صحف يومية ومجلات عربية.. مبعثر بعضها على طاولة زجاجية والآخر مصنف في رواق موجود على الجانب. أجهزة كمبيوتر تنتظر من يريد "الإبحار" في متاهات الإنترنت من خلالها. كتب ومجلدات ومخطوطات في علوم وتخصصات متعددة وبلغات كثيرة، موزعة على ثلاثة طوابق يصل بينها مصعدان داخليان وبرج للكتب بتصميمه المعماري المستوحي من ملوية سامراء في العراق.
تلك هي الروح النابضة في جسد مكتبة معهد العالم العربي في باريس، التي تطل جدرانها الزجاجية على أجمل نهر في باريس: نهر السين. ونلمح من خلالها كنيسة "نوتردام دو باري"، شامخة في سماء باريس.
إن أجواء المكتبة، تمثل بحق، روضاً أخاذاً، تفوح فيه رائحة الشرق، الممزوجة بنسيم باريس المعطر، وذلك ضمن معهد العالم العربي وهي مكتبة العالم العربي أثرى طابق فيه.
تعد هذه المكتبة، الأهم في فرنسا من حيث الكتب التي تقدمها باللغة العربية أو عن العالم العربي، كما أنها موجودة في معهد العالم العربي منذ إنشائه، قبل ربع قرن من الزمن، وتقع في الطابق الثالث ضمنه، على الضفة اليسرى لنهر السين في الدائرة الباريسية الخامسة..
حيث تتجمع كذلك، معالم عربية أخرى يعود بعضها إلى أوائل القرن التاسع عشر، حين قررت فرنسا إنشاء معالم ومؤسسات تجمعها في مكان واحد، لتعكس ذلك التقارب الذي تريده مع البلدان العربية، كمسجد باريس الذي يعود تاريخ تدشينه إلى بدايات القرن الماضي.. وله دور في حضور ومكانة الإسلام والمسلمين في فرنسا.
تقدم مكتبة معهد العالم العربي في باريس، من خلال مجموعاتها الموسوعية والمتعددة اللغات، ثقافة وحضارة العالم العربي، وإذا كانت تولي عناية خاصة للحقبة المعاصرة، فإن المكتبة تجمع، كذلك، مصادر الثقافة العربية الكلاسيكية، وتسعى إلى تلبية احتياجات الباحثين المتخصصين، وإرضاء رغبات الفئات الواسعة من جمهور المكتبة.
جماليات ومجموعات
تغطي فضاءات القراءة في مكتبة العالم العربي، مساحة قدرها 1072 متراً مربّعاً، وتشتمل على 150 مقعدا مقسمة على ثلاثة طوابق يصل في ما بينها برج الكتب ومصعدان داخليان. ويمتد برج الكتب الذي يمثل خاصية معمارية مستوحاة من برج سامراء في العراق، من الطابق الأول إلى الطابق السابع. كما أنه يحتوي في ضفته الداخلية، على مجموعة الدوريات. وهناك في شطره الخارجي تتمة مجموعات الكتب، تبعا لترتيبها في قاعات المطالعة.
ويضم الطابق الأول، كتب: الفلسفة وعلم النفس، الدين، الفكر الإسلامي، علم اللسانيات ومناهج تعليم اللغة والأدب. أما الطابق الثالث، فيتوافر على: عموميات ومؤلفات مرجعية، علوم اجتماعية، الاقتصاد، القانون، العلوم السياسية، علم الأعراق وخصائص الشعوب، علم الاجتماع.
بينما يخصص الطابق الخامس لكتب في حقول: العلوم الدقيقة والطبيعية والعلوم التطبيقية، الطب، الفن، تنظيم المدن، الهندسة المعمارية، الجغرافيا، والتاريخ.
مؤلفات متنوعة
تزخر مكتبة معهد العالم العربي بـ85 ألف كتاب، جلها باللغتين العربية والفرنسية.. ومن بينها كذلك ما هو باللغة الانجليزية، والألمانية والإسبانية والإيطالية، كمجموعة كتب فؤاد سيد التي تضمّ 1880 كتابا بالعربية، هي من أمّهات الثقافة العربية التراثية والمعاصرة، وتتراوح بين الدين والفلسفة والأدب والتاريخ ودلائل المخطوطات. وكذا مجموعة كتب نينارد المتخصصة في المغرب، التي تضم 2500 مؤلف و26 دورية. وتغطي بصفة رئيسية، الفترة التاريخية التي كان فيها المغرب مستعمرة فرنسية.
وتحتوي المكتبة كذلك، على مجموعة من الكتب النادرة، تضم 2000 مؤلف قديم من الطبعات الثمينة. وزد على ذلك 1300 دورية تشكل مجموعة موسوعية غنية بتنوعها الجغرافي واللغوي، منها 800 مجلة لا تزال "حيّة" تصدر، وتتراوح بين:
مجلات أخبار حديثة، مجلات ثقافية فكرية، مجلات تراثية، مجلات رسمية، علمية وتقنية. وهناك أكثر من 24 ألف مقالة تشمل جميع ميادين الفكر والتخصصات، و60 طريقة وأسلوب لتعليم اللغة العربية الفصحى، مرفَقَة بأشرطة مسجَّلة، وأسطوانات "سي دي روم".
مكتبة رقمية ومنشورات إلكترونية
اندفعت مكتبة معهد العالم العربي، في إطار شراكة مع مكتبة الإسكندرية، ووعياً منها بأهمية الرهان الرقمي في نشر المعرفة، في تنفيذ مشروع طموح للرقمنة، تقترح من خلاله، كتبا ودوريات سقطت في الملكية العامة، خاصة في ميادين الأدب واللسانيات والتاريخ وأدب الرحلات. كما تقدم المكتبة مختارات بيبليوغرافية أو ملفات وثائقية، في مناسبة حدث ثقافي أدبي أو سياسي متعلق بالعالم العربي أو بالبرمجة الثقافية لمعهد العالم العربي.
كما أن المكتبة مفتوحة على مدار أيام الأسبوع عدا الأحد والاثنين، ذلك بين الساعة الواحدة ظهراً وال 8 مساءً.
صالون الأورو-عربي للكتاب
عكف معهد العالم العربي في باريس، منذ سنوات، على تنظيم المعرض الأورو-عربي للكتاب، الذي تحضره في كل دورة، أكبر دور النشر العربية والمكتبات العربية. وكذا كثير من الناشرين الأوروبيين والمهتمين في العالم العربي.
وصار هذا الموعد المهم، الذي ينظم كل سنتين، جسراً ثقافياً متيناً يوصل الروابط الثقافية والأدبية، بين فرنسا والعالم العربي، وفي كل دورة يحل بلد عربي ضيف شرف على الصالون.. وتقدم المكتبة في هذا الصدد، جهودا وإسهامات نوعية، تغني قيمة المعرض وتكفل تحقيقه نجاحات وارتقاءات متتابعة.
تحفة معمارية وروض فكري
تستفيد المكتبة من طبيعة فعاليات وتوجهات معهد العالم العربي في باريس، في تحصين دورها الثقافي، وأهمية الأدوار التي تؤديها في الساحة الثقافية الفرنسية. ويخدمها في الصدد، موقع المعهد وقيمته، حيث يمتد على الضفة اليسرى لنهر السين في ساحة محمد الخامس ضمن الدائرة الباريسية الخامسة. كما أنه يمثل تحفة معمارية مميزة، أبدعها المهندس المعماري الفرنسي الذي كان وراء الكثير من التحف المعمارية العالمية، جون نوفيل، وحاول من خلاله، المزج بين الثقافة العربية والثقافة الغربية.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه يعين رئيس المعهد بناء على اقتراح من رئيس الجمهورية الفرنسية. كما يرأسه معهد العالم العربي منذ شهر يناير الماضي، الوزير الفرنسي السابق للثقافة، الاشتراكي جاك لانغ، ومديرته العامة، السعودية منى خزندار، التي تعد أول امرأة تتولى هذا المنصب، منذ إنشاء المعهد.
ويعمل في المعهد 140 موظفا، وتبلغ ميزانيته السنوية 24 مليون يورو، تؤمن فرنسا نصفها (12 مليون يورو)، والمتبقي يتوزع على الدول العربية الـ22، الأعضاء في مجلس إدارته. وذلك بالإضافة إلى مصادر خاصة أخرى، مثل: الهبات وبيع التذاكر وتأجير مساحات وغيرها.
ومنذ افتتاحه عام 1987، لعب المعهد دورا كبيرا في فرنسا، في تطوير وتعميق الدراسات والمعارف الكفيلة بفهم العالم العربي ولغته وحضارته وجهوده الإنمائية.
«افتح يا سمسم»
تضع مكتبة معهد العالم العربي، في متناول القرّاء، مجموعة مختارة من الكتب الإسلامية، ودليلاً معلوماتياً، باللغتين العربية والفرنسية، للكتب والمجلات والمقالات. وتتيح المكتبة كذلك من خلال أجهزة البحث، الإطلاع على الفهرس الآلي مزدوج الأبجدية وقواعد المعلومات فيها والأقراص المدمجة ومطالعة الصحف العربية على شبكة الإنترنت. وكذلك على مجموعة قسم الصور، بالإضافة إلى خدمة مجانية للإجابة عن التساؤلات، عن طريق شبكة "افتح يا سمسم".
30 يومية و20 مجلة
تتوافر في صالة مطالعة الصحف العربية في الطابق الأرضي، ضمن معهد العالم العربي في باريس، أكثر من ثلاثين يومية و20 مجلة عربية. كما تشتمل على قسم للخدمات البيبليوغرافية (بيانات بالمراجع والكتب والوثائق)، ومطبوعات متنوعة؛ كدليل العالم العربي في فرنسا، والكتّاب العرب في الأمس واليوم. كما أنها تشتمل على أحدث التقنيات المناسبة، التي تكفل تلبية احتياجات الزائرين وفق أعلى المعايير.
مشروع ثقافي بنّاء وتوجهات مدروسةa
تجسد المكتبة، في روحية محتوياتها ورؤاها وتوجهاتها، صورة خلاقة لأهداف ومسعى معهد العالم العربي في باريس. إذ تشكل جوهراً فريداً في كينونة حضوره الثقافي في فرنسا. إذ إنه يعد مؤسسة ثقافية قائمة على القانون الفرنسي، جاءت ثمرة تعاون وشراكة بين فرنسا و18 دولة عربية الأعضاء في جامعة الدول العربية، أنشئ عام 1980، بهدف تعريف الجمهور الفرنسي والأوروبي، بإسهامات العالم العربي في الحضارة الإنسانية، والنهوض بالحوار بين الشرق والغرب.
ويؤكد متخصصون ومعنيون، أنه أسهم في توطيد المبادلات الثقافية وتعزيز التواصل والتعاون بين فرنسا والعالم العربي، لا سيما في الميادين العلمية والتقنية. وهذا علاوة على إسهامه في ازدهار العلاقات بين فرنسا والعالم العربي، وتمتين العلاقات بين العالم العربي وأوروبا.



