هي أحد الطقوس الثقافية التي باتت لا تنفصل عن أجواء ومقدمات معظم الإصدارات الثقافية الجديدة.. ولم تعد تُفرِّق بين كاتب شاب وآخر مشهور له محبين وقراء. إنها "حفلات توقيع الكُتب"، المتجسدة، في قالبها وأنماطها، أخيراً، مثل احتفالية تُقيمها دار النشر الصادر عنها الكتاب، بحضور الكاتب، ذلك كنوعٍ من تقدير جهد المُبدع.

وليلتقي مع قراءه فيحصل من يشتري الكتاب على توقيع وإهداء بخط يد المؤلف، على نسخته. واللافت أنه، غدت حفلات توقيع الكتب، إحدى الوسائل التسويقية للكتاب؛ غاية زيادة مبيعاته، وتوسيع الاهتمام به من قبل القراء، عبر الاعتماد على وسيلة جذب تتمثل في توقيع كاتبهم المُفضل.. بلا بل إن بعضهم يظن هذا التوقيع يزيد قيمة الكتاب.

كان بارزاً، في الفترة الأخيرة، أن هذه الحفلات، شهدت تطوراً مهماً. إذ أصبح يعقبها ندوة يحضرها عدد من الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام.. إلى جانب المُهتمين بالشأن الثقافي؛ بهدف مناقشة الكاتب حول ما جاء في كتابه. وتدلل مجموعة من المثقفين على هذه التيمة والقيمة، لتؤكد رأيها في كون هذه الأنشطة تمثل وسيلة تحفيز وتقوية للحراك الثقافي في المجتمع.

اقتصادي بحت

يتبنى الشاعر عبدالمنعم رمضان، موقفاً مجافياً، بل مناهضاً لهذه العادة، التي استفحلت، أخيراً، في الوسط الثقافي. ويقول في الخصوص: "لم أقم بأية حفلات توقيع فيما يتعلق بكتبي، وربما يكون هذا موقفي من هذه الحفلات.. أذكر أنه صدر لي كتاب في بيروت عن دار الآداب، وعرضت عليّ الدار تنظيم حفل توقيع كبير، على أن تتحمل بنفسها، كل التكاليف، لكنني اعتذرت لأني لا أحب ذلك".

ويشير رمضان إلى أن انتشار هذه الحفلات، تزامن مع انتشار دور النشر الخاصة والصغيرة، مؤكداً أن دور النشر تتفق مع غالبية الكُتاب، على الطباعة، مُقابل مبالغ تتقاضاها من الكُتاب الشباب بالتحديد. وتحرص على إقامة حفلات التوقيع لإصداراتهم، حتى يقوم الكاتب الشاب بدعوة الأصدقاء والمعارف؛ لضمان شراء أول موجة من الكتاب، واصفاً هذا التصرف بأنه عامل اقتصادي بحت.

ويضيف رمضان: "إن انتشار هذه الحفلات لا يقتصر فقط على دور النشر الصغيرة، بل أصبحت نظيرتها الكبيرة، كدار الشروق، تهتم بإقامة هذه الاحتفالات، كونها غدت نوعاً من الدعاية ونشاطاً من أنشطة التوزيع في الوقت نفسه. ويوضح الشاعر المصري، أن العائد الذي تحققه هذه الحفلات للكاتب أو الأديب، ليس بالكبير، فهو لا يزيد على كونه احتفالاً بإصداره الجديد، ومحطة لالتقاء الأهل والأصدقاء، حيث يقرأ الشاعر بعض قصائده ويتواصل مع قرائه.

جسر تواصل

لا تتردد الكاتبة الشابة، شروق إلهامي (صاحبة عدد من الإصدارات الأدبية، من بينها مجموعة قصصية تحمل اسم "ساحة انتظار")، في التأكيد على كون حفلات توقيع الكتب، تُسهم في تعرف القراء على الكُتاب الجدد، حيث تتاح لهم فرصة التقاء الكاتب عن قرب، والتعرف على خلفيته الثقافية، وما وراء صدور هذا الرأي، وتلفت شروق إلى أهمية إجراء دعاية كبيرة في وسائل الإعلام؛ لتشجع الكُتاب الشباب، وتعلن عن أماكن ومواعيد إقامة هذه الحفلات، حتى يحضرها الجمهور فيشهد ميلاد كاتب جديد.

وتحكي شروق عن دور دار النشر في إقامة هذه الحفلات ومساعدة الشباب: "دور النشر لا تعترض على إقامة مثل هذه الحفلات، لكنها لا تسعى في كثير من الأحيان إلى إقامتها، ويقوم الكاتب بنفسه، بالاتفاق مع مكتبة ما لإقامة هذه الاحتفالية، على أن ترسل دور النشر، عدداً من النسخ للعرض أثناء حفل التوقيع، وهذا كنوعٍ من الدعاية والتوزيع".

وتتمنى الكاتبة الشابة، على الصحف اليومية، تخصيص مساحات جيدة على صفحاتها، للدعاية للكُتاب الشباب، موضحة أن هذه الدعاية أهم من الدعاية عبر الإنترنت؛ لأن قراء الجرائد هم من الجيل الأكبر، والذي ربما لا يتعامل مع الوسائل التكنولوجية، الأمر الذي يسهل بناء جسر من التواصل بين الأجيال، وتتعرف الأجيال الأكبر على فكر الشباب ومناقشتهم عبر هذه الحفلات.

وعلى صعيد دور النشر، يقول مدير النشر في دار الشروق للنشر والتوزيع، أحمد الزيادي، حول الموضوع: "تعود أهمية إقامة حفلات توقيع الكتب، إلى أنها تُمثل لقاءات مباشرة بين الكاتب والقارئ، وتُغطيها وسائل الإعلام". ويرفض الرأي القائل إن حفلات التوقيع تتخذ منحى تجارياً، وأن الهدف الأكبر منها الدعاية والتسويق لتحقيق زيادة في المبيعات، ولكنه في الوقت ذاته، يؤكد أن دور النشر، شأنها شأن أي عمل آخر، لابد أن تحقق مكسباً يُمكنها من الاستمرار.

طقس ثقافي عالمي

يؤكد عادل المصري، مدير دار أطلس للنشر وعضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين، أن حفلات توقيع الكتب باتت شيئاً مهماً، مُشدداً على أن هذه الظاهرة ليست بدعة ابتدعها المجتمع الثقافي في مصر، بل هي طقس ثقافي عالمي مُنتشر..

لا بل على العكس، فنحن متأخرون عن كثير من الدول في هذا الصدد. ويضيف المصري: "الكثير من كبار الكُتاب يحرص على إقامة هذه الحفلات للإصدارات الجديدة؛ رغبة من هؤلاء في مُقابلة جمهورهم والتعرف على آرائهم ووجهات نظرهم حول ما جاء في الكتاب. كما أن القارئ يرغب في التعرف على كاتبه المفضل، عن قرب، محاولاً معرفة تفاصيل تجربته الحياتية..

وكذا مرجعيته التي يستند إليها في بناء وإصدار أفكاره وآرائه، إضافة إلى تشوقه للاطلاع على وجهة نظر هذا الكاتب، في أمور وقضايا حياتية أخرى، ذلك بعيداً عن موضوع الكتاب. ولا بد أن ألفت، إلى أن عدد الحاضرين، في هذه الحفلات، يُمثل الدليل على مدى إقبال القراء على القراءة".

دليل على مدى نجاح الكاتب واتساع قاعدة قرائه

 يُشير نقاد وأدباء وناشرون، إلى أن إقبال أفراد الجمهور، على حفلات توقيع الكتب، بات مرهوناً باسم الكاتب (المؤلف نفسه)، فهناك حفلات تكون مُمتلئة عن آخرها وأخرى لا يحضرها سوى عدد من أقارب ومعارف الكاتب. ويشدد بحاثة في حقل السسيولوجيا الثقافية، على ضرورة الاستناد إلى هذه الظاهرة، للتصدي لواقع التردي الثقافي.. إذ إنها يمكن أن تمدنا بأدوات التحليل وبيانات العلاج. فنستطيع عندها، أن نبتكر ونعتمد آليات ترويج ودعاية للثقافة والكتاب.

ويستنكر البعض كون عدد من الأفراد يعمد لجعل منصة حفلات تواقيع الكتب، نافذة للمفاخر. إذ تركز قلة على شراء كتاب لتذهب إلى حفل التوقيع وتحصل على توقيع الكاتب، ذلك من دون أن تحفل بقراءة الكتاب. وتشدد الآراء في الصدد، على أن الكاتب يبيع فكراً لا لوحة فنية تحمل توقيع رسام مشهور سيتباهى الإنسان باقتنائها ووضعها على الحائط، فهي ليست مسألة للتفاخر، بل دليل على نجاح الكاتب وزيادة محبيه وقرائه.

 تقليد أوروبي غدا عربياً

 ظهرت هذه الاحتفالات في أوروبا، ثم انتقلت إلى العالم العربي عبر مصر، وذلك منذ أكثر من نصف قرن، حيث كانت مصر تشهد حراكاً ثقافياً كبيراً، ليس فقط لوجود أهم وأشهر الكُتاب، الذين عرفهم الوطن العربي في تلك الفترة، ولما كان يدور بينهم من سجال فكري وثقافي، ولكن لأن المجتمع ذاته كان مُقبلاً على القراءة والثقافة، وتشغله القضايا الفكرية والثقافية.. وكان الكاتب والروائي د. علاء الأسواني، قد ذكر أن عملاق الأدب العربي الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، كان يقف أمام الناشر الخاص به "مكتبة الأنجلو"؛ ليقف القراء صفاً ويحصلوا على توقيعه على النسخة التي اشتروها من أعماله.