سياسة مكتبة ييل الأميركية المرموقة التي تصنف واحدة من أكبر مكتبات البحث في الولايات المتحدة، وكونها ثاني أكبر مكتبة جامعية في العالم. وتتمتع «باينكي»، بين مجموع أقسام مكتبة ييل، بشعبية كبيرة، مستفيدة من موقع مكتبة الجامعة نفسها، في وسط «ييل» التي تتوزع مقتنياتها (البالغة أكثر من 12 مليون مجلد)، بين عشرين بناء، من أهمها:

مكتبة «ستيرلينغ» التذكارية المتضمنة، وحدها، خمسة ملايين مجلد من الكتب. وهناك أيضاً: مكتبة «باينكي» للمخطوطات والكتب النادرة. كما تحتوي مكتبة ييل، بالإضافة إلى المجلدات، على العديد من البرديات القديمة والخرائط والصور، وفيها أيضاً، مجموعات مميزة من الأعمال الفنية والنوتات الموسيقية الأصلية التي تعود إلى عصور قديمة. كما يضم مركز ييل للفن البريطاني الذي يحتوي أكبر تشكيلة لمخطوطات الفن البريطاني، موجودة خارج بريطانيا.

والبارز في الصدد، أن المكتبة تواكب الأساليب التكنولوجية، إذ إنها تتضمن قواعد إلكترونية حيوية في الخصوص. وتمتلك عدداً كبيراً من المجموعات الرقمية وأشرطة الفيديو الوثائقية.

إلى جانب كونها تتميز بنظام فريد ومثير للإعجاب. وكذا تتنوع محتوياتها، بين الموضوعات العامة والمتخصصة، مثل التسجيلات والخرائط والمجموعات الأثرية.

وتحتفظ بأكثر من 200 ألف مجلد عن التراث العربي والإسلامي، معظمها باللغة العربية، وكذلك 500 ألف مجلد باللغات الأوروبية متعلقة بالتراث العربي والإسلامي. وتحتوي أيضاً على 7000 ميكرو- فيلم وعلى 3500 مخطوطة.

فهارس إلكترونية

حرصت مكتبة ييل، في إطار مشروعات التطوير والتحسين.. وكذا مكتبة باينكي ضمنها، على تيسير حصول الباحثين، في مختلف أنحاء العالم، على معلومات عن محتوياتها. فعملت على توفير فهارس عبر شبكة الإنترنت، تمكنهم من معرفة الكنوز الموجودة بين جدران مكتباتها المتعددة. فهنالك الفهرس الآلي الأولي للمكتبة (أوربيس) الذي يحتوي على أسماء سجلات الكتب والدوريات..

إضافة إلى مواد أخرى. كذلك: الفهرس (موريس) الخاص بمكتبة جامعة ييل للحقوق. ولم تقف المكتبة عند هذا الحد، بل وفرت أنواعاً خاصة من الكشافات في فهارسها الإلكترونية، لأولئك الذين يبحثون عن أسماء بعض المراجع التي تستخدم الأحرف اللاتينية أو أحرف من اللغة الأصلية، كالعربية مثلاً.

خدمات خاصة

تستقبل، مكتبة باينكي، مواكبة منها لتوجهات مكتبة ييل، حاملي المنح الدراسية والباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه. إذ تستضيفهم جامعة ييل. وتفتح لهم أبواب فروعها كافة. وفي السياق، تسخر المكتبة جهود موظفيها، لتقديم يد العون للباحثين. وإمدادهم بأية مساعدة يحتاجون إليها في عمليات إنجازهم. وذلك إلى جانب تنظيمها (مكتبة الجامع)، دورات خاصة، تعرف الزوار من خلالها إلى محتوياتها وطرق البحث ضمن موجوداتها.

المرحلة الرقمية

 بدأ العصر الرقمي في المكتبة، منتصف الثمانينات من القرن الماضي، مع ظهور سجلات الفهرسة التي تُقرأ آلياً. كما أحدثت أجهزة الكمبيوتر، ضمنها، ثورة في جميع جوانب الأنشطة والفعاليات. وفي تلك الفترة أيضاً، أطلق برنامج زمالة زائر، ما جعل موارد المكتبة، متاحة أمام الباحثين من كل أنحاء العالم، أكثر من أي وقت مضى.

كتعنى المكتبة، في الوقت الحالي، بإتاحة أحدث أليات البحث والقراءة، الرقمنة، لزوراها، عبر المنافذ والبوابات الالكترونية المتخصصة، والتي توفر قدرة الحصول على المادة المعرفية المرقمنة بأيسر الطرق وأسرعها وأكثرها كفاءة. ويبدو أن المكتبة، قطعت أشواطا مهمة في المجال، متفوقة على الكثير من نظيراتها، وهو ما اكسبها حضورا لافتا مؤثرا بين مثيلاتها.

مشروع متكامل وفر مجموعات نادرة وأوراق بردي ثمينة

برزت، في أواخر العام 1950، حاجة مكتبة جامعة «ييل» إلى تأسيس مكتبة فرعية خاصة، تُجمع فيها الكتب النادرة والمخطوطات التي يتبرع بها للجامعة. وفي الأعوام ما بين 1960 إلى 1970، شرعت المكتبة، تحت إدارة هيرمان دبليو ليبرت، في تكوين مشروعها التاريخي الاستثنائي. إذ استطاعت الحصول على مجموعات مهمة، ومخطوطات نوعية.

وتمكنت بعد مضي ستة أشهر على تأسيسها، من الاحتواء على عدد كبير من أوراق البردي. كما دخلت اثنتين من أفضل المخطوطات المهمة، التي تمتلكها باينكي، ضمن مجموعاتها الفريدة في تلك الفترة. وهما: خريطة «فينلاند»، مخطوطة «فوينيتش». كذلك، تلقت المكتبة في العام 1966، خمسة عشر صندوقاً من أوراق الشاعر الأميركي البارز إزرا لوميس باوند. ومن ثم أولت إلى الخبير دونالد غالوب، مهام ومسؤوليات تصنيفها وتحليلها. وفي خلال الأعوام العشرة التالية، تمكنت المكتبة من ترسيخ اسمها فعلاً بين المكتبات في العالم. كما واصلت عمليات الاستحواذ البارزة وسعت لضم مطبوعات تعود للقرن السادس عشر.