ما بين مطبوعات مختلفة المواضيع، ومكتبات موزعة في أكثر من مكان، يبرز اسم "دار الكتب الوطنية" التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، فمهام الدار لا تقتصر على تقديم الخدمات للجمهور على اختلاف شرائحه واهتماماته، بل أصدرت عبر تاريخها العديد من الدراسات والكتب في كافة المجالات، واقتنت الكثير من الكتب والمخطوطات النادرة في مختلف المجالات، كي تتيحها للقراء والباحثين.

تأسست دار الكتب الوطنية في العام 1981، وأصبحت واحدة من أضخم كنوز المعرفة في دولة الإمارات ، ثم بدأت تقديم خدماتها الى الجمهور اعتبارا من أبريل 1984، وحرصت منذ ذلك التاريخ، على مواكبة التطورات والتقنيات العالمية، في الحقل، وفق أحدث المعايير الدولية.

وفي العام 2011، شهدت توسعا ملحوظا، من حيث عدد فروعها التي توزعت في أبوظبي والعين.. كما إن التخطيط لا يزال مستمرا لافتتاح مكتبات أخرى لها، في المنطقة الغربية، أو غيرها من المناطق. وفي كل التفاصيل القديمة والجديدة، يمكن رصد تاريخ المكتبة التي تعد أول وأهم المكتبات العامة في تاريخ إمارة أبوظبي.

شمولية وتنوع

تتنوع الخدمات التي تقدمها فروع دار الكتب الوطنية التي افتتحت تباعا في أبوظبي، مثل: المكتبة المقامة في منطقة معسكر آل نهيان، التي تقدم مجموعة من البرامج والخدمات المتناسبة مع مختلف الأعمار والشرائح المجتمعية. إذ توفر مجموعات مختارة من كتب المعرفة والدوريات بما فيها الدوريات النادرة، وكذا المجلات الأسبوعية والشهرية والدوريات العلمية المحكمة.

ويضم فرع الدار في معسكر آل نهيان، المكاتب الإدارية لكافة مشاريع صناعة الكتاب التي أطلقتها "أبوظبي للسياحة والثقافة"، وهي: جائزة الشيخ زايد للكتاب، مشروع "كلمة" للترجمة، شركة "كتاب" التي تنظم بشكل سنوي، معرض أبوظبي الدولي للكتاب، مشروع "قلم" الذي ينشر الإبداعات الإماراتية الشابة.

وتمكن المكتبة الجمهور، من الوصول إلى أكثر من 3500 دورية بنصها الكامل، إلى جانب الآلاف من مقالات الدوريات وأعمال المؤتمرات وحلقات البحث. كما تمكن المهتمين بالتراث العربي من المخطوط البحث في أكثر من 4000 مخطوطة نادرة، ما بين الأصلية والمصورة، ويقدر عمر بعضها بأكثر من 700 سنة، ويتيح قسم المخطوطات في المكتبة الإطلاع على هذه المخطوطات المفهرسة.

ويجري حاليا إدخال الفهرسة الإلكترونية للمخطوطات وربطها بالنظام الإلكتروني للمكتبة: "السمفوني". ويصل عدد العناوين المتوافرة إلى 22 ألف عنوان تقريبا، وتقدم المكتبة خدمة الإعارة والتصوير والإرشاد المرجعي المرتبط بكيفية استخدام الفهارس الآلية، وطريقة استخدام المراجع والمصادر الخاصة بموضوع معين، إلى جانب توفير أجهزة الخدمة الذاتية التي تتيح للزائر عمليات الاستعارة والبحث، من دون الاستعانة بأمين المكتبة.

مكتبة الأطفال

خصصت الدار، فرع مكتبة البطين للأطفال، وذلك تحت عنوان كبير تربط من خلاله العملية التعليمية بالتنمية الثقافية، إذ تحرص على رفد كافة شرائح المجتمع بمختلف المعارف التي تساعد في تكوين شخصية الأطفال وتحفيز العملية الإبداعية لديهم.

وتستهدف مؤلفات المكتبة، ضمن طابقين، الأطفال من سن 5 إلى 15 سنة. وتشمل عدة أقسام، منها: قسم منفصل للأطفال من سن 5 إلى 10 سنوات.. وينقسم بدوره إلى واحد لقصص الأطفال، وآخر خاص بالمواد العلمية والمراجع. أما القسم الثاني فمخصص للأطفال من سن 10 إلى 15 سنة، كما تحتوي المكتبة على غرف منفصلة لمختلف فعاليات القراءة والنشاطات التعليمية. وتعمل المكتبة على التواصل مع مختلف مدارس الدولة وتنسيق الأنشطة المختلفة.

المواد السمعبصرية

تعد مكتبة الكورنيش من أكبر مكتبات دار الكتب الوطنية، وتضم في أروقتها قسم المواد السمعبصرية، وزود هذا القسم بأجهزة الاستماع إلى الموسيقى وشاشات العرض السينمائي وغرف العزف وصالة واسعة، إضافة إلى الألعاب التعليمية والأقراص المدمجة وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت اللاسلكي المجاني، ويحتوي القسم الأكاديمي في مكتبة الكورنيش على مجموعة متخصصة بكافة فروع المعرفة، مثل:

المصادر والمراجع والقواميس والدوريات المحلية والعالمية، باللغة العربية والإنجليزية. وكذلك مجموعة من مواد الخدمة الذاتية للإعارة وشاشات البحث. وتتسع القاعة لثلاثة وعشرين ألف مادة، وتستوعب سبعين قارئا وقارئة في الوقت ذاته، تتوافر لهم خدمات الإنترنت اللاسلكية وقواعد البيانات.

مكتبات المراكز التجارية

افتتحت الدار فروعا في المراكز التجارية الكبرى، مثل مكتبة مركز مزيد التجاري في مدينة محمد بن زايد بأبوظبي، وتضم أكثر من 24100 عنوان من مختلف مجالات المعرفة عدا الكتب الطبية، وغالبيتها باللغة العربية. أما قسم الأطفال فهو يضم 1948 عنواناً، وتقوم المكتبة بتنظيم أنشطة موجهة للأطفال بشكل دوري مثل اقامة الألعاب التعليمية، وعروض مسرح الدمى، والعروض السينمائية ورواية القصة، كما تقدم برامج للوالدين لتنمية المهارات القرائية لأطفالهم.

وتتاح الخدمة المكتبية لدار الكتب الوطنية، في مدينة العين، في "مركز العين التجاري" وتتميز المكتبة بموقعها التجاري في وسط مدينة العين، وتضم أكثر من 30 ألف مادة منوّعة تغطي كافة فروع المعرفة، مثل العلوم الاجتماعية واللغات والعلوم البحتة والتطبيقية والفنون والآداب والتاريخ.

كما تتيح مواد بحثية تساعد طلبة وطالبات جامعة الإمارات القيام بأبحاثهم ودراساتهم، وتضم كذلك جناحا خاصا لكتب الأطفال والناشئة، وقاعة للدوريات العربية والأجنبية. وهناك خطة لافتتاح عدد من المكتبات في كل من مدينة العين والمرفأ ومزيد.

إصدارات متنوعة

لا تقتصر مهمة دار الكتب الوطنية على تقديم الخدمات للجمهور، بل أصدرت منذ تأسيسها، الكثير من الأبحاث التي تعد إضافة حقيقية للفكر الإنساني، واهتمت بتلك الكتب التي تتردد دور النشر عادة في نشرها، كونها كتبا متخصصة بمجالات عدة، مثل: كتاب "شعر ثقيف حتى نهاية العصر الأموي"، والذي عني بجمعه وتحقيقه، إسلام ماهر فرج عمارة، وتأتي أهمية الكتاب، من كون شعر ثقيف لم يحظ من قبل، بجمع أو دراسة شاملة من الباحثين والدارسين.

أما المثال الآخر فهو كتاب «شعر أبي الفضل البغدادي»، الذي عني بجمعه وتحقيقه، سامر محمد معروف. ويقدم هذا البحث صورة تظهر حياة أبي الفضل، الغامضة. وهناك كتاب "نماذج إنسانية في السرد العربي القديم" لسيف محمد سعيد المحروقي، وفيه تمحورت الدراسة حول ثلاثة من النماذج الإنسانية في السرد العربي القديم.

كما أصدرت الدار الكثير من العناوين الأخرى، مثل: (رحلات إلى الأراضي المقدسة أواخر القرن الرابع عشر الميلادي) ويتضمن العديد من الصور القديمة والنادرة للأراضي المقدسة آنذاك، وهو يأتي ضمن سلسلة (رواد المشرق العربي). وكتاب "قواعد المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام" للدكتور مطر حامد النيادي. وكتاب "تاريخ معرض فرانكفورت للكتاب" من تأليف بيتر وايد هاوس.

وكتاب "التمكين: أسسه وأساليبه - دراسة بلاغية تطبيقية". ومعجم "جامع الشروح والحواشي" الشامل لأسماء الكتب المشروحة في التراث الإسلامي وبيان شروحها" لمؤلفه عبدالله محمد الحبشي، ويأتي هذا الكتاب في أربعة أجزاء وحوالي 3 آلاف صفحة مرتبة حسب الأحرف الأبجدية.

الكتاب المسموع

تماشيا مع التطور الحاصل في العالم، لم تقتصر إصدارات دار الكتب الوطنية، على المنشورات الورقية، بل أصدرت مجموعة من الاسطوانات الليزرية ضمن مشروع "الكتاب المسموع"، الذي يوفر عددا من أمهات الكتب التراثية العربية والمعرفية الأجنبية للقارئ العربي بطريقة مسموعة، ما يتيح انتشارا أكبر وتجربة قراءة مختلفة.

ومن الإصدارات، " مختارات من شعر أبي الطيب المتنبي" ويأتي في 14 جزءا، ومن إلقاء عبد المجيد مجذوب. وكتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي.

والذي وصف بأنه أدق ما كتبت العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه، و كتاب "شعر الإمام الشافعي". ولم تقتصر الإصدارات على الشعر، إذ أصدرت الدار، كتابا عن السرد الشفاهي بعنوان "دردميس": من تأليف أحمد راشد ثاني، وقراءة الفنانة رزيقة الطارش. ويمثل الكتاب الاخير، الجزء الثاني من مشروع يجمع حكايات من الإمارات ويقدمها بطريقة جديدة، مع الحفاظ على معالمها الشفاهية قدر الإمكان.

مكتبة عالمية

تمثل دار الكتب الوطنية إحدى المكتبات الدولية في 66 بلدا من بين دول العالم، انضمت إلى مشروع المكتبة الرقمية العالمية، الذي يوفر عبر شبكة الإنترنت، وثائق تاريخية وثقافية مهمة، من جميع أنحاء العالم. إذ تسهم، حاليا، 119 مؤسسة شريكة، في المكتبة تلك، والتي يجري تطويرها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو".

وفي هذا المجال، تواظب الدار على تقديم مخطوطات عربية وإسلامية مهمة من مجموعات مقتنياتها، إلى جانب مجموعة كبيرة من الكتب والأطالس "مجلدات الخرائط" والصور الفوتوغرافية والمواد المسموعة والمرئية، المرتبطة بتاريخ الدولة، وشبه الجزيرة العربية.

وفي هذا الإطار، استحدثت قسما جديدا متخصصا بالنشر الإلكتروني، بهدف الوصول إلى شريحة أوسع من المتلقين. ونشر أكبر عدد ممكن من الكتب والمصنفات، وتوفير الوقت والجهد على الباحثين والمطالعين.. وتحقيق انتشار أوسع للكتب بأقل تكلفة. كما أتاحت دار الكتب الوطنية مطبوعاتها على موقع "ابل ستور"، حيث يمكن للمهتمين الاستفادة من مطبوعات الدار الإلكترونية، إلى أقصى الحدود.

المهنية

يرتكز القائمون على دار الكتب الوطنية، على معايير عمل مهني عالية، ويواظب المسؤولون في المكتبة، على تدريب العاملين في فروع المكتبة المختلفة. ونظمت في هذا الخصوص، مجموعة دورات، مثل:

دورة أصول الخدمة المكتبية، التي تناولت فيها مجموعة من الموضوعات التي تسهم في تطوير أدوات التعامل مع جمهور المترددين على الدار، وأيضا موضوع التركيز على اكتساب مهارات التعامل مع الشرائح المختلفة مع استعراض لأشكال الخدمة المكتبية والاستخدام الأمثل للغة الجسد.

كما اعتنت الدورة التدريبية بحقل المواقف اليومية التي يمكن أن يصادفها العاملون في الخدمة المكتبية. أما الدورة الخاصة بالنظام السيمفوني، فعن مقتنيات دار الكتب الوطنية على وسيط إلكتروني، وتمكن الاستفادة من المقتنيات عبر الموقع الإلكتروني للدار وتطبيقه في مجالات تنمية المجموعات والفهرسة والدوريات.

المقتنيات

تعمل دار الكتب الوطنية على اقتناء كل ما هو جديد من إصدارات الكتب العربية والأجنبية، وتبين الإحصاءات، أن عدد العناوين التي اقتنتها الدار، بلغ 6186 عنوانا عربيا، و6841 عنوانا أجنبيا ليصل مجموع ما اقتني خلال عام 2011 لوحده، إلى 13027 عنوانا، بمجموع نسخ بلغ 27364 نسخة. وتضم الدار إلى جانب الكتب، مجموعة كبيرة من الدوريات العربية والأجنبية، التي تحظى باهتمام الباحثين والقراء.

في إطار السياسة العامة للإقتناء والتي تركز على عدد من الأسس التي تهدف لتلبية احتياجات القراء والفئات المهنية المختلفة في المجتمع، ومن المقتنيات المميزة: أهم الأعمال الأدبية التي حصلت على جوائز عالمية، مثل: جائزة نوبل، جائزة بوليتزر، الجائزة الوطنية للكتاب (التي أنشئت منذ أكثر من ستمائة عام في الولايات المتحدة الاميركية). وذلك إلى جانب كتب الأطفال التي حصلت على جوائز عالمية.

ترفيه وثقافة في الحدائق العامة

 تجهز دار الكتب الوطنية، بالتعاون مع بلدية مدينة أبوظبي، لافتتاح عدد من المكتبات الإضافية في الحدائق العامة، وتعد مكتبة منتزه خليفة الواقعة على الطريق الشرقي في أبوظبي، التي ستفتتح قريبا، من المكتبات المهمة، حيث ستضم مجموعات مختارة من المؤلفات التي تغطي فروع المعرفة الإنسانية المختلفة، باللغتين العربية والإنجليزية.

ويصل مجموع العناوين فيها، إلى حوالي 30 ألف عنوان. كما تضم المكتبة مجموعة المؤلفات عن الإمارات والخليج العربي، تقدر بحوالي 21 ألف عنوان، باللغتين العربية والإنجليزية، بينها مجموعة منوّعة من الوثائق الخاصة بالدولة والدوريات الصادرة في دول الخليج العربي، والصادرة عن الجامعات ومراكز البحوث.

وكذا الرسائل الجامعية التي تتناول موضوعا ما يتعلق بالمنطقة. وتضم مجموعة من الكتب النادرة، كما تشتمل على أهم المكتبات الخاصة التي تقتنيها الدار، وهي تضم بدورها، عددا كبيرا من الكتب، معظمها من الطبعات النادرة والقيمة، وتحتوي عددا من عناوين الصحف والمجلات القديمة، ومجموعة من المخطوطات الأصلية، وبعض المصورات النادرة.

وفي حديقة الباهية، افتتحت مكتبة عربية وإنجليزية، تحتوي على دوريات ومواد سمعية وبصرية، إلى جانب الكتب والدوريات الإلكترونية. وخصصت المكتبة جزءا كبيرا منها لكتب الأطفال والناشئين، إلى جانب جناح مخصص لإصدارات هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.

 إصدارات نوعية واختيارات هادفة

 تهتم دار الكتب الوطنية بمؤلفات وإصدارات ذات قيمة وطابع خاصين، وأصدرت في السياق: "المدن المنسية في بلاد العرب" للرحالة ستيوارت إرسكين، من ترجمة عبد الإله الملاح، متضمنا العديد من الرسوم التوضيحية بريشة الميجر بنتون فليتشر. كما صدرت عنها دراسة بعنوان "البلاغة عند المعتزلة"، للباحث الدكتور محمد هيثم غرة، وتحقق الدراسة، كبير الفائدة والجدوى، مضيئة على فترة ونتاج، مهمين، على صعيد الفكر والبلاغة والجدل في الحضارة العربية والإسلامية.