لم تعدم الحضارة الفرعونية في مصر، وسائل التوثيق الذي لا يموت، الجامع والحافظ لصنوف الإبداع والتميز الحضاري في شتى صنوف العلوم والمجالات الحياتية، حتى في صيغ تنوع وشمولية مساقات كتابة المصري القديم، ليوميات المجتمع والأحداث والقضايا فيه. وهكذا درج الفراعنة على تدوين وتسجيل حياتهم اليومية والسياسية والاجتماعية، والمراحل المتطورة التي مرت بها أرض النيل، على جدران المعابد، وعلى أوراق البردي؛ لتبقى نوراً يهتدي به أحفاد المصريين، والعالم أجمع.
كشفت سجلات وتدوينات الفراعنة على الجدران، عن أهم ملامح حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، فضلاً عن إظهار معتقداتهم الروحية، ونظرتهم نحو الكون، وبينت أن المصري القديم كان صاحب نظرية حضارية وفلسفية، استمدت روحها من الكون الواسع والبيئة الخصبة..
وبما أمد نهر النيل البلاد به، من حياة زراعية وصناعية، إذ استطاعوا من خلالها بناء حضارتهم وتشييد قصورهم ومعابدهم، والتفكير في ما وراء الحياة الدنيوية.. إلى أن وصولوا مسارات البحث اللاهوتي المعمق.. وتملكوا الإيمان بمعتقد «البعث والخلود».
قدرات
حسب علماء الحضارة والآثار، فإنه لولا تدوين المصريين القدماء، وتسجيل سيرهم وقصصهم الحياتية، ما استطاع الباحثون الكشف عن سر بناء الإهرامات، وفك شيفرات ملامح الحضارة الفرعونية القديمة..
فربما كان التدوين والتسجيل، جزءاً أصيلاً من الحضارة الفرعونية، إذ تدل تدويناتهم على قدرتهم على الكتابة وصناعة الألوان والأحبار، ويتضح كذلك، تمتعهم بالشفافية المطلقة في سرد أسرار حياتهم اليومية والسياسية، أو ربما، لإيمانهم التام بأهمية الدور الذي لعبوه في صناعة أكبر حضارة بشرية.
مضامين متنوعة
يؤكد أستاذ الآثار جامعة القاهرة د.عبدالحليم نورالدين، أن المصري القديم، اهتم بتسجيل وتدوين تفاصيل حياته اليومية، على الجدران والمعابد واللوحات وورق البردي، مشيراً، أيضاً، إلى أنه اعتمد على طرق ثابتة في تسجيل وتدوين حضارته، إذ اعتنى في تدوين نصوصه القصيرة على «كسرات الفخار». أما الطويلة فدونها على الحجر وورق البردي.
ويلفت نور الدين إلى أن ورق البردي كشف عن معاملات المصريين الحياتية قديماً، إذ دونت عليه وثائق شراء وتنازل وغيرها، وكذا كافة جوانب ومضامين الحياة، الأمر الذي يدل على رغبة المصري القديم في توثيق وتدوين أموره المعيشية بطريقة منظمة وحديثة، آنذاك. ويوضح أستاذ الآثار في جامعة القاهرة، أنه ركز الفراعنة على تسجيل المعارك الحربية والثورات والمؤامرات على جدران المعابد، إضافة إلى تدوين الأناشيد والأساطير الدينية.
نصوص سياسية
رغم كثرة الأحداث السياسية داخل الحضارة الفرعونية القديمة، منذ بنائها الدولة بمنظوماتها وأدواتها، تظل هناك، دائماً، محطات فاصلة ومهمة، تكشف بدورها عن الفصول التاريخية الفرعونية القديمة..
وتظهر بدورها رقي وتطور الحضارة المصرية، وقدرتها على استحداث الأساليب السياسية والحربية الحديثة. ومن أهم الفصول التاريخية في الحياة السياسية القديمة التي رصدتها التدوينات، عقدها أول معاهدة سلام في تاريخ الأمم السابقة مع دولة الحيثيين، حيث كانت تعد الدولة المصرية والحيثية، أكبر دولتين رئيستين في ذلك العصر، وخاض البلدان ملحمة عسكرية في موقعة «قادش» الشهيرة.
نصوص دينية
لم تغب التدوينات الفرعونية التي تخص الجانب الروحاني والديني، عن المشهد. ويلفت د. عبدالحليم نورالدين، في هذا الخصوص، إلى أنه، ورغم انتشار حضور الآلهة بصيغ متعددة، وردت العديد من النصوص التي تدعو إلى الوحدانية، والممثلة الصيحة البشرية الأولى التي تقترب من التوحيد، الذي جاءت به الأديان السماوية الثلاثة. ويبرز نورالدين، نموذجاً من النصوص التي دونت على الجدران في هذا الشأن، ومنها: نشيد أخناتون (وهو يعدد هبات وعطايا إلهه آتون)، ومن ما جاء فيه:
«أنت تطلع ببهاء في أفق السماء
يا آتون الحي. يا بداية الحياة
عندما تبزغ في الأفق الشرقي
تملأ كل البلاد بجمالك
إن أشعتك تحيط بكل الأراضي التي خلقتها
وعندما تغرب في الأفق الغربي
تصبح الأرض سوداء، كما لو كان قد حل بها الموت
ويلف الظلام كل شيء، ويعم الأرض السكون».
..اجتماعية
وفي ما يخص الجانب الاجتماعي والحياتي للمصري القديم، توضح مكتبة الإسكندرية العريقة في مصر، أنه أمكن التعرف إلى الحياة اليومية لطبقات الشعب المصري، وذلك من خلال النقوش والنصوص التي سجلوها على جدران مقابرهم، والتي تتنوع بين مناظر دينية، وأخرى دنيوية، عبر صورٍ مختلفة وتماثيل للأسرة المصرية آنذاك. وكذا تدوينات مختلفة في هذا الإطار، سجّلها المصري القديم لتكون شاهداً على العصر الذي عاش فيه.
غرام بالتدوين
يشير رئيس هيئة الآثار الأسبق في مصر، د. محمد بكر، إلى أن المصري القديم كان مغرماً بتدوين وكتابة كل شيء يتعلق بحياته، مؤكداً أن هذا التدوين كان جزءاً من اعتقاد المصري القديم أن تسجيل الأحداث يمنحه حياة جديدة في العالم الآخر. ويضيف في السياق: «بالنسبة للملوك كان التدوين نوعاً من التمجيد أمام الأجيال القادمة، فكان الملوك يبرزون أعمالهم العظيمة، حتى يكونوا قدوة للتابعين، وكي يخشاهم الأعداء».
ويضرب بكر مثالًا على ذلك، متحف رمسيس الثاني، المنحوت في الصخر عند المدخل الجنوبي لمصر، ذلك المتحف الضخم الموجود في منطقة خالية من السكان؛ لكنه يقع في مدخل مصر الجنوبي، وكأن الغرض منه، تنبيه الغزاة وأي معتد يُريد دخول إلى مصر، عبر هذا المدخل، فمن يرى المتحف من الغزاة، ويتبين ما كتب على جدرانه، والتماثيل الأربعة الضخمة التي تحرسه (يبلغ طول كل واحد منها 20 متراً)، يخشى التقدم ومواجهة الشعب المصري (الذي لا يمكن هزيمته).
استعمالات وديدن
كان المصري القديم لا يترك مساحة خالية، سواء على جدران المعابد أو المقابر أو المسلات، أو حتى على التماثيل، إلا ويضمنها تاريخ حياته، وتسجيلاً لتاريخ وأيام الملوك.. غزواتهم وحروبهم وانتصاراتهم، معتقداً أنه الضمان الباقي لتخليده هو وأبناء مجتمعه، إلى أبد الدهر، وكانت تلك التدوينات تزين بأزهى الألوان مع الصور الجميلة، وذلك كجزء من المهرجانات التي تُقام في الأعياد.
ويلفت رئيس هيئة الآثار الأسبق في مصر، إلى وجود العديد من الأنواع المستخدمة في الكتابة والتدوين، ولكل نوع ظروفه الخاصة، فالمصري أول من كتب على ورق البردي بعد أن اخترعه، إذ كان نبات البردي منتشراً في مستنقعات الدلتا، وكانت تقطع السيقان فيصنعون منها أوراق البردي، واحتفظوا بسر هذا الاختراع، وكانت تصدر الأوراق بكميات كبيرة إلى الدول المجاورة.
وأما عن مدى الاختلاف والتفاوت في استخدام ورق البردي بالتدوينات، منه عن التدوينات على الجدران، يقول بكر: «ورق البردي استخدم في استعمالات خاصة يومية، كالبيع والشراء، والزواج والطلاق، والمعاملات اليومية، وكان يقتصر استخدامه على علية القوم والمقتدرين مادياً على شراء هذا الورق غالي الثمن، بينما كان الآخرون، الذين هم من غير القادرين على دفع ثمن ورق البردي، يستخدمون في معاملاتهم اليومية، مواد أخرى للتدوين، من بينها:
قطع أواني الفخار. وكان الفخار مستخدماً بكثرة في ذلك العهد. أو كانوا يكتبون على قطع الخشب، وكذلك على العظام، مثل: أكتاف بعض الحيوانات». ويبين بكر، أن جدران المعابد، كانت تصنع من أصلب الأحجار، كي تعيش للأبد، وكي يضمنوا ألا تسرق منهم، وهكذا كان يكتب عليها أسماء كثيرة، وكان لا يخلو أي تمثال أو حجر، من كتابة اسم الملك أو الشخص صاحب هذه الإنجازات.
التدوين في العهد القديم
يرى خبير الآثار د. عبدالله العطار، أن الجدران كانت وسيلة الإثبات الوحيدة في العهد الفرعوني القديم، فالناظر إلى أي نص من النصوص المدونة على المعابد، يستطيع من خلاله التعرف إلى الحالة التي كانت تعيشها البلاد في هذا التوقيت، في مختلف الجوانب الدينية والاجتماعية والاقتصادية والحربية..
فالنصوص التأسيسية الموجودة على المتاحف الفرعونية والإسلامية، تركز على كل ما يمر على المجتمع من أحداث تاريخية. ويؤكد في الخصوص، خطأ الاعتقاد بأن حرص المصري على التدوين والكتابة على الجدران، أصبح أقل في العهد الإسلامي، لافتاً إلى أن جدران المتاحف الإسلامية والمساجد، خير شاهد على اهتمام المصريين في هذا العصر أيضاً، بالتدوين والكتابة.
صيغ توثيق حضارية وإنسانية تحكي قصصاً تاريخية
قدمت الحضارة المصرية الفرعونية، منظومة فكرية وحضارية ومعرفية، لا تزال تكتسب قيمة فريدة، لا بل إنها تزداد أهمية، يوماً بعد آخر، خاصةً مع قدرة الأدوات البحثية في الكشف عن أسرارها ومعارفها وعلومها، كما أنها تُعد نبراساً جديداً ودافعاً، للتقدم والتطور نحو مستقبل أفضل.
وكان للتدوينات على جدران المعابد، قيمة نوعية في تعريفنا بمفاصل ودقائق كثيرة حول أسرار هذه الحضارة. إذ خلدتها وحفظتها لنا، وكشفت لنا ما تركه المصري القديم، من مفردات حضارية إنسانية كاملة، استوعبت إبداعاته العلمية والفنية والمعرفية كافة. إذ كان تقدمها وتميزها، في آن، سبباً لاستمرارها نحو أكثر من 7 آلاف عام.
ولا ننسى أن هذه الحضارة، كما كشفت لنا تدويناتها، تراوحت، بطبيعة الأمم، بين فترات الضعف والقوة، والانكسار والانتصار. ويشير متخصصون، إلى دور تدوينات نصوص جدران المعابد والبردي، في تبيان أهم المحطات السياسية التي مرت بها الحضارة الفرعونية القديمة.
«البعث والخلود»
تكشف تدوينات المعابد وأوراق البردي، الخاصة بالحضارة الفرعونية، عن طبيعة العلاقات داخل المجتمع المصري القديم، وعن إيمان المصري القديم بمعتقد «البعث والخلود».
واللافت في هذا الصدد، أن تلك التدوينات، في المجمل، واكبت وغطت ما حدث ومر به المصريون القدماء، إذ سجل على الجدران واللوحات وفي أرجاء المعابد. ويشرح خبراء في الحقل، أن التدوين في العهد القديم، كان هدفه إثبات الوجود للحاكم والأمة؛ بهدف التأريخ لمراحل المجتمع، وحتى يتسنى للأجيال القادمة، الاطلاع على تاريخ هذه الفترة الزمنية.



