تتنوع مسمياتها ما بين دراسات المقارنة، ودراسات متعددة الثقافات أو الدراسات الثقافية. لكن، أياً كان المسمى، فهي تلك النوعية من الدراسات التي تعنى بتناول وبحث ماهيات الأشكال الثقافية كافة، مسلطة عليها أضواء النقد والتحليل. ويبدو اللافت، حالياً، أن هذا الصنف الإبداعي، غاب أو اضمحل إلى حد كبير، في الساحة الثقافية العربية، خلال المرحلة الراهنة، بتأثير جملة عوامل وظروف. ويأتي هذا الواقع بشأن الدراسات الثقافية العربية، عقب أن كانت قد شهدت عصراً ذهبياً أثرت وأذكت معه سياقات الثقافة العربية.
إذ كانت تزخر بها المجلات الثقافية، ذاك في آونة مضت وانقضت احتلت فيها الثقافة مكانة متقدمة لدى الفرد والمجتمع على السواء: في عصر التنوير الثقافي الذي شهد بروز عمالقة الثقافة. وساعدت، كما أفضت، السجالات الفكرية التي تأتت عنها، في تحقيق التطور والازدهار الذي كانت مرت به الثقافة العربية في العصر الحديث.
لا شك أن في هذا الغياب، خللاً لا يمكن التغافل عن أخطاره ومفاعيل إفرازاته، وأيضاً ما يرتبه على كاهل مضمون المنتج المعرفي والفكري العربي. ويشدد نقاد وباحثون كثر، على أن أشكال تلك التأثيرات وملامحها، بدت تظهر للعيان في الفترة الأخيرة، وأنه لا ينفك يؤججها تتابع واستمرارية حالة قلة هذه الدراسات أو غيابها عن المجتمع الثقافي.
قضايا ومعارك ثقافية
يرى الناقد الأدبي، الدكتور يوسف نوفل، أن هناك قلة في الكتب التي تتخصص في الدراسات الثقافية، لافتاً إلى قلة الإنتاج الثقافي بشكل عام. ويؤكد نوفل أن النقد الأدبي لا يُمارس بالشكل الكافي، ولا يُحاط بنهضة تشجيعية تُحفز على نشره.
ويضيف: "إن النقاد والدارسين تضيق أمامهم سُبل النشر، وتُغلق النوافذ والوسائل المختلفة.. ولم تعد الفرصة متاحة إلا لعدد قليل، متمثل في أساتذة الجامعات والنقاد، الذين يتخذون من موقعهم منبراً يُرسلون فيه رسائلهم إلى المتلقي، ولكن من دون أن تتاح لهم فرص النشر على المستوى العام بالقدر الكافي".
يُرجِع نوفل السبب في ذلك إلى "غياب - إن لم يكن فقدان - المجلات الثقافية". فيضرب للقارئ المعاصر مثلاً مجلة "المجلة"، التي ظهرت في أوائل الستينات من القرن الـ20. ويشرح وجهة نظره هنا:
"كان القارئ يُطالع فيها أكبر المشاهير في العالم العربي، يُناقشون على صفحاتها أهم القضايا والمعارك الثقافية، إذ كان الرأي العام ينشغل، من كبيره ووصولاً إلى صغيره، بقضية ثقافية، ذلك مثل قضية (الشكل في الشعر الجاهلي)، التي أثارها طه حسين، حيث قامت الدنيا وقتها ولم تقعد..
معنى ذلك أنني أُقر بأن الواقع الثقافي المُظلم والمتدني حالياً، لا يُتيح مناخاً خصباً للمناقشات الفكرية الجادة حول النتاج الثقافي، ذلك بعد أن انشغل الرأي الثقافي العام بـ(التافه) من الأمور، بل وساد المناخ الثقافي المتدني. ومع الأسف، "غثاء كغثاء السيل"، ليس هم من المثقفين الحقيقيين، وفقاً لتعبيره.
يشير نوفل، أيضاً، في سياق تسميته المجلات المتخصصة في هذا الصدد، إلى مجلة "الرسالة" لأحمد حسن الزيات، التي كانت تصدر في الثلاثينات من القرن الماضي، مبيناً أن هذه المجلة وغيرها من المجلات المصرية، كانت منبراً للمثقفين العرب والنقاد والباحثين، بل والدارسين. إذ أتاحت المجال، لا للكتاب الكبار فقط، بل للناشئين أيضاً، فنشؤوا كأعلام على صفحاتها، وصاروا من كبار المشاهير.
ويُشدد نوفل على أن غياب المنابر وتسيد من لا يستحق السيادة للمشهد الثقافي، تسبب في أن يُصبح المشهد مزوراً، بعد أن أُسند الأمر إلى غير أهله، لافتاً إلى غياب المؤسسة الثقافية، ومتأسفاً على أن يكون هذا الوضع في عالمنا العربي، مشيراً إلى غياب الرؤية والخطط الثقافية في الشأن ذاك؛ ليحل مكانهما أساليب الهدم الثقافي المُتعمد.. فتستبعد العناصر الإيجابية، ويتصدر المشهد المدعون.
نُدرة
تتفق الباحثة في الأدب الشعبي، صفاء عبدالمنعم، مع من يؤكدون ندرة الدراسات الثقافية في المكتبة العربية، خاصة في الوقت الحالي، لافتة إلى انشغال الأساتذة والأكاديميين، أو حتى المُهتمين في الثقافة، بزيادة عدد ساعات العمل والانشغال عن الإنتاج الثقافي، وعن تناوله بالتحليل والنقد والدراسة.
وترى أن الجمهور لم يَعُد مهموماً بالثقافة والدراسات، كونه اختفى هذا الأمر منذ فترة طويلة. وتوضح صفاء أن ما نراه وما يوجد حالياً من دراسات، يفتقد إلى العمق الذي كنا نتبينه مثلاً في الدراسات التي كان يُقدمها لويس عوض من خلال كتاباته الثقافية.. وكذلك ما عرفناه في كتابات طه حسين التي كانت تُشعل المجتمع الثقافي وتصيب الحياة الثقافية بالحراك.
وتجد الباحثة المتخصصة في الأدب الشعبي، أن الدراسات الحالية تُعد بمثابة دراسات صحافية غير عميقة، يتناولها البعض بغرض النشر الصحافي، فهي تُشبه التحقيقات الصحافية، حسب قولها. وتتابع: "نلحظ اختفاءً للدراسات التنظيرية التي تَهتم باستشراف مستقبل الثقافة العربية. ومرد هذا جملة عوامل، يتقدمها حقيقة أن مثل تلك الكتابات كان هناك من يهتم بها، ومن بينهم: إدوارد الخراط، ولكن لم يعد أحد يهتم بها حالياً.
تقييد الحريات
من جهتها، ترفض الناقدة الأدبية، الدكتورة أماني فؤاد، أن يكون هناك أحكام مطلقة على الأعمال الثقافية بشكلٍ عام، وتحديداً على الدراسات الثقافية. وتضيف: "لكن، من الممكن القول إن الدراسات الثقافية، ورغم وجودها، إلا أنها ليست في المستوى المطلوب؛ لأسباب تتعلق بالأوضاع السياسية والثقافية في مصر والوطن العربي..
وكان ذاك الوضع من صنع مجموعة أسباب وإجراءات في المجتمعات العربية، على رأسها ظهور نوع من التقييد على الحريات، أدى إلى نقصٍ في الأعمال الفكرية والفلسفية، وهو ما أصاب المكتبة العربية، بالتالي، بنقصٍ في كتب الدراسات الثقافية.
وعلينا أن نعي أن الأمر لا يرتبط بالأعمال الإبداعية الأخرى، التي تجد الطرق والأساليب والآليات والتقنيات لتتحايل من خلالها على هذا التقييد والتضييق، بينما لا تستطيع الأعمال الفكرية والفلسفية التحايل، وإنما هي تحتاج إلى المباشرة".
وتصف أماني المجتمعات العربية بأنها "مُزيفة"، تدعي الثقافة والعلوم والتحرر، لكن الحقيقة غير ذلك، حيث تتحكم الأوضاع الاجتماعية في الحياة الثقافية، ويضع المجتمع العديد من التابوهات والمحرمات التي يمنع على الفكر والثقافة التطرق إليها، حسب رأيها. فكم من كاتب ومفكر وباحث كفرهم المجتمع نتيجة أعمالهم الفكرية، مثال طه حسين ومحمد عبده وأحمد لطفي السيد. وتبين هنا، أنه يواجه كل مفكر عربي يخرج عن الإطار التقليدي، بحروب تصل حد التكفير.
الإعلام متهماً
وحول الأسباب الأخرى التي أدت إلى ندرة الدراسات الثقافية، تشير أماني إلى "عدم امتلاك منابر إعلامية جادة" يستطيع المفكر اللجوء إليها لنشر أعماله، ضاربة المثل بنفسها، إذ ظلت عشر سنوات تُعاني من هذا الأمر، حتى بدأت الأبواب تفتح أمامها.
وتعيب أماني على مجتمعاتنا العربية، كونها تمثل أدنى شعوب العالم في علاقتها مع القراءة والكتابة، فالثقافة والفكر والنقد، أشياء تغيب عن نسيج الحياة اليومية للفرد المصري والعربي على السواء. وتتابع: "الدراسات الثقافية عبارة عن مثلث أضلاعه: عمل ثقافي، قارئ، ناقد. ومؤكد أن فقدان ضلع منها، يعني وجود خلل".
ومن ضمن الأسباب التي تضيفها أماني: "سيطرة الرقابة"، والتي تتخذ أشكالاً متعددة، فمنها: الفاشية الدينية والمجتمعية والسياسية، وهو ما ينعكس سلباً على حجم إنتاج الدراسات الثقافية، وكذلك على نوعية الصادر منها، حسب رأي الدكتورة أماني، موضحة أن المجتمعات المتحررة ترد على الفكرة بالفكرة، فتدفع الفرد إلى إعمال العقل في كل ما هو جديد وما يظهر أمامه، كما قال هيغل.
وتخالف أماني في ختام وجهة نظرها حول الموضوع، جملة الآراء الأخرى التي تجد أنه كان هناك حالة من الازدهار الثقافي، عربياً وفي مصر بشكل خاص، مشتملة على انتعاش كبير في الدراسات الثقافة، خلال الستينات. إذ ترى ذلك يُفسر بشكل خاطئ، وفي غير موضعه.
وتقول في الخصوص: "إن النتاج الثقافي، من أعمال إبداعية وفكرية وفلسفية، كان نتاجاً للفترة الليبرالية التي عاشتها مصر بعد ثورة 1919، فآنذاك برز عصر التنوير المصري". وكذا ترفض الحديث عن فلسفة عربية أو نظرية نقدية عربية، لافتة إلى أنها من الأخطاء الشائعة، فهناك إبداع ونظريات عالمية تغيب عنها الإسهامات العربية. إذ بتنا نقبع في حالة خمود وكسل فكري جعلنا متخلفين عن ركب البحث والتنقيب والدراسة في عوالم الفكر.
خطوط متوازية
تتمثل الحلول المطروحة، التي خلص إليها باحثون ونقاد، في ضرورة وجود منظومة تعليمية متطورة تعمل على إدخال الثقافة في نسيج حياة الطفل، والاهتمام بالإعلام، باعتباره آله مسيطرة على كل البيوت العربية، من خلال برامج "التوك شو"، ذلك غاية أن يهتم بالثقافة.
ومن بين تلك الحلول أيضاً: التنسيق بين الإعلام والمؤسسات المعنية بالثقافة ليُصبح الإعلام رُكناً ركيناً للفنون والفلسفات والنقد والفنون التشكيلية والموسيقى والقصة والرواية، وكي تتسلل هذه الإبداعات إلى نفوس الجمهور، فتتحول الثقافة إلى منتج ورسالة يومية يتلقاها الفرد.. إضافة إلى الارتقاء بالوعي ومواجهة التطرف الفكري عبر طرح فكر آخر تنويري.
وهناك عامل محوري، يتمثل في ضرورة تقديم الدولة الدعم الكافي، خاصة ونحن في مجتمعات تعاني من الأوضاع الاقتصادية السيئة، لن تستطيع معه منظمات المجتمع المدني تحمل مسؤولية الارتقاء بالمجتمع ثقافياً. ذلك إلى أن تغدو تلك المؤسسات قادرة وأهلاً لتتولى المسؤوليات في الصدد.
أنثروبولوجيا الديانات والثقافات
يؤرخ البعض لظهور هذه الدراسات في الساحة الثقافية العربية، مع أبو الريحان البيروني (973 - 1048)، وينسب إليه كثيرون الفضل في هذا الصدد، إذ كتب دراسات مقارنة تفصيلية عن أنثروبولوجيا الديانات والشعوب والثقافات في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وشبه القارة الهندية، هذا بينما كان بروزها على نطاق واسع يعود إلى القرن التاسع عشر. وذلك على يد مجموعة من علماء الأنثروبولوجيا، من بينهم: تايلور ومورغان.
«جائزة الشيخ زايد للكتاب».. منارة الفكر والدراسات
يؤكد نقاد وباحثون، أن جائزة الشيخ زايد للكتاب، شرعت في السنوات الأخيرة، تسد فجوة علمية وفكرية بيّنة، في العالم العربي. إذ إنها أخذت تعيد إلى الدراسات والأبحاث الفكرية والعلمية مكانتها وأهميتها، من خلال رفد الساحة، ومع كل دورة من دوراتها، بمؤلفات وأعمال جديدة، ذات مستوى عال تطال المجالات المختلفة، محللة الإشكالات ومعمقة أشكال البحث فيها، بالتوازي مع تقديم توصيفات وتحليلات موسعة.
واللافت أيضاً، طابعها الشامل. إذ تضم: التنمية وبناء الدولة، أدب الطفل والناشئة، جائزة الشَّيخ زايد للمؤلِّف الشاب (تشجيعية تشمل المؤلَّفات في مختلف فروع العلوم الإنسانية والفنون والآداب، بالإضافة إلى الأطروحات العلمية «المنشورة في كتب»)، الترجمة (جائزة تقديرية تشمل المؤلَّفات المترجمة مباشرة عن لغاتها الأصلية من اللغة العربية وإليها)، الآداب (جائزة تقديرية تشمل المؤلَّفات الإبداعية في:
الشِّعر، المسرح، الرواية، القصَّة القصيرة، السيرة الذاتية، أدب الرحلات، وغيرها من الفنون)، الفنون والدراسات النَّقدية. ويضاف إلى ذلك: الثقافة العربية في اللغات الأخرى، النشر والتقنيات الثقافية، شخصية العام الثقافية.
مفكرون ومتخصصون يدعون إلى تبني مبادرات شاملة
تتصف الحضارة العربية والإسلامية، بميزة الثراء في الدراسات الثقافية. إلا أن هذه الحقيقة لا يبدو لها أي ملمح أثر أو تأثير في الوقت الحالي. إذ نجد أن واقعاً غنياً بالدراسات من هذا النوع في مضمون الثقافة العربية، أخذ يتجذر ويتسع، محيلاً الساحة الثقافية العربية إلى أرض يباب في الصدد. لذا، وعلى هذا الأساس، بدأت ترتفع أصوات متخصصين ومفكرين ومؤسسات معنية، منادية بإعادة الاعتبار لهذه الأنماط البحثية الثقافية.
ويرى باحثون، أننا نعيش حالة ترد فكري جعلتنا متأخرين عن مواكبة الدراسات الثقافية العالمية المتقدمة. وذاك الواقع له إفرازات حالية مخيفة، علاوة على ما أودعه من بذور هدامة ومكبلة لقوة فكرنا. ويتحسر هؤلاء على كونه بات الحديث يزداد، أخيراً، عن ازدهار الحضارة العربية في عهدي الأمويين والعباسيين، وبناءً على ذلك، ينادي أهل الثقافة المهمومون بالموضوع، بضرورة إطلاق مبادرات حكومية وشبه حكومية، فاعلة وبناءة، تفي بغرض تلافي هذا الخلل.





