فتحت ثورات الربيع العربي الباب على مصراعيه أمام الكُتَّاب والأدباء؛ لإعادة التعبير عن واقعهم مُجدداً، ومن ثم صياغة نظرتهم إلى المشهد المصري. كما أوجدت آفاق إبداع، مغايرة؛ للحديث عن مُصطلحات جديدة أفرزتها الثورات العربية.

وذلك تزامناً مع "ثورة موازية" عبر وسائل الاتصال والتكنولوجيا المختلفة، في ظل انتشار المدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أتاحت فرصة حيوية أمام الكُتَّاب الشباب الذين أشعلوا فتيل الثورات، ويواصلون إيقاد جذوة صحة مسارها، ليبدأوا في استغلال موهبتهم في الكتابة؛ فيعكسوا موقفهم ويجسدوا آراءهم.

وهكذا راح هؤلاء يكثفون نشر إبداعاتهم في مدوناتهم الشخصية عبر الفضاء الإلكتروني، مستفيدين منها كحل نموذجي في وجه ومقابل الكلف المادية الكبيرة للنشر الورقي، تحديداً بفعل الأزمة الاقتصادية التي عصفت بجميع المقومات.

لكن الشباب من هذه الفئة غدوا يتخبطون في دوامة تيه لا يلقون معها أي حوافز وأطر تشجيع ودعم. فهم لا يصنفون، بينما ليس لديهم كتاب مطبوع، كأدباء، إلا أنهم غزيرو الإنتاج الأدبي، ويحظون بشهادات تقدير وإشادة من أدباء مبرزين يصنفون كتاباتهم في خانة الميز. وهكذا فإنهم يقبعون بين حواف تصنيف وتوصيف مقلق: "أدباء مع وقف التنفيذ". فما الحلول الممكنة لجعل هؤلاء يحظون بما يستحقونه من مكانة وتقدير؟ وكيف يمكن تقديم المعونة لهم؟ وأي الجهات صحبة المسؤولية والمعنية في الخصوص؟

دراسات كثيرة، تنجزها مؤسسات وبحاثة متخصصون، أخيراً، تعنى بالإضاءة على ماهية الظاهرة الأدبية المستجدة، المتمثلة في لجوء الكُتاب الشباب إلى فضاء الإنترنت الرحب، كمخرج ومنفذ حيوي لنشر أعمالهم الأدبية من دون تحمل تبعات وأكلاف مادية، ذلك خاصة في مناخ الأزمة الاقتصادية التي لا تكل عن عكس إفرازات متنوعة، معرقلة ومكبلة.

وهكذا نتبين أنه أصبحت أعمال الأدباء الشباب تستقر في مساحات مدوناتهم المجانية على الشبكة العنكبوتية، وكذا صفحاتهم الشخصية عبر الـ "فيس بوك" ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي؛ ليخترقوا بذلك حدود الوسائل المتاحة، ويخلقوا وسائل أخرى للتعبير عن ميلاد جيلٍ جديدٍ من الأدباء، لكنهم مغبونون ومهضومو الحقوق.

كما يؤكدون وطبقاً لما يوضحه باحثون في الحقل، إذ ظلّ كثير منهم، أسير الإنترنت، ولم ينجح في الحصول على فرصة الخروج منه إلى "الورق"، والذي يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً، بسوق الكتابة وبالمشهد الثقافي، رغم انتشار وسائل الاتصال وكتابات الإنترنت.

شروط

يختار الشاعر المصري محمد آدم، في حديثه عن رؤاه إزاء هذه الظاهرة أو القضية الأدبية: "لا يوجد فرق بين كاتب شاب أو آخر غير شاب، وكذا بين كاتب يقدم نتاجه عبر الكتب وسواه الذي يجسد منتجه وفكره وإبداعه من خلال صفحات ومواقع الإنترنت..

أو ما إلى ذلك. فالكتابة هي الكتابة، والكاتب الناجح هو من يمتلك تجربة ولديه وعي ومعرفة، وهناك من (يُقلد).. وأرى أن الإبداع ليس تقليداً أبداً. وعليه، فإن هؤلاء الشباب لا ينبغي أن ننتقص من مستواهم، ويجدر أن ننصفهم في تقييم مستواهم على أساس ألا نبخسهم حقهم كمبدعين، ذلك أياً كان منفذ وشكل تجسيد إبداعهم".

ويضيف آدم: "الكتابة جهد دؤوب ومستمر، ولا يمكن لكاتب أن يدعي أنه بلغ مرحلة النضج، كما أنه لا يمكن وبأي حال من الأحوال، أن يدعي كاتب ما، أنه وحده من يمتلك قمة الكتابة؛ فجوهر الثقافة الحقيقي يكمن في الاستمرارية والتداخل بين الأجيال وتطورها، كما أن جيل الشباب لابد أن يتعلم من الجيل الأكبر سناً منه، الذي أضاف إلى الثقافة الكثير، ومنهم على سبيل المثال: صلاح عبدالصبور وعبدالقادر القط.

وغيرهما من جيل العظماء. وإذا كانت مصر تعيش، حالياً، مرحلة تحولات كبرى، فإن ذلك يعني فتح المجال أمام كتابات إبداعية مرماها إعادة صياغة الواقع أمام جيل الشباب وسواهم، ذاك في ظل التطورات التكنولوجية الحالية".

ملتقى أدباء الظل

يدخل الكاتب الشاب أحمد عبدالعليم، صاحب رواية "عبقرية الشر"، إلى عمق التفاصيل حول القضية المطروحة، شارحاً تسلسل وتتابع أشكال الإبداع ومنافذه، من خلال الشبكة الإلكترونية. إذ يحكي عن ذلك: "أعتقد أن المدونات كانت ملتقى رائعاً لأدباء الظل، غير المشهورين، ذلك حتى انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي..

فسحبت البساط بشكل كبير من المدونات والمدونين، من دون أن يعني هذا، اختفاء المدونات؛ لأنها لا تزال موجودة ومؤثرة، ولكن كثيراً من المدونين التجأوا إلى إيجاد صفحات خاصة بهم على تلك المواقع الاجتماعية، مثل: الـ"فيس بوك"، باعتبارها وسيلة وآلية أيسر وأفعل، في الوصول إلى الناس.. وعدد كبير ممن تركوا مدوناتهم ونشروا أعمالهم على الـ«فيس بوك»، اتجهوا إلى النشر الورقي؛ كون صفحات هذا الموقع باتت تشارك في صناعة جماهيرية للكاتب.

يتطرق عبدالعليم، في تناوله جوانب المسألة، إلى حيثية لجوء كتاب شباب إلى الإنترنت كبديل وموئل، في مواجهة وبسبب صعوبة النشر الورقي وتكاليفه: "لا شك أن هذا العامل (الكلفة المادية المرتفعة للنشر)، جوهري ومؤثر بشدة في صلب القضية.

وهناك جملة ارتباطات وتشعبات للأمر، يتقدمها حقيقة إبداعية مفادها أن الكاتب الذي يبحث عن تحقيق رسالة، لا ينتظر أو يسعى إلى عائد مادي، وفي حالة النشر عبر الإنترنت فإن الرسالة تصل إلى الناس وفي صيغة ووجهة انتشار واسع. فالنشر الإلكتروني يفتح مجالاً أكبر لقراء أكثر، خاصة وأن حركة النشر الورقي تعاني من تراجع كبير في مصر - في العموم - منذ اندلاع ثورة يناير".

"بيان الكتب"، استطلع آراء مجموعة من الكتّاب - الأدباء الشباب، الذين ينشرون نتاجاتهم عبر الإنترنت، في شأن القضية المطروقة، باحثاً في مطالبهم في الخصوص، وما يرونه الأنسب والأجدى. وفي السياق، يقول الأديب الشاب أحمد سليمان: "تمثل الإنترنت وسيلة سهلة ومُيسرة لعرض الأعمال الأدبية المختلفة، وكذا فإنها تفي بغرض تحقيق انتشار مُرضٍ للمبدع، في البداية.

كما أنها تفتح الباب أمام فكرة (النشر والطباعة). إذ لا يمكن أن يكون كاتب أو مبدع ما، أسيراً عبر الإنترنت فقط. ولابد من طباعة أعماله. أنا أؤمن بهذا في اتجاهاتي ومسيرتي الإبداعية. كما أنني أعمد حالياً، وكإجراء إضافي يعزز جهودي، إلى تجميع أعمالي في كتاب ورقي واحد، أفكر في عرضه على إحدى دور النشر لتتبنى نشره".

تسرد الأديبة الشابة، نهلة كرم (روائية وشاعرة)، ملامح ومضامين تجربتها مع الكتابة عبر شبكة الإنترنت: "الإنترنت مثلت بالنسبة لي، وسيلة حيوية فريدة لنشر أعمالي الإبداعية، والقدرة على تعريف الزملاء بها، ومن ثم التعرف إلى آرائهم وتعليقاتهم حولها.

وهكذا بدأت تلك الكتابات تنال حظاً كبيراً في عوالم النشر والانتشار عبر الشبكة الإلكترونية، من خلال صفحاتي وعبر صفحات أصدقائي وزملائي. وهكذا حظيت بفرص نشر وانتشار مضاعفة. ومن ثمَّ بدأ الترويج لأعمالي والحديث عنها في الصحف الإلكترونية والمطبوعة.

وهكذا نلت حظوظاً لا حظاً واحداً، نموذجية في القدرة على الانتشار، ذاك بفضل عوالم الشبكة الإلكترونية. وأظن أن ذلك الانتشار، بالنسبة للأديب الشاب، ربما يكون مقدمة لنشر إبداعاته في كتاب أو كتب عديدة، ولكن الأمر، في كل الحالات، معتمد في الأساس، على الموهبة والتوفيق".

سعي وراء الموهبة

يركز الناشر عادل المصري، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين، في تناوله للقضية، على جزئية تعني دار النشر في شأن آليات اختيارها أعمال الشباب. ويستعرض الأمر في الخصوص ارتباطاً بقضية النشر عبر الفضاء الإلكتروني لا الورقي. ويقول في الصدد: تجري عمليات اختيار الأعمال الشبابية لنشرها وفق اتجاهين، فإما أن تسعى الدار إلى المبدع الشاب لنشر أعماله، أو أن يتقدم هو إلى الدار.

ومن ثمَّ تزاول لجنة القراءة في الدار المعنية، مهمتها المتمثلة في تبيان وتوضيح مدى ملاءمة العمل للنشر أو عدمها، وكذا اتفاقه مع خطة دار النشر واستراتيجيتها في النشر. ويجري استقطاب الأدباء الشباب طبقاً لهذا المعيار. وأحياناً يحدث أن تسعى دار النشر وراء كاتب أو مبدع ما، نُشرت له أعمال حققت رواجاً، سواء أكان عبر الإنترنت من خلال المدونات أو مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، أو في صحيفة من الصحف أو كتاب أو ما إلى ذلك".

فاعلية.. ولكن

لعبت وتلعب المدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، أخيراً، كبير الدور والتأثير، في التغيير والتطوير في المجتمعات العربية، بفضل توفيرها مساحات النشر الحر غير المحدد في قيود، أمام المبدعين.

وهكذا برزت ضمنها كتابات أدبية وبحثية اجتماعية، ذات صبغة نقدية أو تهكمية احتجاجية، لكن بناءة، ذلك في قالب أدبي، فحققت نتائج نوعية بفعل ما نالته من شعبية وتأثر جماهيري.

وكذا بدت هذه المدونات والمواقع كمنفذ أو مصدر يقلق بعض السلطات، أحياناً. إلا أن هذا الفضاء الابداعي المثالي،بات يستخدم مرات، حتى في الإبداع الأدبي، للترويج لأعمال غير بناءة أو سوية، ولا هدف لها أو رؤية.

«أدباء الظل» ومسؤولية الهيئات المعنية

 يحكي الناشر المصري محمد هاشم عن ماهية تقييم دور النشر للأعمال الأدبية، وكيفية الحلول لإدخال المدونين الشباب في ساحات النشر الورقي: "يجري تقييم الأعمال الشبابية من خلال تقدم الكاتب إلى الدار بعمله الإبداعي، إذ تقرأه اللجنة، ثم تقرر نشره من عدمه.

ونجد، حالياً، أن هناك زخماً كبيراً ضمن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والمدونات الإلكترونية والمنتديات الحوارية، لنماذج إبداعات أدبية فريدة، لموهوبين، كثر: (أدباء الظل) الذين يُعولون على الإنترنت للخروج نحو عرض إبداعاتهم بصورة أرحب، عبر نشرها في كتب مطبوعة. ونجح البعض في ذلك بصورة واضحة، شجعت كثيرين على السير في الاتجاه ذاته.

بينما ظل آخرون "أدباء مع وقف التنفيذ"، لا تُرى أعمالهم إلا من خلال أالإنترنت، ذلك في انتظار (الفرصة)، وهو ما يُلقى على عاتق الدول في المقام الأول، والمؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية. وفي الفترة الأخيرة، نظم عدد من دور النشر والمراكز الثقافية في مصر، مسابقات أدبية، أعلن عنها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مسابقات بين المبدعين من الأدباء الشباب، كمُحاولة لاكتشافهم وإخراج أعمالهم للنور".

 مواقع الكترونية متنوعة وجهات لا حصر لها

 تنوعت أشكال الملتقيات والمواقع الأدبية والفكرية التي تقدم نفسها، على الشبكة الإلكترونية، أخيراً، كموئل وواحة لنشر الإبداعات الأدبية، وتوفير مناخ تواصل إلكتروني فاعل بين الأدباء. وهكذا غدت تتنافس المواقع في الامتيازات التي تقدمها لأعضائها، وفي المسابقات والمكافآت التي تجزيها لأفضل الأعمال. وأسهم هذا في توسيع شبكة المشتركين بالعضوية.

كما حرض على المزيد من النتاج الإبداعي الشبابي على الشبكة الإلكترونية. وذلك طبعاً، علاوة على وجود صفحات خاصة بالأدباء الشباب هؤلاء، على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأيضاً، هناك العديد من المواقع عبر الإنترنت، التي تتيح للشباب نشر إسهاماتهم الأدبية. إذ تفرد أبواباً خاصة لها، سواء أكانت المنتديات العامة أم المدونات المجانية التي تمتلكها شركات عالمية، أم المواقع الإعلامية التي تخصص جزءاً من تبويبها للشباب ولإسهامات القراء، هذا فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت قناة مهمة جداً ليعرض الشباب إسهاماتهم الأدبية بوجه عام.