يعتبر معرض "هافانا للكتاب" الذي يقام سنوياً في كوبا، من المعارض التي تتمتع بشعبية واسعة، حيث يستقطب آلاف القراء داخل جدران قلعة "المورو"، أما أول معرض للكتاب أقيم في كوبا فكان عام 1937 في أرجاء قلعة لا بونتا، وعلى الرغم من دعم الحكومة له إلا أنه لم يترك أي أثر في الحياة الثقافية في البلد حتى في هافانا نفسها.

 ويرجع السبب لضعف الحملة الترويجية والتغطية الإعلامية، وقلة مبيعات الكتب التي أغلبها لناشرين من إسبانيا والأرجنتين والمكسيك، مع ضعف القوة الشرائية لدى الشعب وفقدان الاهتمام بالقراءة، حيث كان اهتمام الناس يتمحور حول عملهم، وهكذا كان الفشل نتيجة حتمية لمبادرة المعرض. وهذا طبعاً، قبل أن يغدو درة إشعاع فكري، تزوره 30 مدينة في أنحاء البلاد.

أعيدت هذه المبادرة مرة أخرى عام 1950، واختيرت منطقة باسيو ديل برادو والحديقة المركزية، كمقر للمعرض. وأسوة بالمرة السابقة لم يترك المعرض أثره في المشهد الثقافي في كوبا، خاصة أن التعليم في تلك السنوات كان ضعيفاً. وشهدت الحياة الثقافية في كوبا نقلة نوعية عام 1959 بعد انتصار الثورة، وتأسيس ثلاثة معاهد تعنى بالتعليم والطباعة والنشر بعد مضي ثلاثة أشهر فقط.

وكان الهدف من تأسيسها طباعة وإصدار الكتب وتوفيرها للجميع بأسعار معتدلة، وتبع هذه الخطوة تنظيم حملة لمحو الأمية عام 1961، وبالتالي برزت شريحة واسعة من القراء بين العامة الذين باتوا يعتبرون الكتابة حاجة أساسية لوجودهم.

مناخ ثقافي

ساعد تأسيس دار كوبا الوطنية للنشر وتعزيز دور المعاهد المختلفة الثقافات، الكتّاب الكوبيين على نشر أعمالهم. وبذا أصبح المناخ لإقامة معارض للكتب إيجابياً بصورة نوعية. وأسهمت نهضة الصناعة الوطنية في منتصف الستينيات من القرن العشرين، في تهيئة الفرص لقراء متحمسين وبروز كتاب جدد أسهموا في نشر كتب في مختلف المواضيع.

وأضحت الحديقة المركزية، على مدى ثلاث سنوات في الستينيات من القرن الـ20، مقراً لمهرجان الكتاب الكوبي، حتى وإن لم يتمكن المهرجان حينها من الإقلاع كفعالية لها تأثيرها المباشر. وساعد إنشاء وزارة الثقافة عام 1976 في اتخاذ معهد الكتاب الكوبي القرار على إعادة محاولة تنظيم معارض الكتب، واحتفالات توقيع الكتب والبيع من خلال مبنى بلازا بين مركز أستوريان ومانزانا دي غوميز.

عندها فقط حققت المبيعات عائدات جيدة خاصة في مزادات الكتب والمنافسات الأدبية، وكانت الجوائز عبارة عن قسائم خاصة بشراء الكتب، قيمة الواحدة منها 100 بيزوس. وكانت القيمة الشرائية للبيزوس آنذاك، قوية، مقارنة باليوم، وذلك في مقابل الأسعار المنخفضة للكتب.

المطابع والكتّاب

هيأت معارض الكتب الصغيرة عام 1980، البنية التحتية لمعارض بمستوى دولي. وفي تلك الفترة، ظهر العديد من الكتاب الجدد الذي عرفهم القراء بفضل توفر المطابع التي كانت تكاليف الطباعة فيها زهيدة، بهدف الوصول إلى أكبر شريحة من القراء. وكانت كوبا في تلك الفترة متعطشة لمجلدات من الأدب المحلي والعالمي، والتاريخ والعلوم والتكنولوجيا، والأدب للكبار والأطفال والمراهقين.

وعليه فإن معرض هافانا الدولي للكتاب أقيم عام 1982، في قاعات العرض الخاصة بمتحف الفن الحديث، وكان إهداء المعرض للبطل الكوبي الكاتب جوزيه مارتي، والشاعر نيكولاس غيلين، والبلغاري جيورجي ديميتروف الذي كان رائداً في صناعة الطباعة.

وكان التمثيل للناشرين والضيوف والكتاب من أميركا اللاتينية متواضعاً. وبعد مضى عامين أقيمت الدورة الثانية من المعرض في بابيلون كوبا وفندق هابانا ليبر، بحضور أكبر لناشرين عالميين خاصة من إسبانيا والمكسيك.

على الهامش

أقيمت الدورة الثالثة عام 1986 في مركز المؤتمرات، لتقام الدورة الرابعة بعد أربع سنوات عام 1990 في بابيكسبون حتى سنة 2000، ومن ثم ينتقل مقر المعرض بعدها إلى قلعة سان كارلوس دي لا كابانا، التي أضحت مقره الرئيس حتى الوقت الحالي.

وخلال هذه السنوات، كان المعرض يتوسع ويكبر بطرق مختلفة، ليتحول من معرض متواضع لبيع الكتب في السنوات الأولى، إلى معرض يتمحور في كل دورة حول شعار ما ودولة كضيف شرف.

وغدت تتضمن فعاليات المهرجان جوائز للكتاب الكوبيين ولجان تحكيم، وقراءات ومحاضرات لأبرز الكتّاب الكوبيين والعالميين، إلى جانب معارض فنية وأمسيات موسيقية، وحفلات توقيع كتب، على هامش بيع الكتب. وأتاح السماح بدخول الدولار الأميركي في التسعينيات من القرن الـ20، دخول الناشرين الأجانب وبيعهم للكتب، وذلك بعد أن كانوا في السابق مجرد عارضين.

ثمار النجاح

ابتداءً من عام 2002، لم يعد معرض الكتاب الذي كان يقام في هافانا لمدة اسبوعين، حكراً على تلك المدينة، بل امتد إلى 30 مدينة في كافة أرجاء كوبا، من باكورة فبراير وحتى منتصف مارس. وجعلت هذه المبادرة المعرض أكبر تظاهرة وفعالية ثقافية تقام في كوبا. كما ساعد نقل مقر المعرض إلى قلعة لاكابانا في هافان، على استقطاب شرائح متنوعة من الجمهور، بدءاً من القارئ البسيط، ووصولًا إلى المتخصص.

كما أسهم المعرض في خلق حشد جديد من رواده من فئة الأطفال والمراهقين، مع إتاحة خيارات واسعة في الأدب لهذه الفئة العمرية. كان هناك انجاز لافت في المعرض في دورة عام 2012، إذ شارك فيه 260 كاتباً ومفكراً و600 صحافي ومتخصص من 41 بلداً.

كما حرصت دور النشر الكوبية على إطلاق عناوين كتبها الجديدة خلال المعرض باعتباره الأكثر جاذبية في الحركة الثقافية، إلى جانب بيع الناشرين الأجانب الكتب بأسعار مغرية، مدركين أن الشعب الكوبي الذي يتسم مستواه المادي بالاعتدال، متعلم ومثقف ومحب للمعرفة والاكتشاف.

وبات ادخار بعض المال على مدار العام شبه عرف بين العديد من الكوبيين، على أمل زيارة المعرض والخروج بأكياس محملة بالكتب التي تروي عطشهم المعرفي في الأدب والترفيه على مدار 12 شهر. وباتت مألوفة رؤية زوار المعرض يفترشون العشب الأخضر بجوار القلعة من القرن الثامن عشر ليستمتعوا بغنائمهم، مشهداً مألوفاً.

ثقافة وترفيه للعائلات جميعها

 وجه آخر من المعرض يشكل عامل جذب فيه، ذلك بعد تطويره وارتقائه منذ العام 2002، فإلى جانب الكتب والفعاليات، يتضح تعامل العائلة مع المعرض كنزهة ترفيهية، يتشارك فيها جميع أفرادها، حيث يمكنهم مشاهدة الطبيعة وأضواء المدينة، وتناول وجبتهم في أحد المطاعم التي تناسب مختلف الأذواق، وذلك مع توفر ساحة لألعاب الأطفال، وإمكان الاستماع إلى الحفلات الموسيقية في المساء، كما تشغل المصنوعات اليدوية حيزاً مهماً في تلك المعارض.

 الأدب والرواية سيدا الموقف

 كانت كـــوبا تطبع في العام الواحد، قبل انهـــيار الاتحاد السوفيـــيتي الذي كان يدعم صـــناعة الكتب فيها، 50 مليون كتاب، كـــما أنها باتت نشطة جداً في المجال، إذ أصدرت في العام الماضي 25 مليون كتاب، غالبيتها نصوص لكتاب محـــليين، نظراً لارتفاع ثمن شراء حقوق الكتب الأجنبية، كما طبعت في البداية، الأعمال الكلاسيكية بكميات ضخمة، بواقع 100 ألف نسخة من رواية بلزاك على سبيل المثال.

وبالمقابل هناك ترجمات الكتاب المـــعاصـرين النادرة، وتلـــقى الرواية وعــموم الأدب، رواجاً واسعاً بين القراء على خـــلاف الكتب السياسية التي يعلوها الغبار في محلات بيع الكتب.