تعد مكتبات أكسفورد من بين المكتبات الأكثر شهرة في العالم، ليس فقط لاحتوائها على مجموعات لا تُضاهى من الكتب والمخطوطات، ولكن أيضاً لجمال وعراقة مبانيها التي مازالت تستخدم بشكل متواصل منذ العصور الوسطى.

تتمتع مكتبة بودلين أو كما تسمى اختصاراً بين علماء جامعة أكسفورد (بودلي) بمكانة خاصة، وتعتبر المكتبة الرئيسية بين مكتبات أكسفورد، حيث تم افتتاحها للعلماء في عام 1602، ورغم ازدياد عدد المباني منذ ذلك الوقت إلا أن المباني القديمة ظلت سليمة ولا تزال تستخدم من قبل الطلاب والباحثين وتجتذب أعداداً متزايدة من الزوار من جميع أنحاء العالم.

تاريخ المكتبة

تشير الأدلة التاريخية إلى أن أول مكتبة تم تأسيسها في أكسفورد كانت في القرن الرابع عشر للميلاد بأموال قدمها توماس كوبهام أسقف وورستر، الذي توفي في العام 1327 قبل أن يكتمل بناؤها وكانت عبارة عن غرفة بالقرب من كنسية العذراء (سان ماري) وسط الجامعة، قريباً من المكان الذي تُلقى فيه المحاضــرات.

ومرت المكتــبة منذ ذلك الحــين بفترات ازدهار في بعض الأحيان، خاصة بعدما تبرع الدوق هامفري (شقيق ملك إنجلترا هنري الخامس) بمجموعة كبيرة من المخطوطات استلزمت أن تكون هناك مساحة أكبر لعرضــها وترتيـبها، فتقرر بناء مكتبة فوق كلية اللاهوت وكان ذلك في العام 1489، ومـا زالت هذه المكتبة التي تعرف باسم مكتـبة الدوق هامفري وتشكل الجزء الأقدم من مجمع بودلين.

إعادة الحياة للمكتبة

في القرن السادس عشر تدهورت الأوضاع في المكتبة إلى الحد الذي تم فيه بيع الكثير من أثاثها وضياع المخطوطات التي قدمها الدوق هامفري، واستمر ذلك حتى العام 1598، إلى أن عادت المكتبة مرة أخرى للازدهار بفضل مجهود السير توماس بودلين الذي عرض على إدارة الجامعة تقديم الدعم لتطوير المكتبة وإعادتها إلى سابق عهدها.

ولم يكتف بودلي بالدعم المالي بل قام أيضاً بتقديم كتبه الخاصة لدعم محتوى المكتبة واستمرت أعمال الترميم وتزويد الجامعة بالكتب والأثاث حتى تمت إعادة افتتاحها في 1602 تحت اسم «مكتبة بودلي»، وتوسعت المكتبة من ذلك الحين، وكانت أول عملية توسعة في العام 1610، ثم شهدت المكتبة توسعة جديدة بين العام 1634 و1637.

أنفاق بين الرفوف

في العام 1911 وبموجب قانون حقوق الطبع أصبحت مكتبة بودلين مركزاً قانونياً لإيداع الكتب التي تصدر في المملكة المتحدة، وقد كانت هنالك أعمال توسعة بين العام 1909 و1912 تمثلت في إنشاء مخازن للكتب تحت قاعة وساحة رادكليف، وبلغ عدد مجموع ما تحتويه المكتبة من كتب آنذاك أكثر من مليون كتاب.

وفي العشرينات برزت الحاجة إلى المزيد من المساحة لاستيعاب النمو المتسارع الذي تشهده، فبدأ في العام 1937 بناء مبنى بودلين الجديد مقابل مبنى كلاريندون، وتم الانتهاء من هذا البناء في العام 1940. وجاء متميزاً من ناحية التصميم الذي صممه المهندس المعماري السير غايلز غيلبرت سكوت، بطريقة مبتكرة حيث يضم أنفاقاً وممرا للمشاة وناقل كتب ميكانيكي.

قواعد صارمة للقراء

هناك تقليد متبع في مكتبة بودلين منذ القدم، حيث يتوجب على القراء الذين يدخلون إلى المكتبة أول مرة التوقيع على تعهد للمحافظة على مقتنيات المكتبة وعدم التدخين أو إشعال أي شيء داخلها والتقيد بجميع التعليمات التي تحددها المكتبة. وقد كان هذا التعهد يتم شفوياً في الماضي وما زال حتى اللحظة ممكناً لمن يرغب في أن يتلو هذا التعهد شفهياً أمام لجنة المكتبة.

ويفعل ذلك عند بداية الفصل الدراسي في جامعة أكسفورد ونص التعهد كان مترجماً إلى أكثر من لغة للسماح لغير الناطقين باللغة الإنجليزية أن يقرؤوه بلغتهم الأولى كي يتمكنوا من فهم قوانينها الخاصة.

وكان للمكتبة سياسة صارمة في ما يختص بحقوق التأليف والنشر، حيث كانت تمنع نسخ بعض المخطوطات الخاصة الموجودة في المكتبة، خوفاً من تعرضها للتلف لكثرة التداول. إلا أنه حالياً تم السماح بنسخ معظم المواد المنتجة بعد عام 1900، باستخدام الماسحات الضوئية والكاميرات الرقمية ويجوز أيضاً استخدام الكاميرات الرقمية مع المواد القديمة بشرط الحصول على الموافقة.

أقسام المكتبة روافد بحث وقبلة للدارسين

يتبع لمكتبة بودلين حالياً العديد من المباني، إضافة إلى 9 مكتبات حول أكسفورد مرتبطة بها، وهي: مكتبة بودلين اليابانية، مكتبة بودلين للقانون، مكتبة مركز الدراسات الهندية، مكتبة الدراسات الشرقية، مكتبة كلية الفلسفة، مكتبة ساكلر، مكتبة بودلين للدراسات الإفريقية ودول الكومنولث ومكتبة فير هارمسورث. وتشتمل مكتبة بودلين في الوقت الراهن على ما يزيد على 8 ملايين مادة تغطي مسافة 117 ميلاً من الرفوف ويبلغ عدد الموظفين في المكتبة 400.

وهي ثاني أكبر مكتبة في المملكة المتحدة بعد المكتبة البريطانية وما زال النمو المتسارع الذي تشهده المكتبة يشكل ضغطاً متزايداً للتوسع وزيادة مساحتها، حتى إنه يوجد ما يزيد على 1.5 مليون مادة خارج أكسفورد لعدم وجود مساحة كافية لوضعها فيها.

ويذكر أن المكتبة قامت بمسح معظم المواد ما قبل 1801 وإنشاء نسخ رقمية للمخطوطات الهشة الموجودة فيها كما وترتبط بعلاقة وثيقة مع «مكتبة أكسفورد الرقمية».

 مصادر كنوز بودلين

تحتوي المكتبة على أكبر مجموعات المخـــطوطات العـــربيةــ بأوروبــا تقــــدر بنحو 3000 مخطوطة، جلـــب أكثرها إدوارد بوكــوك (1604-1691) المــستـشرق البريطاني، وروبرت هنتنجتن (1637-1701)، والأستاذ المستشرق جوليوس (1596-1667)، وجيمس فيليب دورفيل، وجيمس بروس، وج.ب إليوت وغيرهم.