لم يمض العام 1953، على الناشر والمترجم اللبناني، سهيل إدريس، من دون أن تختمر لديه، كافة تفاصيل إنشاء مجلة أدبية تحقق له أحلامه وأهدافه، على الصعيد الفكري والوحدوي والإنهاضي والتنويري، في العالم العربي. إلا انه لم يقف عند تلك الحدود، فمشروعه الرؤيوي الفكري، كانت تحركه وتذكيه ذخيرة وشعلة أفكار، ربما لن يكفيها منفذ واحد.
وهكذا توج حضوره المؤثر، في ساحة الفكر والإبداع، بعد ثلاث سنوات فقط، بإنشاء دار نشر الآداب، والتي غدت، كما يجدها متخصصون، عنوانا للحرية المسؤولة في عالم الفكر والنشر.. وكذا، استقرت روحا حيوية لفعل " دمقرطة النشر " عربياً.
عمد سهيل إدريس، إلى إطلاق "مجلة الآداب"، التي كان قد بدأ يخطط لها منذ مرحلة دراسته الدكتوراه في الأدب العربي في جامعة السوربون في باريس.. فهناك كان يلتقي مجموعة مثقفين عرب، تشَاَرك معهم الأحلام ذاتها. وكانوا سوريين وعراقيين ويمنيين، كما احتكّ بالمثقفين الجزائريين والمغاربة.
مجلة وصدى
ولدت "مجلة الآداب"، في حلة ومضمون، بهيين فريدين، فبرزت، من بداياتها، منوّعة وغنيّة. ونجحت في أن تحقق صدى كبيراً في السنوات الأولى لنشأتها. وبات لا يمكن لأي عربي، أن يقتنص لقب شاعر أو كاتب، من دون أن يكون قد نُشر له شيءٌ في مجلة الآداب. وبذا غدا يعني النشر فيها، شهادة في الإبداع والتميّز!
لكن، وفي العالم 1956، وعلى الرغم من تفوّق المجلة، لم يكن هذا ليروي ظمأ سهيل إدريس أو يناغم مستوى طموحاته، إذ كان يُحبّ أن ينشر مسرحيات وروايات، متنوعة ومتعددة، وهو لم تكن تتسع له أية مجلة. وأيضاً، حينذاك، كان قد كتب روايته "الحي اللاتيني"، التي تتناول صراع الحضارة بين الشرق والغرب، ومعنى أن يغرم عربي بغربيّة.
ومن ثم كيف ينتمي (ذاك المحب) بعدها، إلى وطنه العربي. لذا فكّر سهيل إدريس بتطوير المجلة، وتطوير مشروعها إلى دار نشرٍ، مع الإبقاء على صدور المجلة. وهكذا أنشأ دار الآداب في العام 1956. وهو ما يعني، أن الدار تلك كانت ابنة المجلّة ووليدتها، والعكس صحيح، ذلك كون الدار عادت لاحقاً فدعمت المجلة ماديّاً، عندما ضعُفَ في العالم العربي، موقف المجلات الثقافية. ولا تزال الدار، إلى هذه اللحظة، تدعم المجلة، التي أعلنت، أخيراً، عن إيقاف صدورها ورقياً.
اقتصرت الإصدارات الأولى لدار الآداب، على كُتّاب المجلة، إذ كان هناك تركيز كبيرٌ على الشعر في حينها، خصوصاً أن مجلة الآداب حملت مع أحلامها التحررية، لواء نشر الشعر الحر، أي ذاكَ الذي تحرّر من البحور والقوافي، لذا بدأت دار الآداب، نشر دواوين لكل من: بدر شاكر السياب، نزار قباني، نازك الملائكة..
ومن ثم صار هناك تركيز على الرواية المترجمة، لأنه، ورغم محاربة سهيل إدريس للنهج والتوجه الاستعماري لدى الدول الغربية، إلا أنّه كان منفتحاً على الثقافة العالمية التي تشرّع الأبواب أمام العرب، للتعرف على حضارات مختلفة. وبذا ترجمت دار الآداب، أعمالاً للفيلسوف جان بول سارتر، أنجزها سهيل إدريس بنفسه. وكذا لـ: ألبير كامو وسيمون دو بوفوار وفرانسوا ساغان. وغير ذلك الكثير من الأعمال .
واحة الشعر
اهتمت دار الآداب، إلى جانب الشعر، بالرواية، فنشرت أعمالاً لروائيين عرب مهمين، أمثال: توفيق يوسف عوّاد، غادة السمّان، جبرا إبراهيم جبرا، حنا مينا. كما اعتنت الدار بكتَّاب جدد، يافعين، آنئذ، بدأوا مشوارهم مع الرواية العربية، منهم: إلياس خوري.
واستمرت الدار، إلى يومها هذا، تركز على الرواية العربية كنوع أدبي، يجسد داخله أنواعاً أدبية مختلفة ومتنوعة، فمثلاً تنطوي تحت غطاء الرواية: السيرة الذاتية، القصص القصيرة، الشعر، الفلسفة، التاريخ، علم النفس (ضمن الرواية السيكولوجية). ولافت أنه لا تزال دار الآداب، تضع الرواية في قمة اهتماماتها.
وقدم الدكتور سهيل ادريس قاموسا مهما، هو "المنهل". من غير أن يدري حينها، أن المردود المالي لهذا الكتاب، سيكون ضخماً.. وسيغطي كل خسارات الدار من الإصدارات غير الرائجة، التي كان ينشرها إدريس، رغم معرفته أنها لن تحقق مبيعات كافية، لكنه كان يُقدم على هذه الخطوة، كونها ضرورية لمشروعه التنويري، في النقد والشعر والرواية العميقة.
كما كان سهيل إدريس قد شرعَ بتنفيذ معجم عربي - فرنسي، لكنه توفي قبل أن يكمله.. وتعمل عليه حالياً زوجته. فهي أيضاً مثقفة ومترجمة، وكانت قد ترجمت كتباً لكامو عن الفلسفة العبثية. وأدت دوراً في نشأة الدار. وبعد غياب سهيل إدريس، أصبحت هي مستشارة الدار في قضايا كثيرة، ويصفها كثيرون أنها متفانية في عملها.
إصرار
ربما يتساءل البعض، إن كان سهيل إدريس، في خضمّ الضغط المادي، قد شعرَ بالندم لإطلاق إصدارات لا تعود عليه بالمنفعة، لكن الحق يقال. إذ إنه لم يندم يوماً على ذاك، كونه عرف جيداً، مبتغاه وطريقه. فغايته الأساسية، لم تكن التوجه إلى الذوق العام، بل إلى النّخبة. وبذا لم يسمح يوماً أن ينشر كتب طبخ أو أبراج أو تنجيم. ودائماً، اختار الانتصار إلى قيم ورؤى الفكر الرامية إلى تحرير الإنسان العربي.
طلب سهيل إدريس من ابنته، رنا إدريس، في العام 1985، والتي كانت تدرس علم الأنسنة في نيويورك، حينها، أن تنضمّ إليه لتقف بجانبه في أعمال الدار، ذلك بعد أن شعر بالإرهاق. وكان قد عمد إلى استدعائها، بشكل خاص، رغبة منه في ضخ دماء جديدة في الدار، والتي أصبحت مشروعاً عائلياً؛ ولبّت رنا دعوة والدها، كما استقدمت معها عشقها للآداب الأجنبية، خصوصاً اليابانية.
لذا، فحين أعطاها والدها البطاقة الخضراء لتعمل في الدار، عمدت رنا إدريس إلى ترجمة سلسلة روايات من الأدب الياباني. وكانت دار الآداب الأولى التي تترجم روايات يابانية، منها: "كواباتا"، "ميشيما". وجدير ذكره هنا، أنه اندفع سهيل إدريس في هذا الركب، فترجم كتاباً لكواباتا، ليعطي ابنته الدّفع المطلوب.
ووصل عدد الروايات المترجمة إلى أربع عشرة رواية.. أما الهدف من ترجمة الأدب الياباني، فلم يأت من العبث، بل لأنه وحسب تصوّر رنا إدريس، نجح اليابانيون في أن ينخرطوا ضمن عجلة التكنولوجيا والتطور، من دون أن يخسروا إرثهم وعاداتهم وتقاليدهم.
إسهامات وتحسين
استحدثت رنا إدريس، مع وصولها من نيويورك إلى لبنان، قانوناً جديداً في العمل ضمن الدار، بموافقة والدها، يقضي بأنه ليس من الديمقراطية، أن يوافق الأخير أو يرفض (أبوها: سهيل إدريس)، وحده، المخطوطات التي يجب أن تنشرها الدار. وهو ما كان يفعله طوال الـ25 عاماً الماضية. لذا توصلا معاً إلى قرار ديمقراطي للنشر، مفاده تأسيس لجنة قراءة، وهو ما سميَ لاحقاً بـ "دمقرطة النشر في دار الآداب" وهذا حدث في العام 1985.
وكي تنشر دار الآداب مخطوطة ما، يجب أن يوافق عليها الأعضاء الثلاثة في لجنة القراءة، وفي حال اختلفت آراؤهم، كان يتدخّل سهيل إدريس، قبل وفاته. لكن رنا إدريس، حالياً، هي من يتولى حسم القرار.
إلا أن الدار تعترف بأنها تنشر فقط ثلاثة بالمئة من المخطوطات التي تصلها. وهو ما يعادل 35 رواية تقريباً في العام، إذ تنتقيها من بين مئات الروايات، وأحياناً تضطرّ الدار إلى توسيع لجنة القراءة للّحاق بهذا الكم الهائل من المخطوطات التي تردها، والتي تعود وترسل إلى أصحابها، تقارير مفصلة، توضح فيها الأسباب التي منعتها من نشرها، لأن الدار في النهاية، تحاول أن تدعم اللغة العربية والكتّاب على أنواعهم.!".
مكتبة إلكترونية ومشروع تنويري
تمثل دار الآداب، مشروعاً فكرياً تنويرياً. إذ أثرت الساحة الثقافية العربية، بعشرات المؤلفات، العربية والأجنبية. وقدمت مجموعة مؤلّفين وكتاب. ولديها أرشيف هائل، منذ العام 1953، يزخر بالإبداعات الفكرية، في شتى الحقول. ويحضّر أصحابها، حالياً، الجيل الثالث من أبناء آل إدريس، ليستلموا راية الدار ويكملوا مسيرة الرسالة التنويرية. كما أنهم يستعدّون، في نهاية الربيع المقبل، لإطلاق مكتبة إلكترونية خاصة تواكب الكتاب الإلكتروني.
«الآداب» وأحلام مستغانمي حكاية قرب وفراق
تحكي رنا إدريس، عن الأسباب التي دفعت أحلام مستغانمي (كانت دار الآداب أول من نشر أعمالها)، إلى التعاون مع دار أخرى، في أعمالها الجديدة: "الأسود يليق بك": "هناك دار فرنسية طلبت من أحلام أن تنشر روايتها لديها. ووعدها القائمون عليها، أن يساعدوها على الانتشار العالمي، وليس فقط العربي. وهكذا فإنهم أغروها بأموال لا يمكن لدار الآداب أن تحتملها.
«المنهل».. جدوى ثقافية ومادية
صدر، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كتاب- قاموس، أصبح العمود الفقري لدار الآداب. ألّفه سهيل إدريس، من غير أن يدري حينها، أن المردود المالي لهذا الكتاب، سيكون ضخماً.. وسيغطي كل خسارات الدار من الإصدارات غير الرائجة، التي كان ينشرها إدريس، رغم معرفته أنها لن تحقق مبيعات كافية، لكنه كان يُقدم على هذه الخطوة، كونها ضرورية لمشروعه التنويري، في النقد والشعر والرواية العميقة.




