صرح ثقافي تاريخي، أتى تتويجاً لجهد استمر أكثر من 150 عاماً. ذاك هو العنوان الأمثل والتوصيف الأبلغ لمكتبة جورج واشنطن التي فتحت أبوابها أخيراً: في الـ27 من شهر سبتمبر الفائت، أمام الجمهور، ذلك في مقرها ضمن بلدة واشنطن نفسه: ماونت فيرنون، المطلة على نهر بوتوماك في ولاية فرجينيا. ويهدف القائمون على هذا المشروع، إلى إعادة جمع المكتبة الشخصية للرئيس الأميركي الأسبق، الملقب بأبي الأميركيين:
جورج واشنطن (1732 - 1799)، بهدف أرشفتها والحفاظ على موادها من التلف والضياع. وكذا لتشجيع وتحفيز النقاشات والآراء، المتنوعة، حول الصفات الشخصية والقيادية للبطل العسكري البارز: جورج واشنطن، الذي ترأس حزباً يؤيِّد وجود رئيس قوي وحكومة مركزية، في أثناء الثورة الأميركية ضد الاحتلال البريطاني، التي اندلعت في أواخر القرن الثامن عشر.
وتمخض عنها، استقلال الولايات المتحدة عن الإمبراطورية البريطانية، ممهدة الطريق إلى قيام دولة جديدة، عصرية، أخذت في النمو والاتساع، الى أن أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية، القوة العظمى في العالم. وفي المجمل، تهدف المكتبة، في رؤيتها، إلى إعادة إجراء قراءة منصفة، في شخصية الأب المؤسس للولايات المتحدة، وفي تاريخه واعماله ومنجزه.
جهود وإمكانات
وصلت تكلفة بناء المكتبة، الى أكثر من 106.4 ملايين دولار. وجمع هذا المبلغ عن طريق صناديق تبرعات خاصة، انخرطت وشاركت في برامجها، هيئات كثيرة، تقدر بـ7000 جهة مانحة، بما في ذلك 38 مليون دولار من مؤسسة "دونالد دبليو رينولدز"، التي رعت العديد من المشاريع المتعلقة بجورج واشنطن، في السابق.
وكانت هناك جهود مميزة في السياق، لرابطة سيدات ماونت فيرنون المعنية بالمحافظة على المواقع التاريخية، كعادتها، إذ إنها لا تقبل أية أموال من الحكومة ببنائها، وشيد مقر المكتبة في بلدته الواقعة في ماونت فيرنون، المطلة على نهر بوتوماك في ولاية فرجينيا، ويمتد بناء المكتبة على مسافة تبلغ أكثر من خمسة وأربعين ألف متر مربع.
103 كتب
يمثل مشروع المكتبة، خطوة ذكية بناءة، على صعيد التوثيق والتأريخ الهادفين، لقائد التحرير والتأسيس في الولايات المتحدة الأميركية. إذ تتيح لأفراد الجمهور، الاطلاع على جميع ما يخص الرئيس الأول للولايات المتحدة الأميركية، من أوراق ووثائق. وذلك بعد 200 عام على وفاة جورج واشنطن.
تحتوي المكتبة على العشرات من الوثائق المهمة، والقطع الأثرية النادرة، التي تعود إلى الرئيس جورج واشنطن. ومن بينها، الملاحظات المكتوبة بخط اليد حول عدد من الكتب، مثل: "النظام الجديد للإدارة".
كما يوجد فيها 103 كتب من بين مجموع المؤلفات التي كان يملكها جورج واشنطن، البالغ عددها 1200 كتاب. وتضم المكتبة، إضافة إلى ذلك، أكثر من 2000 مطبوعة تعود إلى فترة تولي جورج واشنطن رئاسة البلاد.. كذلك تشتمل على مخطوطات ومواد إلكترونية عن حياة الرئيس السابق وإنجازاته. واللافت في نظام علم المكتبة، كونها تفتح المجال واسعاً لتعلم أشياء جديدة عن أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.
ملفات ومعلومات متنوعة
يتضمن مبنى المكتبة ثلاثة طوابق، تحتوي على مكتبة عامة فيها الآلاف من الكتب، وكذا المجلات والمواد السمعية والبصرية.. وغيرها من الملفات المتعلقة بجورج واشنطن وأعماله. كما يشتمل المبنى على ثلاث خزائن مجلدات نادرة، من بينها:
بعض ملاحظات واشنطن الخاصة ونسخته من "محاسن سويفت" التي ألفها الكاتب الساخر جوناثان سويفت في القرن الثامن عشر. وهناك، أيضاً، تقرير المزرعة من قبل ابن اخي جورج واشنطن، المؤرخ في شهر أغسطس عام 1780. وخصصت في المكتبة، غرفة لقراءة للمخطوطات. ويضاف إلى ذلك، قاعات المؤتمرات واستوديو البث ومقر للعلماء الزائرين.
رؤية
يؤكد القائمون على المكتبة، أن الهدف من إنشائها لم يكن مقتصراً على غاية عرض الكتب والوثائق، إنما أيضاً، لجعل الناس قادرين على قراءة جورج واشنطن وكيفية تفكيره.
وكذا معتقداته التي ربما أنها في بعض الأحيان بعيدة عن السياسة وعن الجانب العسكري. كما يلفت المعنيون، إلى أنه يرسم لمشروع المكتبة، هدف استراتيجي، يتجسد في تكوينها نظرة ثاقبة عن شخصية جورج واشنطن، والذي ينظر إلى سيرته كونها نموذج درس في الوطنية يتوجب على كل أميركي، التعلم والنهل منها.
قاعة وتماثيل
تتزين قاعة القراءة المطلة على الحديقة، ضمن مبنى المكتبة، بتمثال نصفي لجورج واشنطن، بالإضافة إلى خمسة تماثيل نصفية لشخصيات وطنية برزت إلى جانبه في تلك الفترة التي حددت مصير أميركا، من أمثال: بنجامن فرانكلين، توماس جيفيرسن.
وجدير بالإشارة، هنا، أنه كان قد كتب جورج واشنطن، في الثالث من إبريل عام 1797، في رسالة إلى صديقه جيمس ماكهنري، أنه في حاجة إلى مكان خاص لتخزين مستنداته الضخمة، والتي يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام. وتكشف لنا وثائق وإشارات، كثيرة، في الصدد، أنه كان أول رئيس للولايات المتحدة يعتزم تشييد مكتبة.
ولكنه تُوفيّ قبل إنجاز هذا المشروع. ولاحقاً، بعد عقود من الزمن، بدت رغبة واشنطن تلك، أشبه بقضية خاسرة، إلا أنه في عام 1848 بادرت مكتبة البحوث في نادي بوسطن الثقافي، إلى شراء معظم ما تبقى من كتب واشنطن. وبعد خمس سنوات، تأسست "جمعية جبل فيرنون للسيدات"، التي اعتنت، منذ تأسيسها، بتركيز جهودها على حفظ مقتنيات جورج واشنطن، وإعادة إنشاء مجموعته الشخصية. وكانت هذه الخطوة هي الأولى على طريق إنشاء المكتبة التي طال انتظارها.
برامج وندوات
يتفق باحثون ومعنوين، عديدون، على أن هذه المكتبة ستضطلع بمهام محورية بخصوص تاريخ وصورة الرئيس الأول للولايات المتحدة الأميركية، جورج واشنطن. ذاك بفضل برامج الندوات والخلوات للقادة السياسيين والعسكريين، التي من المقرر أن تنظمها. وكذا التجمعات الصغيرة والحلقات النقاشية المتخصصة.
وكان بارزاً، في السياق، تأكيد مدير المؤسسة، دوغلاس برادبورن في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز"، أن المكتبة بما تتضمنه من وثائق ومعلومات، مهمة، تفيد بحسم الجدل والتخمينات والتكهنات، وكذا قطع التلفيقات، الكثيرة، التي كانت تبرز منم قبل جملة مؤرخين. إذ إنها تدلل على كل ما يتعلق بالتاريخ الأميركي، وبتاريخ القائد العسكري والسياسي، جورج واشنطن، من خلال منهج علمي، قوامه الدليل الوثائقي التاريخي. وبذا فإنها تفي بغرض تصويب الكثير من المعلومات في هذا الشأن، وتصحيح ما هو مغلوط.
وتجد المتخصصة في التاريخ الأميركي، الباحثة ساندرا ترانش، أستاذة التاريخ في جامعة ويسكونسن، أن للمكتبة قيمة ودوراً مميزين، مشيرة أنها عقب زيارتها لها والاطلاع على محتوياتها العلمية، تثبتت من أنها ذات أهمية كبيرة في سياقات البحث التاريخي حول أميركا وجورج واشنطن، لما تشتمل عليه من التفاصيل الجوهرية.
مرحلة جديدة
ينظر كثير من المتخصصين، إلى مشروع المكتبة، كمرحلة جديدة، متخصصة ونوعية، في مجال الاعتناء بتراث جورج واشنطن. إذ إنه تنتقل بهذا، إجراءات وبرامج حماية موروث الرئيس الأول للولايات المتحدة، من "جمعية جبل فيرنون للسيدات"، التي تولت الأمر منذ عام 1853، إلى هيئة مستقلة متخصصة: مكتبة جورج واشنطن.
وهو الأمر الذي يوفر مستويات ومساقات بحث متنوعة، في خصوص جورج واشنطن، تفي بغرض منحه القيمة والمكانة اللتين يستحقهما، عبر الإضاءة الدراسية والبحثية المنهجية المعمقة، على منتجه وأعماله، بفضل ما توفره المكتبة، من مواد وإمكانات في هذا الحقل.
لمسات جمالية وروح معرفية
صمم مبنى المكتبة، المؤلف من ثلاثة طوابق، وفق نمط جماليات العمارة الكلاسيكية الجديدة، وزود برونق تزويقات هادئة وجاذبة، كللها وأذكى بهاءها، نوعية الحجر المستخدم في البناء، ذات الألوان الفاتحة. وتبدو المكتبة، في طبيعة تصميمها ورونقها إلى جانب محتوياتها، منارة أو درة جذب فكرية متكاملة.
6000 مخطوطة والدستور المشروح من قبل واشنطن
تحوز المكتبة الجديدة، قيمة فكرية وعلمية، تمثل معها، حجة عليمة تاريخية، تجزم وتحسم في الكثير من القضايا الجدلية، حول تاريخ أميركا وسيرة جورج واشنطن ذاته. فهي تضم وثائق غاية في المكانة والأهمية التاريخية. ويبرز من بين موادها: 2000 مادة من المنشورات في ذلك العصر، 6000 مخطوطة تاريخية، حوالي 12000 مادة متنوعة (من الصحف والأفلام المتعلقة بالرئيس السابق). وينظر إليها متخصصون كثر، على أساس انها هيئة مرجعية موسعة، تضم وتعكس اهتمامات جورج واشنطن، في الأدب والفكر والسياسة والقانون.
ومن بين الوثائق المهمة التي تضمها المكتبة، أيضاً، نسخة من القوانين الصادرة عن الكونغرس، الدستور الأميركي المشروح من قبل جورج واشنطن نفسه. إذ اشتريت هذه المواد في مزاد نظم العام الماضي، بتكلفة قدرها 9.8 ملايين دولار. وشملت مجموعة كتب واشنطن التي فيها: الموسوعات، وحدات التخزين، الشعر الزراعة، الأعمال الكوميدية والمسرحيات، كتب في السياسة والحرب.


