تلمع في عالم النشر بفرنسا، عدّة أسماء في طليعتها اسم مؤسسة فلاماريون للنشر. إنها مؤسسة عريقة تأسست عام 1875 من قبل ارنست فلاماريون، في مدينة باريس، بالاشتراك مع صاحب مكتبة آخر هو شارل ماربون. وأخذت تسمية "دار نشر فلاماريون ـ ماربون "قبل أن تصبح سريعا "دار نشر فلاماريون".

كان مقرّ دار نشر فلاماريون، في شارع راسين بالقرب من الحي اللاتيني بالدائرة الخامسة من العاصمة الفرنسية، حيث وجدت، ولا تزال توجد، غالبية دور النشر الفرنسية الكبرى. ومنذ تأسيسها وحتى الوقت الراهن، أثبتت قوة تأثيرها وحضورها في فرنسا، ولكن أيضا في بلجيكا بمدينة بروكسل، منذ فترة التأسيس. وفي كندا بمدينة مونريال، لاحقا.

حكاية موهبة

آرنست فلاماريون، المؤسس، هو الابن الثاني لأسرة متواضعة الحال، مؤلفة من أربعة أطفال. وكان أخوه الأكبر كامي فلاماريون، عالم فلك شهيرا، والذي كان قد عُهد بتربيته لراعي كنيسة القرية بسبب فقر العائلة. لكنه انتقل مع أسرته الباحثة عن سبل العيش، إلى العاصمة باريس حيث التحق بإحدى الحلقات الدراسية المكرّسة لأبناء الأرياف الذين كانوا يقدمون إلى العاصمة.

فأظهر ذلك الطفل فضولاً كبيراً للمعرفة وترك العنان لمخيلته للتأمّل في ظواهر الطبيعة، ليصبح في ما بعد، عالم فلك كبيراً، وليكون له، لاحقاً، فضل كبير في نجاح دار نشر فلاماريون التي حملت اسم أسرته. منذ البداية، اهتمّت مؤسسة فلاماريون في كل ما يتعلق بالنشر وإنتاج الكتب وتوزيعها، إلى جانب مكتبة كبيرة حملت اسمها .

وعرفت رفوف المكتبات الفرنسية أعمالاً كثيرة، تحمل اسم فلاماريون، في مختلف المجالات، من الأدب إلى الكتب ذات الطابع المدرسي.. ومرورا بالقواميس والفنون والتاريخ والتراث والعلوم البحتة والعلوم الإنسانية والعلوم الطبية والحياة العملية الخاصّة بالإرشاد السياحي. وأيضا، الطبخ وكتب الشباب.

نقطة الانطلاق

من أوّل الأعمال التي قدمتها فلاماريون، ولاقت نجاحا جماهيريا كبيرا، كان كتاب "علم الفلك الشعبي" لمؤلفه كامي فلاماريون، عالم الفلك الشهير، شقيق ارنست الأكبر، مؤسس دار النشر. وعرف ذلك العمل طريقه إلى النشر عام 1878، ليصبح سريعا، على رأس قائمة الكتب انتشارا في فرنسا، في نهايات القرن التاسع عشر.

تطور

وفي سياق مثل ذلك التوجّه، برزت مجموعتان ــــ سلسلتان ـــ من الكتب، حملت إحداهما عنوان "كتب مفيدة" والثانية "مكتبة فلاماريون". وصدرت في إطارهما كتب في علوم التاريخ والفلك والتنجيم وعلم النبات. ذلك إلى جانب سلسلة أخرى تعنى بالأعمال الإبداعية، تحت عنوان جامع: "كتّاب شهيرون". اعتبارا من عام 1930 بدأت دار نشر فلاماريون الاهتمام بالنشر الموجّه للشباب، انطلاقاً من عمل شهير، حمل توقيع الأب كاستور. ولاقت الكتب المعنية بالشبيبة، نجاحا كبيرا، ما دفع المؤسسة الى تكريس قسم خاص بهذا الميدان، تحت تسمية "فلاماريون الشباب".

توجّهت دار نشر فلاماريون، بالتوازي مع تنامي حركة نشر الأعمال الروائية في بدايات القرن الماضي، نحو الاهتمام بالأدب.. ولاقت نجاحا كبيرا في هذا المجال، ما بين عامي 1905 وعام 1925. إذ عمدت الى تنويع الكتب التي تنشرها. وكذلك النشر للمبدعين من الكلاسيكيين أو من ذوي التوجهات الشعبية، ولو لم يكونوا من الأسماء ذات الشهرة الكبيرة، وإنّما إذا كان لهم جمهور قرّائهم.

توجه راسخ

لم تفقد او تشتت هذه المؤسسة العريقة، على مدى أكثر من قرن ونصف القرن، في عالم النشر ضمن فرنسا، ذاك منذ زمن مؤسسها ارنست فلاماريون، توجهها في البحث والتنقيب عن كل جديد و"رائج"، في مختلف مجالات الأدب والفن وشتى المعارف وتقديمها للقراء الذيّن يُعدّون بالملايين، في فرنسا وغيرها من البلدان الناطقة باللغة الفرنسية.

وبعد وفاة ارنست فلاماريون عام 1936، تولّى ابنه شارل دور، مهام ربّان سفينة دار نشر والده، التي كان يقودها عملياً منذ عام 1918. وعرفت دار النشر فترة عصيبة خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. إذ خضع القائمون عليها للمساءلة عند نهاية الحرب، من قبل "اللجنة المهنية لتنقية النشر". ذلك على قاعدة الشبهات التي حامت حول علاقاتهم مع سلطات الاحتلال، لكن انتهى الأمر بتبرئتهم، من دون المساس بنشاطات دار النشر. وفي عام 1958، ظهرت سلسلة جديدة تحت عنوان "قرأت"، تمثّل نوعاً من سلسلة "كتاب الجيب".

وتتمتع بشهرة ونجاح كبيرين، نظراً للعناوين التي تنشرها ولسعرها الزهيد. وكان القائمون على مجموعة سلسلة "قرأت" قد أسسوا في عام 1994 مجموعة نشر "ليبريو"، التي تخصصت في نشر الكتب ذات السعر الموحّد ( 10 فرنكات في البداية. ثم 2 يورو، بعد تبنّي العملة الأوروبية الموحّدة. وأخيرا: 3 يورو)؛ وذات الصفحات قليلة العدد. وفي عام 2010، باعت هذه المجموعة التابعة لدار نشر فلاماريون، 120 مليون كتاب.

وفي سنوات الستينيات من القرن الـ20، اشتركت دار نشر فلاماريون، مع دار نشر غارنييه، التي أسسها الأخوان اوغست وهيبوليت عام 1833. وأطلقتا، معا، سلسلة حملت اسم "جي إف"، أي الحرفين الأولين من اسم الدارين. وطورت فلاماريون بعد ذلك، بعض النشاطات تحت مسمى هذين الحرفين، إذ أحدثت في عام 1995 مجموعة "جي إف للشباب". ثم قسمت نشاط هذه المجموعة عام 2001 إلى قسمين، أحدهما متخصص في الفلسفة والآخر في الأدب. ومن الواضح أن القائمين على دار نشر فلاماريون، كانوا قد وضعوا النشر المكرّس للشباب في رأس قائمة اهتماماتهم منذ عشرينيات القرن الماضي.

وسّعت دار نشر فلاماريون نشاطاتها في عالم النشر والتوزيع، اعتبارا من مطلع سنوات السبعينات في القرن الماضي .هكذا، اشترت عام 1977، دار نشر "ارتو" التي تأسست في مدينة غرونوبل الفرنسية، في نهايات القرن التاسع عشر، والمتخصصة في حقل كتب أدب الرحلات ومغامرات الأسفار وعالم الاجبال والبحار والصحارى. ومنذ عام 2003 أصبحت دار نشر بجماليون التي تأسست عام 1975، المتخصصة بشكل رئيسي في التاريخ والرواية والأعمال الوثائقية، تابعة لدار نشر فلاماريون.

المالكون الجدد

بقيت دار نشر فلاماريون، تابعة للإدارة المباشرة لأسرة فلاماريون، منذ تأسيسها عام 1976 وحتى عام 2000 . ومن المؤسس ارنست وحتى ابنيه شارل ثم هنري، وأخيرا الحفيد ميشيل ـــ هنري الذي تولّى إدارتها عام 1985.. واحتفظ بإدارة المجموعة، رغم انها دخلت سوق البورصة عام 1995، برأس مال يقدّر بأكثر من 220 مليون يورو. وبلغت قيمة العمليات التجارية الإجمالية لمؤسسة فلاماريون للنشر عام 2009 263،10 يورو.

وفي عام 2001 تخلّت أسرة فلاماريون عن حصصها في مؤسسة فلاماريون للنشر، للمجموعة الإيطالية "ار سي اس ميدياغروب" . وفي سنة 2012، اشترتها مجموعة غاليمار للنشر من المجموعة الإيطالية، بمبلغ 251 مليون يورو. واحتفظت فلاماريون باسم الأسرة التي أسستها، لكنها أصبحت تابعة لأحد أكبر أربع دور نشر في فرنسا.

تاريخ لا يموت

أصبحت دار غاليمار للنشر، في واقع الأمر بشرائها دار نشر فلاماريون، تصنف في المرتبة الثالثة على الصعيد الفرنسي، بعد داري نشر "هاشيت" و"ايديتيس". هكذا استطاعت غاليمار التي أُنشئت في عام 1911 أن "تبتلع" دار نشر سبقتها في الظهور لعدّة عقود. ولا شك أن المغامرة كبيرة في عصر الثورة الرقمية.وتبقى ماثلة في الذهن مغامرة فلاماريون المستمرّة في إطار ناشر آخر.

ولكن بالاسم عينه، والتي اتسمت إصداراتها، البالغة منذ عقود ما معدّله 500 عمل سنوي، بقدر كبير من التنوّع.. إذ طالت العلوم والطب والعلوم الإنسانية والآداب والفلسفة والموسيقى والأعمال الوثائقية وعالم الشباب والثقافة والسياحة، ومختلف مشارب المعرفة الأخرى.

مجموعات

تضم مجموعات النشر الأساسية التابعة لفلاماريون: فلاماريون، اوبييه ارتو، شامب، قرأت، كليما، ليبريو، غارنييه ـــ فلاماريون، بجماليون، اوترومون.

 سلاسل متنوعة ونهج ثابت

تبنت الدار، مطلع القرن العشرين، ضمن سياق نهجها المستمر في التطوير والتنويع، وانطلاقا من رغبتها في توسيع رؤى التنوّع وفتح آفاق جديدة لعالم الكتاب ولسوقه، مشروع إطلاق مجموعة جديدة في إطار نشاطات فلاماريون، حملت عنوان" مكتبة الفلسفة العلمية". وتوّج تتويج ذلك المسار بطابعه العلمي، عبر سلسلة جديدة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، تحت عنوان "مكتبة المعارف الطبية"، ثم صارت:" فلاماريون الطبيّة".

واحة الأدباء وموئل الرواية والشعر

 ازدهر الأدب، في فترة لاحقة، بكل مشاربه، في إطار نشاطات فلاماريون ضمن عوالم الروايات، الفرنسية والأجنبية. وكذا في الشعر والمسرح والدوريات الأدبية، التي ليس أقلّها شهرة "المجلّة الأدبية الفرنسية". وكانت فلاماريون هي أيضا ناشرة بعض أعمال الروائي إميل زولا، صاحب رواية "جيرمنال". والروائي والكاتب المسرحي والشاعر غي دوموباسون، صاحب رواية "حياة" ومسرحية " تاريخ الأزمنة القديمة".

وكذلك: جول رونار وهونوريه دو بلزاك مؤلف "الأب غوريو"، ستندال صاحب رواية "الأحمر والأسود" وفلوبير صاحب رواية "السيدة ـــ مدام ـــ بوفاري". وذلك الى جانب قائمة كبيرة متنوعة تشمل مجموعة مبدعين آخرين كبار. وكان في عداد الذين صدرت أعمالهم لاحقا لدى فلاماريون، ولاقت أعماله نجاحا كبيرا: هنري باربوس والكاتبة كوليت وفكتور مرغريت وغيرهم.

 مديرون ومراحل

تعاقب على رأس إدارة دار نشر فلاماريون، مجموعة من الأسماء البارزة، في خضم مراحل تطور مهمة في مسيرة الدار. وهؤلاء هم:

 ارنست فلاماريون، مؤسس دار النشر (1842 ـ 1936).

 هنري فلاماريون، حفيد ارنست (1910 ــ 1985).

 شارل هنري فلاماريون، ابن هنري (1946 ـ ...)، الرئيس السابق للمجموعة.

 آلان فلاماريون، ابن هنري (1947 ـ ...)، نائب رئيس المجموعة عام 2003.