لارماتان: «Lharmattan»، دار نشر فرنسية من نوع خاص. ذلك أنها راهنت منذ البداية، على الابتعاد عن الفخامة والاستعراض، كي تكرّس الجهود على مجموعة من الأهداف.. وخدمة عدد من المبادئ التي ليس أقلّها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتأكيد أهمية حقوق الإنسان وتحديد خدمة الثقافة والمعرفة كهدف أساسي لها..

وزيادة وعي البشر على رأس أولوياتها. من هنا بالتحديد، جاء اهتمامها ببلدان العالم الثالث، وفي مقدمتها بلدان القارّة الإفريقية ومنطقة جنوب البحر المتوسط والشرق الأوسط. «ذلك انطلاقاً من مبدأ أن باريس هي ملتقى الثقافات».

ونقلت دار النشر، مقرّها ونشاطاتها، بعد توسعها ونجاحها عقب تجربتها المتواضعة منذ عام 1975، إلى شارع باريسي آخر هو «ديزيكول»، حيث تقوم اليوم مكتباتها المتخصصة المتعددة.

توسع

تملك دار نشر لارماتان، مكتباتها الخاصّة بها لبيع منتجاتها، من كتب ودوريات وأفلام وثائقية وغيرها. وهناك في فرنسا عشر مكتبات تحمل شارة «لارماتان»، منها ست في الحي الخامس من العاصمة الفرنسية، باريس. تحمل إحداها تسمية «لارماتان الدولية»، حيث تباع خاصّة، الكتب ذات الاهتمام العام. وتضم أيضاً عشرات آلاف الكتب باللغة الإسبانية، ذلك بعد شراء المكتبة الإسبانية في باريس.

شمولية

وفي البداية، كان نتاج دار نشر لارماتان يتركز بشكل أساسي على «العلوم الإنسانية». لكنها غدت، حالياً، وبعد قرابة أربعة عقود من الزمن، ترفد رفوف المكتبات الفرنسية باستمرار، باستثناء أيام نهاية الأسبوع والعطل الرسمية، بأكثر من عشرة كتب.

وهذا يعني إصدارها أكثر من 2300 كتاب كل سنة، في مختلف مشارب العلوم الإنسانية والاجتماعية وسواها من الفنون الجميلة، حتى العلوم السياسية، مروراً بالقانون والاقتصاد والتربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع. وكذا علوم اللغة والفلسفة. باختصار، أصبحت مجالات اهتمام لارماتان، تشمل كل ميادين المعرفة والأدب والفن والاقتصاد والسياسة، وسواها.

هذا فضلاً عن الاهتمام الاستثنائي الذي توليه لارماتان بالعديد من المناطق الجغرافية في العالم، خاصة تلك التي تُطلق عليها تسمية: العالم الثالث. وفي مقدمتها: القارّة الإفريقية وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.. وعموم بلدان العالم العربي ومنطقة الكاريبي. وبالطبع، تحظى القارّة الأوروبية باهتمام الناشر الفرنسي.

300 مدير

مؤسسا دار نشر لارماتان عام 1975، كانا روبرت أنيو ودونيس بريان، والأخير لا يزال على رأسها منذ عام 1980 عندما انسحب المؤسس الأول. واليوم، بعد قرابة أربعة عقود من النشاط في عالم النشر، أصبح رصيد دار نشر لارماتان من الكتب المطبوعة يزيد على 40000 عنوان، موزعة بين عدة مكتبات متخصصة. ويعمل فيها ثلاثمائة مدير في مختلف الفروع، لمجموعات وسلاسل. كما تعنى دار لارماتـــــــان للنشر..

إضافة إلى الكتب التي تصدرها على أساس الموضوعات ومشارب البحث، وأيضاً تلك التي تهتم بمناطق جغرافية كانت موجودة في أعمالها منذ تأسيسها، بسلاسل الكتب الموجّهة إلى جمهور الشباب. ولا يغيب الأدب عن مطبوعات لارماتان بكل صنوفه، من شعر ورواية ونقد أدبي ومسرح. كذلك تولي الدار اهتمامها لنشر الأطروحات الجامعية وأوراق المؤتمرات العلمية المتنوّعة.

مشاهير مرّوا من هنا

من الميزات التي اتسمت بها تجربة لارماتان منذ البداية، أنها نشرت أعمال العديد من الذين كانوا من «المبتدئين» في عالم الكتّاب والكتابة. وكان المعيار هو الصلاحية للنشر، حيث يصل الدار سنوياً، كمعدّل وسطي، نحو 7000 عنوان تصدر نحو ربعها أو خمسها، بناء على آراء لجان القراءة وإدارات السلاسل المتخصصة.

وهكذا كانت لارماتان البوابة التي مرّ العديد من الذين أصدرت أعمالهم الأولى إلى الشهرة، وأصبحوا كتّاباً وروائيين وشعراء وباحثين يشار إليهم بالبنان، في الوقت الحالي. من بين هؤلاء: الكاتب الجزائري محمّد مولسهول الذي ينشر بالفرنسية تحت الاسم المستعار «ياسمينة خضرة»، الشاعر والكاتب والمترجم المغربي عبداللطيف اللعبي، الكاتب الفرنسي من أصل كونغولي آلان مابانكو، إكسيل غوفان. وغيرهم الكثير.

وفي كل الحالات، ترفع دار نشر لارماتان شعاراً مفاده، أنه ينبغي نشر أي كتاب يمكن أن يخدم، ولو مائة شخص، حتى إذا لم يكن مربحاً اقتصادياً. وانطلاقاً من بدايات متواضعة، غدت أحد عمالقة عالم النشر في فرنسا.

بداية ومسار

 بدأت تجربة لارماتان متواضعة، ولكن بإرادة مفعمة بالتصميم، في عام 1975، بصيغة مكتبة ــــ دار نشر في شارع «الرياح الأربعة ــــ Quatre vents»، بالقرب من مسرح الأوديون

. بدايات متواضعة انطلقت من ذلك الشارع الذي جعله الروائي الكبير هونوريه دو بلزاك مكان سكن العديد من شخوصه في عمله الكبير «الكوميديا الإنسانية». وتجدر الإشارة إلى أنه جاءت تسمية لارماتان نفسها، من كلمة باللغة الفرنسية، تعني «ريح الحرور»، وهي «ريح تهب في المناطق الغربية من القارّة الإفريقية».

10 فروع في إفريقيا

 تتخصص مكتبات عدة للدار، في مجالات فكرية ومعرفية خاصة، مثل: الفلسفة والتاريخ والفيديو. وهناك مكتبتان ذواتا مدلول جغرافي: مكتبة البحر المتوسط والشرق الأوسط، بيت إفريقيا. ويضاف إلى القائمة: مكتبة مسرح لوسيرنير، الشهير في باريس.

وهناك فرعان لدار النشر في أوروبا: لارماتان إيطاليا، لارماتان هنغاريا. إلى جانب عشرة فروع في إفريقيا، ضمن كل من: بوركينا فاسو، الكاميرون، زائير، الكونغو الديمقراطية، ساحل العاج، غينيا، مالي، موريتانيا، السنغال.

 ولوج العالم الرقمي بخدمات نشر متكاملة

 تحتل «لارماتان» تحتل المكانة الثانية في فرنسا من حيث عدد الكتب الرقمية باللغة الفرنسية. هذا بعد مكتبة «فناك» الشهيرة. وتنقل لارماتان الغالبية العظمى من الكتب التي تصدرها بطبعة ورقية، إلى طبعة «إيبوك» الرقمية. كما أنها افتتحت قسماً مكرّساً لهذا المجال من الكتب، تحت تسمية «لارماتيك ــ Harmathèque» إذ يمكن للمشتركين (قيمة الاشتراك الشهري 19.50 يورو) في هذه الخدمة، الاطلاع على 36346 كتاباً من إصدار الدار.

بالإضافة إلى 400 فيلم وثائقي تابعة لقسم «فيديو لارماتان»، الذي ينتج ويوزع سنوياً 100 فيلم وثائقي أو إبداعي أو غير ذلك من مجالات الثقافة. وهناك باستمرار نحو 8000 شخص يكونون على «اتصال» مباشر بها، في كل يوم. وتعتمد لارماتان على اشتراكات مع الجامعات ومع منظمّة الفرنكفونية ولها حضور عبر شبكات المعلوماتية، في 21 بلداً إفريقياً، خاصّة تلك التي تتمتع اللغة الفرنسية فيها بتأثير كبير، كنتيجة للإرث الاستعماري.