ملامح وسمات كثيرة، تميز معرض الكتاب في باريس، بل تؤهله، نتيجة تفرده بجملة ميزات في الحقل، ليكون واحداً من أهم معارض الكتاب في العالم، وتتبدى خصوصيته الأبرز، في فاعلية جمعه صانعي الكتب ومؤلفيها وقارئيها. وذلك وسط أجواء مثالية، يضفيها ألق العاصمة الفرنسية باريس، إذ تعانق فرحة الثقافة في هذه المناسبة، بحضور عشرات الآلاف من الفرنسيين والأجانب، بهجة الربيع الباريسي، في موعد يتجدد سنوياً، على مدار أسبوع كامل، منذ 32 عاماً.
يقترن صيت معرض الكتاب في باريس، بسمعة ومكانة مدينة الأنوار، التي ينظم على أطرافها، تحديداً في قصر المعارض: (ببورت دو فرساي). وتطل المدينة، طوال فترة المعرض في كل عام، بملمح ألق وإشراق مجبولين بمعاني البهاء وقيمة الفكر والثقافة، فترفل في هذه الأجواء، بثوب موشى بألوان الحراك الثقافي والتقارب الحضاري، اللذين يعززهما توافد نشاط القادمين للمشاركة في هذه الفعالية، من أكثر من 40 دولة في العالم.
مسيرة تطور وحكاية ارتقاء
محطات ومطارح متنوعة، شهدها وحل فيها المعرض. ففي البداية احتضنه قصر "لو غران بالي" (القصر الكبير)، الكائن في الدائرة الباريسية الثامنة، الذي يعد موقعاً تاريخياً مميزاً، حيث يجاور جادة الشانزيليزيه العريقة التي تعج بالسياح والأجانب على مدار أيام السنة.
ودشنه وزير الثقافة آنذاك، جاك لانغ (المدير الحالي لمعهد العالم العربي في باريس، الذي كان وراء إطلاق العديد من المواعيد الثقافية والفنية في فرنسا، كعيد الموسيقى، والذي صار ينظم اليوم في عشرات الدول الأجنبية، وحتى العربية منها. ويحتفل بالموسيقى ضمنه، على مدار يوم كامل).
اعتباراً من عام 1992، صار معرض الكتاب باريس للكتاب، ينظم في قصر المعارض في "بورت دو فرساي"، الذي يعد أكبر قصر للمعارض في فرنسا، ويتبع إلى الدائرة الباريسية الـ15.
ويمتد المعرض في ذاك المكان، على مساحة تقدر بـ55 ألف متر مربع، ويستمر على مدار أسبوع كامل، تتوالى خلاله الندوات والملتقيات.. وتتابع المحاضرات التي يقدمها كتاب مبرزون، وآخرون هم في طور البدايات في عوالم الكتابة والأدب.
تحرص جهات عالمية وفرنسية، معنية، مختلفة ومتعددة، على حضور فعاليات هذا الاحتفاء الثقافي الباريسي السنوي، وتبادر إلى الانخراط في أنشطته، مركزة على اقتناص أية فرصة للاستفادة من ما يوفره لها من أشكال جدوى، ومناخات تواصل واتفاقات عمل في حقل النشر وسوق الكتاب دولياً. وهكذا، فإنه يشهد، سنوياً، حضوراً متنامياً. كما أنه يشكل موئلاً ووجهة نوعية للقراء، يذكي قيمتها ودورها، مكانة العاصمة الفرنسية، وإسهاماتها المشهودة في مجال الثقافة والفكر.
"ضيف شرف"
قررت السلطات المكلفة بتنظيم المعرض وإدارته، في عام 1988، دعوة بلد في دورة، ليحل ضيف شرف على المعرض، وكانت ألمانيا أول ضيوف الشرف على معرض الكتاب في باريس عام 1989، إذ جاءته حاملة في جعبتها، كتباً تحكي تاريخها وحاضرها، وأخرى تتحدث عن: السياسة، الاقتصاد، الأدب والرياضة. ومن ثم تبعتها بعد ذلك: الهند، إيطاليا، إسبانيا فالولايات المتحدة.. لتحل الجارة الأوروبية: رومانيا، ضيف شرف دورة العام 2013.
وعن كيفية اختيار البلد ضيف الشرف، يقول بارتران موريسي، المفوض العام لمعرض الكتاب في باريس، في حواره مع البيان: "تصل إلى النقابة الوطنية للنشر ومؤسسة (ريد أكسوزبسون)، في كل عام، ترشيحات كثيرة من بلدان ومدن تريد أن تحل: ضيف شرف، على معرض الكتاب في باريس.
وهكذا فإن الخطوة الأولى هي قائمة وطلبات الترشيحات، وتأتي بعدها مرحلة تقييم الملفات، ليأخذ في الحسبان، بالدرجة الأولى، العرض الثقافي والبرنامج الأدبي، اللذين يشتملان على الثراء والتنوع في طبيعة المواضيع المختارة. وكذا في الأدباء والمثقفين المشاركين". ويضيف موريسي: "يراعي المعرض كذلك، مدى تقديم كل بلد مرشح، أقلامه الأدبية اللامعة.
وكذا مواهب شابة تستهل اكتشافها. ولا يفوتنا التنويه هنا بدور المؤسستين الثقافيتين الفرنسيتين: المركز الوطني للكتاب والمعهد الفرنسي، في تسطير وإثراء هذا البرنامج، والذي يتطلب ميزانية خاصة من أجل حضور ورؤية مميزين لكل بلد يحل ضيفاً على المعرض، بدءاً من الأجنحة المخصصة له في أروقة المعرض، ومروراً بوسائل وطرق الإعلام والاتصال المعتمدة للتعريف بالكتب المعروضة، ووصولاً إلى الكتاب الحاضرين. وجميع ذلك، بهدف جلب أكبر عدد ممكن من الزوار".
ويشير المفوض العام لمعرض الكتاب في باريس، إلى أنه خالف المعرض، في عيده الثلاثين الذي حل قبل ثلاث سنوات، القاعدة التي سار عليها لسنوات طويلة، إذ تخلى عن دعوته لبلد محدد يكون ضيف شرف، واعتمد ذلك منذ دورة المعرض العام 2010. إذ فضّل تكريم 90 كاتباً من مختلف أنحاء العالم، 60 منهم هم فرنسيون، و30 هم من شتى دول العالم.
عوامل محفزة للنمو
يرجع القائمون على المعرض، وكذا المعنيون والمتخصصون، التزايد في الإقبال على معرض باريس للكتاب، الذي وضح بجلاء في دورة العام الحالي، إلى ثراء برنامجه والتجدد المستمر الذي يصاحب أجنحة العرض. فكل عام يقدم موضوعات جديدة وفضاءات فريدة متمايزة كذلك. وكما هو الشأن منذ ثلاث سنوات، فإن المعرض يعطي الأولوية لخمسة موضوعات، من بينها: البلد الضيف.
ولكن ذلك لا يعني الاقتصار على الفعاليات والأنشطة الموجودة. فهناك طابع تجديد وابتكار، ذات صبغة حيوية وسمة استمرارية، في مضمون وجوهر عمل المعرض. ففي طبعة العام الماضي، على سبيل المثال، أطلق فضائان جديدان، وهما: "فن سكوير"، "طبخ سكوير":
« Artsquare » و « Le Square culinaire ». ولقيا اهتماماً وإقبالاً كبيرين في طبعة 2013. ويدرس القائمون على المعرض، توسيع إطار هذين النشاطين الجديدين، حالياً، ليصبحا معرضاً مصغراً مستقلاً في
الدورات المقبلة. وذلك بالإضافة إلى سبعة معارض شملتها طبعة 2013، تضمنت فنوناً وتقنيات حديثة، كالرسوم المتحدة وقصص المونغا الآتية من اليابان. وأيضاً: الكتب الرقمية التي غزت الساحة الفرنسية في السنوات القديمة. ويرى مثقفون ومتخصصون كثر، أن جميع تلك العوامل، جعل دورة معرض باريس للكتاب في عام 2013، الأكثر نجاحاً.
الحضور العربي
اهتمام متنام يشهده معرض باريس للكتاب من قبل الدول العربية في السنوات الأخيرة، انعكس وتترجم على أرض الواقع بتطور وارتقاء مستوى الحضور والمشاركة في فعالياته المتنوعة. وبرزت في هذا الصدد، مشاركة واسعة لدول من المغرب العربي القريبة من فرنسا، كالجزائر والمغرب وتونس. ومن المشرق العربي: الإمارات العربية المتحدة (ممثلة بإمارة الشارقة) ولبنان.
كما تشارك فيه في السنوات العشر الأخيرة، تركيا وإيران. كذلك، سجلت المملكة العربية السعودية وسلطة عمان حضورهما في هذا الموعد العالمي للكتاب وصناعته، في دورة العام الحالي (2013). وتتلقى إدارة المعرض، حسب القائمين عليها، حالياً، طلبات مشاركة في دورة العام المقبل، من دول متعددة من منطقة الخليج العربي. إلا أنه.
وطبقاً للمعطيات المتوافرة لدى الإدارة، لم تبد أية دولة عربية، إلى غاية الوقت الحالي، رغبتها في أن تحل ضيفة شرف على معرض الكتاب في باريس، مع تأكيد السلطات القائمة على المعرض في اتصال مع "البيان"، على أن هناك مشاريع ومحادثات مع دول عربية في الخصوص، هي في صدد الإنجاز والإقرار.
التظاهرة الأبرز
يعد معرض الكتاب، الموئل والموعد الوحيد في فرنسا، الذي يجمع بين المهنيين والجمهور في آن واحد، وفي هذا السياق، يقول بارتران موريسي: "إن هذا المزيج الثقافي المرتكز إلى عناصر ثقافية متنوعة، قوامها الجمهور العريض والمهنيين المتخصصين، الذي يتبدى خلال أيام المعرض، يمثل قيمة جوهرية جاذبة.
إذ يلتقي في المعرض 196 ألف زائر، بينهم 30 ألفاً هم مهنيون يشتغلون في عالم الكتاب وصناعته، هو ما ولد قوة للمعرض وأعطاه مكانة أساسية ودوراً رائداً في عالم الكتاب.. وبذا غدا أهم تظاهرة أدبية وأهمها في فرنسا، كما أنه أهم حدث ثقافي جماهيري ينظم في أوروبا بأكملها، وكذا موعد موحد يجمع كل عام، عشاق الكتاب من مختلف التشكيلات والميول، كما يمكن المهنيين من اكتشاف وتقييم: مستوى الحراك في قطاع الكتاب، العروض المقدمة، الاتجاهات الجديدة للقراء".
190.000
أخذت الطبعة الثالثة والثلاثون من معرض الكتاب في باريس، التي نظمت في الفترة ما بين 22 و25 مارس من هذا العام، طابعاً دولياً أكثر من أي وقت مضى. وشهدت مشاركة 45 دولة وثلاثة آلاف كاتب، جاؤوا من بلدان العالم كافة. كما شهدت نسبة زيارة قياسية لم يعرفها المعرض منذ إنشائه قبل أكثر من ثلاثين عاماً، إذ تعدى عدد زائريه 190 ألف شخص، بزيادة تقدر بـ3 بالمائة مقارنة بالدورة السابقة (العام 2012).
أبرز معارض كتب الفرانكفونية
يصنف معرض الكتاب في باريس كأحد معارض الكتاب الفرانكفوني الأربعة، التي تنظم على المستوى العالمي. وهي تتمثل في: صالون الكتاب في الكيبك بكندا، معرض بيروت للكتاب في لبنان، صالون جنيف في سويسرا. وتنظم سنوياً على هامش أيام المعرض المخصصة للجمهور، لقاءات وأسواق مهنية، يشارك فيها أصحاب محلات بيع الكتب وأمناء المكتبات، وهو ما يساعدهم كثيراً في سوق الكتاب التي يشتغلون فيها. وبالإضافة إلى هذا، يخصص نصف يوم كامل فقط، لمهنة صناعة الكتاب، يقتصر الحضور فيه على الفاعلين الحقيقيين في هذا المجال.
كما تعنى دور النشر العالمية، والفرنسية الكبرى، ذات الصيت الدولي، على حضور المعرض والانخراط في أنشطته كافة، بشكل تستطيع معه إبراز قدراتها وتميز منتجها. ومن بين هذه الدور: هاشيت، فايارد، غراسيه، لامارتينيير، فلاماريون. كما تحرص على المشاركة فيه كذلك، دور نشر صغيرة، تستغل هذا الموعد، الذي صار مكاناً للقاء والحوار الفكري العالمي، لتعرض آخر ما كتبه مؤلفوها، غير المعروفين أحياناً.



