لم يتجاوز عمرها في الوسط الثقافي، الـ 13 عاماً، لكنها أضحت، مع ذلك، واحدة من كُبريات دور النشر المصرية وأكثرها ثراءً. تلك هي حال دار العين للنشر في مصر، التي حجزت مكانة مهمة في سلم التفوق والتميز ضمن الساحة الثقافية، بفضل إسهاماتها النوعية في الحقل..

وكذا بفعل انفرادها بعدد من السمات التي اختصرت المسافة بينها وبين القارئ الشغوف بإصداراتها. ومن بينها، أنها أسست لعلاقة جديدة بين الناشر والكاتب، فانصهرا في كيان واحد يربطهما الهم الثقافي المشترك، والرغبة في بعث الحيوية والخصوبة في أوصال الحياة الثقافية، إضافة إلى الحرص على انضمام القارئ إلى هذه الأسرة الثقافية، من خلال صالون ثقافي شهري يتيح للقراء اللقاء المباشر مع كتَّابهم والنقاد المبدعين لمناقشة إصدارات الدار. إنها باتت، بحق، وكما يجدها كثير من المتخصصين، عين الثقافة وعنواناً للخصوبة والحيوية في المجالات الفكرية والمجتمعية العامة.

حرص القائمون على "العين"، منذ البداية، على أن تكون إصداراتها، عيناً ترى حاجة القارئ العربي المعاصر، وتواجه أهم الأسئلة التي تطرحها جهود تنمية الفرد والمجتمع، مع ربط هذا الفكر بواقعه.. منطلقةً من قيم أساسية عدة، أهمها:

الانتصار لحرية التعبير وتشجيع الأقلام الواعدة الجادة، احترام الملكية الفكرية، احترام عقل وذائقة القارئ من خلال العناية بإخراج الكتاب في شكل رصين وجذاب وإنتاجه بأقل سعر ممكن، إرساء علاقة فاعلة مع دور النشر الأخرى لا تحول فيها المنافسة الشريفة دون إمكانية خلق فرص التعاون المثمر لصالح النهوض بالثقافة العربية.

ولا تغفل الدار أيضاً، في السياق نفسه، تأكيد قناعة راسخة مفادها أن الكتاب المطبوع سيظل له دوره الحاسم في نشر الثقافة، مع السعي إلى النشر الإلكتروني، جنباً إلى جنب، بصورة متدرجة ومدروسة.

تنوع

اهتمت الدار، طوال 13 عاماً، بتحقيق رسالتها وأهدافها، بشكل نموذجي، متوخية في ظل ذلك، تبني أدق معايير العمل، وتوسيع رؤاها وطموحاتها. فكان أن أصدرت العديد من الكتب في مختلف المجالات، واستطاعت أن تنجو من أخطاء وقعت فيها كبرى المؤسسات الثقافية، متجاوزة بفضل حكمة الرؤى ونهج التخطيط المدروس، الوقوع في مطبات غيرها، من خلال التركيز على الاهتمام بالأدب والفنون وإهمال المجالات الأخرى التي تهتم بالعلوم الطبيعية والتكنولوجية.

لم يقتصر اهتمام دار العين على ما تقدمه من مضمون جاد ومفيد للقارئ، بل حرصت على أن يخرج هذا المضمون بشكل جذاب، تحولت معه أغلفة الكتب إلى لوحات فنية تبهر العين، كما يبهر المضمون العقل، وأولت دار العين عناية خاصة للتعاون مع دور النشر المختلفة في مصر والعالم العربي؛ بهدف تشكيل تكامل معرفي يستفيد منه القارئ العربي، واعتنت في الاهتمام بشكل موسع، بترجمة الكتب الصادرة عن دور النشر الأجنبية.

الجسد الثقافي

تشير رئيس دار العين للنشر والتوزيع، د. فاطمة البودي، إلى أن إصدارات الدار منذ العام 2013، بلغت حتى الآن 57 إصداراً في مختلف المجالات، ما بين الشعر والقصص القصيرة والروايات، إلى جانب الكتب الفكرية، لافتةً إلى أن هذه الإصدارات هي لكُتّاب مصريين وآخرين، من ست دول عربية، واصفةً إياهم بأنهم من أهم الكُتَّاب في الوطن العربي، إضافةً إلى الشباب الواعد، في مصر وفي البلاد العربية.

وأكدت فاطمة البودي، أنها اتخذت قراراً، منذ ثورة 25 يناير، بعدم إصدار أي كُتب تتناول الثورة المصرية، مبررةً ذلك بأن ملامحها لم تتضح بعد، ومشددةً على أن مثل هذه الإصدارات تتطلب مزيداً من الوقت. وأضافت في حديثها إلى "البيان": "دائماً ما تحتاج الأحداث الكبرى إلى وقت كبير لهضمها، ومن ثم الكتابة عنها.. ونحن، بحكم سياسة عمل الدار، التي لا تهتم بإصدار الكتب لأجل المنافسة مع دور النشر الأخرى".

تحكي فاطمة البودي، عن نوعية الكتب التي يطلبها الجميع في الوقت الحالي: "الكتب التي يتجه الناس إليها، حالياً، هي كتب التاريخ، خاصةً التاريخ الحديث، وكذلك كتب الاجتماع والسياسة والروايات التي ستظل في المقام الأول في هذه المرحلة". وتختم حديثها: "سنظل على قناعتنا بأهمية أن يصبح الناشر والكاتب والقارئ في كيان وبوتقة واحدة تنصهر معاً؛ ليستفيد منها الجميع، وتمد الجسد الثقافي بالحياة والطاقة الدائمين".

جسر

كان العام 2000، نقطة الانطلاق في تأسيس دار العين للنشر، ولأنه عام مميز في تاريخه ومدلوله نحو المستقبل والحداثة، جاء إطلاق الدار بناءً على اعتبارات محورية لجعلها بمثابة جسر تواصل يجمع القائمين عليها، مع كتابها وجمهور قرائها، ولهذا لجأت الدار إلى تدشين موقع إلكتروني يكون نقطة ارتكاز لدعوة الكتاب المتميزين المشهود لهم بأصالة الفكر وبراعة التناول.

 تعاون مع كبار الكتّاب واستقطاب الأدباء الشباب

 ولدت دار العين كمُنافسة قوية، لمؤسسات لها تاريخ طويل في الحياة الثقافية، إذ أدركت أن التعاون مع كبار الكتاب والأدباء ممن لهم فكر وباع طويلة في عالم الثقافة، أداة من أهم الأدوات في الانتشار وجذب القراء من مختلف أنحاء الوطن العربي، إلى الأعمال الصادرة عنها، إلى جانب الاستعانة بالجيل الجديد من المؤلفين والكُتّاب الشباب؛ تشجيعاً لهم ومحاولة منها لإشباع الاحتياجات الفكرية والثقافية لعشاق القراءة.

ذلك لإيمان القائمين عليها بضرورة تنمية وتطوير فكر الفرد والمجتمع مع ربطه بالواقع الذي يحياه. وبناءً على تلك المعايير، رسمت دار العين، خريطة جديدة لتوجهات النشر في الساحة الثقافية، صاغت معها مفهوم اللقاء والتواصل والانفتاح في عوالم الفكر والكتاب، بين مصدري الفكر العريقين، ومن يخطون في مشواره خطواتهم الأولى، وكذا قربت هؤلاء جميعاً من القراء.

ويلحظ المتتبع لأنشطة الدار ومحطات تطورها، أن هذا الاتجاه الذي عملت وتعمل به، بات يحقق لها نجاحات نوعية في الحقل، وغدا يكسبها قيمة وأهمية كبيرتين لدى الكتاب والقراء.

ويتبدى جلياً، أن التزام الدار بتلك المبادئ، جعل منها وجهة حيوية يقصدها الجميع. وهكذا فإنها تحظى بإقبال شريحة كبيرة من الكتاب للنشر عن طريقها. ومن بين آخر إصدارات للدار، ديوان جديد بعنوان "حطب لا تشتهيه النار" للشاعر عمر علوي ناسنا، فضلاً عن كتاب "نوافذ " للكاتب محمد حمدان بن جرش السويدي، وكتاب "ولدن" ديفيد هنرو ثورو- ترجمة هالة صلاح الدين.

 مصطفى الفرماوي: مؤسسة رائدة ومؤثرة في الوسط الثقافي

 من جهته، يؤكد مدير عام مكتبات دار الشروق، مصطفى الفرماوي، أن دار العين للنشر والتوزيع من الدور الجديدة في الوسط الثقافي، إلا أنها استطاعت التأثير في الوسط الثقافي والنجاح في وقت قصير، مشيراً إلى أن رئيسة الدار، د. فاطمة البودي، هي من الشخصيات شديدة الاحترام، والحريصة على أن يكون للدار إصدارات جديدة تتميز بموضوعاتها القيمة، وتتعاون مع كُتّاب أصحاب قامة عالية، في مصر والوطن العربي، وهو ما جعل إصداراتها إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية".

وحول التعاون بين دار الشروق ودار العين، يقول الفرماوي: "دار الشروق تتعاون مع عدد كبير من دور النشر الجادة، وفي مقدمتها دار العين، إذ نحرص على عرض إصداراتها لدينا.. وفي حالة تعاملنا مع الكُتّاب أنفسهم، على سبيل المثال: د. عمار علي حسن الذي تتعاون معه دار العين ودار الشروق أيضاً، نحتفل بإصداراتنا له. ونطلب من دار العين أن تشاركنا الاحتفال من خلال عرض الكتب الصادرة عنها له، فالمصلحة هنا متبادلة؛ ذلك كي نحقق استفادة مشتركة للدارين ونخدم الوسط الثقافي والقراء.