للعام الثامن عشر على التوالي، شهدت قرية شانسو بري لوش، وسط فرنسا، تظاهرة ثقافية فريدة من نوعها. إن هذه القرية الصغيرة الهادئة التي لا يتجاوز عدد سكانها مئة وخمسين نسمة، تستقبل منذ عام 1995 عشرات الآلاف من الزائرين من مختلف مناطق فرنسا، خلال يوم يوم الأحد الأخير من شهر أغسطس كل عام. وبات يمثل فعليا العيد الثقافي الشعبي للكتاب.

فلماذا يتوافد هذا الجمع الكبير من الفرنسيين إلى القرية الصغيرة ؟

هؤلاء يقصدون القرية، وجوارها القريب، للقاء العشرات، بل والمئات، من المبدعين والكتّاب والباحثين ورجال العلم الفرنسيين، الذين جاؤوا لتوقيع كتبهم وعقد الندوات واللقاءات والحوارات المفتوحة مع قرّائهم والمعجبين بهم بكل حرّية في «غابة الكتب»، لفترة يوم كامل تحت شجرة حور أو سنديان أو غيرهما من الأشجار الضخمة المنتصبة، منذ مئات السنين بجوار قصر «شانسو» في أجواء من الألفة والحبور ونقاشات في الأدب وغيره، من مشارب الإبداع والمعرفة.

نزهة الفكر والنفس

يستطيع الزوار، في رحاب «غابة الكتب»، بعد دخولهم مجانا لـ «الغابة»، أن يتنزّهوا في الممرات التي يتجمّع على طرفيها باعة الكتب، أو المشاركة في الغداء على العشب ـ وبأسعار مختلفة ـ على غرار أولئك الذين رسمهم ادوار مانيه في لوحته الشهيرة التي تحمل عنوان «الغداء على العشب»، أو ربما الذهاب إلى «المقهى الأدبي» في الهواء الطلق والاستماع هناك لقراءات المبدعين لبعض نصوصهم. وربما يحدث أن يحضروا عروضا مسرحية على «خشبة» من الخضرة.

«غابة الكتب»، هذا هو عنوان المهرجان الذي يلتقي فيه عشرات الآلاف من عشّاق الكتب، مرّة كل سنة في فترة نهاية العطلة الصيفية. وفي كلّ مرّة يجري اللقاء برئاسة أحد الكتّاب المشاركين. وهذه السنة ترأس تظاهرة «غابة الكتب»، عضو الأكاديمية الفرنسية، رونيه دو اوبالديا. وكان العديد من أعضاء الأكاديمية الفرنسية وأكاديمية جائزة الغونكور الأدبية الشهيرة، قد ترأسوا مهرجانات السنوات السابقة.

وتجدر الإشارة أن وراء تظاهرة » غابة الكتب» الكاتب غونزاك سان بري، المولود في قرية لوش والذي ترعرع في بلدة كلو لوسي دامبواز، التي أمضى فيها الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي أيامه الأخيرة.

سيرة وتطور

انطلق مهرجان «غابة الكتب» في العام 1995. وهو يتلقى مساعدة مقدارها 70000 يورو كل سنة، من مجلس محافظة اندر ولوار. وكانت إدارة مهرجان «غابة الكتب» قد تبنّت منذ عام 2008، شعار النضال ضد الأميّة. ونالت لمساهمتها في هذه المعركة، عنوان «القضية الوطنية الكبرى لعام 2013».

وكان لافتا في دورة المهرجان لهذا العام، أنه جرى تدشين لقاء السنة بـ»مسيرة الأطفال» عند الساعة التاسعة صباحا ليوم اللقاء، وذلك كنوع من التأكيد على استمرار معركة مكافحة الأميّة منذ خمس سنوات، تحت شعار مفاده، انه معيب ومخز أن يعاني من هذا الوباء المتمثّل بالأميّة، ثلاثة ملايين شخص في فرنسا الشهيرة.. انها «بلاد النور والأدب والمعرفة».

200 كاتب

بلغ عدد المدعوين هذا العام أكثر من 200 كاتب في مختلف المشارب والآفاق. بينهم روائيون وباحثون وكتّاب سيرة ومتخصصّون في أدب الأطفال، هذا إلى جانب العديد من نجوم السينما والمسرح والتلفزيون ورجال السياسة. ومن الأسماء التي حضرت إلى تظاهرة «غابة الكتب» لعام 2013، النجم التلفزيوني الشهير جان كلود نارسي الذي أدار ندوة ثقافية افتتاحية تحت عنوان «كتّاب رحّالة ومصادر إلهام متنقّلة وأسفار الكتابة».

وتحدث كل من المشاركين لمدّة عشر دقائق في الموضوع المحدد. وهذا تقليد سائد في المهرجان منذ تأسيسه.

وكان من بين الحضور من الوسط الفني والإعلامي، وليام لوميرجي، مقدّم برنامج «تلفزيون الصباح ـ تيلي ماتان». وحضر أيضا مقدّم البرامج التلفزيونية ميشيل دروكير والممثلة لين رونو، اللذان تحلّق حولهما عدد كبير من الزائرين، وطرحوا عليهما سيلا من الأسئلة، عن أعمالهما أو عن مشاريعهما الفنية المستقبلية. ويتبدى للمتابع، بجلاء، أن الوسط الفني كان حاضرا في جميع السنوات السابقة للمهرجان.

كما ان الموسيقى كان لها أيضا حضورها في القرية الصغيرة شانسو بري لوج. إذ حرصت مؤسسة «كرونونبورغ» على أن تركّز، مثل العادة، على كتب لها علاقة بالموسيقى . واختارت هذه السنة أن تشجّع كاتبا محددا، وهو نيلسون مونفور، مؤلف كتاب «قصة شارل ترينية»: المطرب المعروف شارل ترينيه.

وذلك كنوع من الشهادة التقديرية لصالح كاتب صحافي اهتم بمؤلف موسيقي ومغن عبقري يشكّل جزءا لا يتجزأ من التراث الموسيقي الفرنسي. وللإشارة، كانت تلك المؤسسة قد ساهمت بفاعلية في العام الماضي، في الندوة الثقافية الكبرى التي حملت عنوان «الثقافة والإبداع وتجارب التجديد بمواجهة الأزمة».

حضور رسمي

لم تغب فرنسا الرسمية عن «غابة الكتب» لهذه السنة، مثل عادتها في السنوات السابقة، حيث كان ستيفان لو فول، وزير الزراعة في الحكومة الفرنسية الحالية، من بين المشاركين في هذا «العيد الثقافي الشعبي للكتاب» . كما ان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند نفسه، وجّه تحيّة «لثقافة المشاركة التي تساهم في تشجيع الإبداع الأدبي وفي تنشيط الأرياف».

ضيف شرف

كتاب ومبدعون عديدون حلوا ضيوفا على المهرجان في دورة العام الحالي، ومن بينهم، الكتّاب سيلفان تيسون (الذي قدّم عدّة أعمال عن رحلاته إلى سيبيريا)، الروائية مازارين بينجو (ابنة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران)، الكاتب والفيلسوف رافايييل انتوفن، الكاتب اوليفييه ويبير، الكاتب جان فرانسوا (كان مؤسس مجلة «ماريان» وصاحب العشرات من الكتب).

وهذا إضافة إلى عدد كبير غيرهم، من الذين ساهموا في الندوات الثقافية التي نظّمها المشرفون على «غابة الكتب». إذ تعددت الحلقات الثقافية والفكرية والفنية والنقاشات في مختلف أرجاء المساحة المفتوحة لذلك، بعيدا عن الأطر الأكاديمية المعروفة . كما عمد الكتاب إلى «توقيع أعمالهم». وكان ضيف الشرف هذه السنة، عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، ادغار موران.

هذه السنة ، ورغم سوء الأحوال الجويّة، توافد على القرية الصغيرة حوالي 60000 شخص، قدموا للقاء «نجوم الموسم الثقافي الجديد». ولكن أيضا كي يتعرّفوا على العديد من الكتّاب الشباب أو المبتدئين في عالم الكتابة. وهذا ما يشكل أحد الأهداف الرئيسية لـ «غابة الكتب».

وهو الأمر الذي عبّر عنه رئيسها ومؤسسها، غونزاك سان بري: «يأتي الجمهور من أجل رؤية الشخصيات التي يحبها، ويقرأ لها لكنه يكتشف بالوقت نفسه، الكتّاب الشباب. وهذا يشكّل أحد أهداف التظاهرة». ويبرز أنه بعض الكتّاب الشباب يوقعون أوّل أعمالهم في عالم الكتابة، ضمن المهرجان.

«التيجان الخضر»

في نهاية فعاليات يوم المهرجان لهذا العام، وبعد تكريس عدّة ساعات من فترة بعد الظهر للحديث عن فكتور هوغو، ذلك بعد 210 سنوات على ولادته، و150 سنة على صدور روايته الشهيرة «البؤساء»، وزعت الجوائز «التيجان الخضر من شجر الغار لغابة الكتب»، بناء على اختيار لجنة محلّفين من عالم الثقافة والأدب. وذلك في مختلف مجالات الإبداع الأدبي والفني والفكري بشتّى تفرعاتها.

«عرض تمهيدي»

 يعد «غابة الكتب» مهرجانا سنويا شعبيا ثقافيا مجانّيا، ومفتوحا للجميع. وهناك عشرات المؤلفين يوقعون إهداء كتبهم تحت أشجار قرية شانسو بري لوش، لعشرات الآلاف من قرّائهم. وتكتسب هذه التظاهرة، التي بدأت بمبادرة شخصية وبكثير من التواضع، أهمية متزايدة، سنة بعد أخرى.

هذا إلى درجة أن «غابة الكتب»، أصبحت خلال عدّة سنوات فقط من انطلاقها، بمثابة «عرض تمهيدي وطني» قبل بداية عام جديد للنشاط الأدبي بعد نهاية العطلة الصيفية، على غرار عرض الأفلام على جمهور محدود قبل عرضها في صالات السينما على الجمهور العريض.

شهرة واسعة ومكانة رفيعة في عالم الكتاب

 طالما اهتمت الصحافة الأميركية والبريطانية، بمهرجان «غابة الكتب» على نحو لافت. ويبرز إطلاقهما عليه هذا العام، توصيفات شبه معها بـ » غليدينبورن للثقافة»، كإشارة لمهرجان غليدينبورن للأوبرا، الذي يقام في البلدة المذكورة في بريطانيا كل صيف منذ عام 1934.

ومن بين التوصيفات الأخرى: «وودستوك للأدب»، أي مهرجان وودستوك للموسيقى السنوي في ولاية نيويورك الأميركية. والمهرجانان المذكوران، لهما شهرة عالمية كبيرة، كل في ميدانه. وهكذا نتبين أن «غابة الكتب» أصبح لها شهرتها، أيضا، في «عالم الكتب».

الثروة الوحيدة في الأزمات

 الغاية الأساسية التي يلتقي حولها الحضور في المهرجان، «توقيع» المؤلفين لكتبهم. لكن الخلفية التي تقوم عليها التظاهرة تؤكّد أن «الثقافة هي الثروة الوحيدة التي تتعاظم في زمن الأزمة. والكتاب هو صديق يساعدكم على العيش»، حسب تعبير غونزاغ سان بري، مؤسس مهرجان «غابة الكتب».