لا تغاير قصة سور الأزبكية في مصر، سمات وتوصيف حال أشياء من رحيق الأمس، على السواء: في محيطنا وذواكرنا، تبّدلت وتغيّرت. فرغم التطور الذي شهده، لم يعد نفسه: ملتقى المثقفين والمبدعين.
وذلك حتى مع اهتمام وزارة الثقافة المصرية به، منذ سنين، إلى درجة تخصيص مكانٍ ثابتٍ له في معرض الكتاب الرسمي في مصر (معرض القاهرة الدولي للكتاب)، وكذا تنظيم جولات تعريفية تثقيفية، سنوية، حوله، في جامعات مصر. إنه عنوان ماضٍ عريق، و"جامعة الفقراء"، كما سماه البعض. إذ يحمل عبق ذكريات الزمن الجميل.
إلا أنه لم يبق، كسابق عهده، مقصد أو قبلة كل قارئ نهم؛ بفعل ما طرأ عليه من تغيرات جذرية، في الشكل والمضمون، إضافة إلى تضاؤل أعداد القراءة في زمن التكنولوجيا، هذا في وقت طغى فيه "الكتاب الإلكتروني" على المطبوع.
يقع سور الأزبكية في العاصمة المصرية، القاهرة، في مواجهة مسرح العرائس، ضمن منطقة العتبة الشهيرة (وسط القاهرة)، ويضم نحو ما يقرب من 132 مكتبة تبيع الكُتب القديمة بأسعار زهيدة. وهناك في منطقته، بعض المكتبات التي تبيع الجديد من الكتب أو الطبعات الجديدة من المؤلفات القديمة كذلك. كما أنه أضحى يمثل قبلة للباحثين عن أعمال فكرية أو أدبية أو عليمة نادرة أو قديمة، بأسعار رخيصة، فضلاً عن تركزه كموئل ووجهة للباحثين عن شراء الكتب القديمة جداً، والتي ترجع إلى عشرات السنين.
«سوق الكتاب والفكر»
اصطف باعة الكتب، ومنذ العام 1926م (في عهد فؤاد الأول)، حول السور الحديدي، وطالما بقيت شرطة البلدية تُطاردهم. فكانت تلك أولى إرهاصات ميلاد كيان في حجم سور الأزبكية، الذي ظل طيلة تاريخه، يُثري الحياة الثقافية في مصر. وغدا بمثابة قبلة المثقفين من مختلف بلدان العالم العربي، ليُطلق عليه الأديب سليمان فيّاض لقب "جامعة الفقراء".
ولم تكن خواتيم ونهايات أعوام مُطاردة شرطة البلدية لباعة الكتب حول سور الأزبكية، مخيبة بالنسبة لهؤلاء. إذ منحوا، التراخيص اللازمة، تحديداً في العام 1957.
وحتى بعد هدم السور الحديدي في عهد ثورة يوليو، ظل الباعة جالسين حول الحديقة.. وفي عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك (في بداية التسعينيات من القرن الماضي - في العام 1993)، نقلت أكشاك بيع الكتب (سور الأزبكية) إلى منطقة الدراسة. ثم عادت مرة أخرى في العام 1998.
ذكريات وحنين
يشرح الناقد الأدبي، الدكتور يوسف نوفل، تاريخ وقيمة سور الأزبكية، وما يعترضه من صعوبات، حالياً: "منذ النصف الأول من القرن العشرين، وإلى ما بعد ذلك بقليل، كان سور الأزبكية منبعاً للثقافة والمعرفة والتراث الحاضر والقديم، إذ تجد فيه الكتاب التراثي المحقق، وكذا الكتاب الحديث والمعاصر، بأثمانٍ زهيدة جداً، وبوفرة وكثرة.
ويلقى الزائر تلك المؤلفات معروضة فوق (الاستاندات) أو على (الرصيف) ببساطة شديدة.. أذكر أنني شخصياً كنت أذهب برفقة شقيقي الأكبر، فيمنحني قدراً من المال، فأذهب وأتجول هناك، واشتري الكتاب الذي يعجبني، بسعر زهيد جدا:( بدءاً من قرشين).
ومن ثم أعود إليه فيفهم أنني أنفقت ما معي، وحينها أترك ما جمعت وأتسلم منه مبلغاً آخر، وأعاود الكرة مراتٍ.. وأذكر أن الكتاب الأول في مكتبتي كان من نواحي ومنافذ سور الأزبكية، بتعددها وتناثرها". ويشدد على انه منبع للمعرفة وحضن الحديث والقديم.. وكذا ذاكرة مجتمعية تهزم الأرشفة.
ويضيف نوفل : "لا أبالغ في أن ادعو هذا السور الثقافي: (سور الثقافة العظيم)؛ لأنه أتاح الثقافة للناشئة بأسعارٍ زهيدة، والناشئة في ذلك الحين هم الذين صاروا بعد ذلك شبابا ًمثقفاً، ثم كهولًا ومن عظام المثقفين، عقبها..
إن الأثمان الزهيدة التي تُباع بها الكتب تتيح تعميم الثقافة وانتشارها وسهولة تداولها، فضلاً عن الدورة التي يدور فيها الكتاب أكثر من مرة، والتي تتيح لعدد أكبر من الناس، قراءته. فمثلاً كنا نشتري الكتاب ونقرأه، ثم نستبدله بآخر..
وتتجلى عظمة هذا السور أمام طبيعة الظروف الثقافية والفكرية في العصر الحالي. إذ نعاني ارتفاع كلفة الثقافة، جراء عوامل عديدة، في مقدمها: ارتفاع أثمان الورق وأحلام الناشرين في الكسب. وهو ما أدى الى اشتعال أسعار الكتب..
نحن الآن أمام مقارنة مؤلمة جداً، إذ نقارن بين الأمس السعيد الجميل، الذي كان من الممكن خلاله، لأي فتى أو شاب، أن يُكَون مكتبة بأيسر الطرق عن طريق كثرة ورخص الكتب. وكذا السهولة في الاقتناء. أما حالياً، فكثير من تلامذتنا الباحثين، ونعرف ذلك بينما نحن نشرف على رسائلهم، يعانون من صعوبة اقتناء الكتاب والمراجع.
ويعانون من قلة وجوده في المكتبات العامة.. ورغم أن الانترنت أدلت بدلوها في ذلك الشأن، من خلال (الكتب الرقمية) لكن ذلك ليس متحققاً في جميع الكتب، فضلاً عن أن البحث العلمي يقتضي وجود الكتاب الورقي الموثق.. وهذا يدعونا أن نتذكر أيضاً، الماضي الجميل المتمثل في (سور الثقافة العظيم.. سور الأزبكية)".
عشوائية
جملة مشكلات، أحاطت، على مدار السنوات الماضية، بسور الأزبكية. ويجد معنيون ومثقفون كثر، أنها أثرت على اهميته وقيمته، وكذا دلالاته.
إذ إنه أضحى مطوقاً بالعديد من الباعة الجائلين، فضلاً عن موقف لسيارات الأجرة و"الميكروباص" و"التوك توك"؛ ليتحول كأحد رموز الثقافة المصرية والمعلم الذي يعد من أبرز المُنشآت التي شكّلت وجدان كبار المثقفين المصريين والعرب، مع تلك الحال، إلى مشهد عشوائي رث، تضفيه مناظر الباعة الجائلين وازدحام ركاب مترو الأنفاق وتدافعهم، فضلاً عن تلك الجلبة التي تُحدثها مواقف السيارات، ما جعل السور يتقلص في دوره كثيراً، ومن ثم يغرق في بحار من العشوائية والإهمال الرسمي، من قبل الدولة نفسها.
مخطوطات
طالما لعب سور الأزبكية، دوراً بارزاً في إثراء الثقافة والمثقفين المصريين والعرب، وكان مصدر إلهام لهم. وبعيداً عن واقع السور الحالي، المُحاط بالإشكاليات والعقبات التي جعلته يفتقد إلى رحيق الأمس، فإن الشاعر والناقد شعبان يوسف، يكشف في حديثه عن السور وقيمته وما يطاله من إهمال.
ويشير إلى عثوره (أثناء بحثه وتجواله في سور الأزبكية)، على مخطوطات للشاعر محمد يوسف، وهو شاعر من جيل السبعينيات من القرن الماضي، كان قد كتبها في السجن، أثناء اعتقاله في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وهي من المخطوطات المهمة جداً. ويلفت يوسف الى أنه يعتزم نشرها قريباً، مؤكداً في السياق ذاته، على أن السور لعب دوراً حيوياً في دعم الثقافة منذ زمن طويل.
ويتابع : "كنت أتجول في السوق وأشتري الكتب منه، بشكل دائم، لدرجة أنني في أوقات ما كنت أكتشف أن ما معي من مال لا يكفي". ويشير يوسف إلى أنه منذ نعومة أظافره، اعتاد الذهاب إلى السور، الذي لعب دوراً بارزاً في تشكيل ثقافة الناس.
ومن جهته، يلفت الأديب المصري إبراهيم عبدالمجيد، إلى أن سور الأزبكية كان له تأثير جلي في جموع مثقفي مصر، وانه بقي على الدوام موئلاً ومقصداً لجميع القرّاء، خاصة في ظل انخفاض أسعار الكتب الموجودة فيه، مبيناً كونه قد ارتبط شخصياً، ومنذ صغره، بذلك السور، رغم أنه ليس من محافظة القاهرة. إذ كان يحرص باستمرار، على أن يذهب إلى السور لشراء مجموعة من الكتب، ذلك فور وصوله إلى القاهرة لشراء حاجة ما أو قضاء غرض محدد".
ويوضح عبدالمجيد، أن السور مثّل ركيزة أساسية لإثراء المنظومة الثقافية في مصر بوجه عام، وكان يعتمد عليه العديد من الأدباء والمفكرين، في الحصول على الكتب القديمة والنادرة بأسعار زهيدة، وبالتالي فإنه مصدر ومؤثر حيوي في جوهر ثقافة جموع المثقفين، آنذاك.
ماضٍ ضائع
يستعرض عبدالوهاب مختار (51 عاماً)، جماليات رونق سور الأزبكية، في الزمن الذي مضى، لافتاً إلى أنه كان يُمثل بالنسبة له ولأقرانه، في وقت شبابه، قبلة الثقافة والمعرفة، إذ كان يذهب إليه قبل إنشاء مترو الأنفاق وبروز زحمة العاصمة في هذا المشهد الحالي. وهكذا نجح في تكوين مكتبة كانت نواة لثقافته وثقافة أبنائه. ويؤكد أن وضع سور الأزبكية، حالياً، بات رثاً للغاية.
حيث غلبت عليه العشوائية، والتي هي جزء من داء عام ضرب وتفشى في العديد من (الجواهر الخالدة) في مصر، وبالتالي، بدا سور الأزبكية في ماضيه الضائع، أفضل كثيراً من ما هو عليه الآن، خاصة في ظل وجود جيل لا يقرأ كثيراً، ذلك مقارنة بالأجيال السابقة.
أما محمد عادل (24 عاماً). فيقول عن آرائه بشأن سور الأزبكية: "تمنيت لو عشت تلك الفترة التي كانت فيها حركة الثقافة نشطة في منطقة سور الأزبكية، وتمنيت لو أن أكون واحداً من هؤلاء الذين عاصروا سور الأزبكية في بداياته.. خلال سنوات عمري القليلة، نجحت في تشكيل مكتبة مكونة من ما يزيد على 250 كتاباً، من بينها: كتب أدبية وسياسية واقتصادية وتراثية.
والغالبية العظمى فيها كانت من سور الأزبكية، ولا أذكر أن كتاباً اشتريته من السور بلغ ما يزيد على العشرة جنيهات، فالسور يضم كتباً بأسعار زهيدة، والبائعون لديهم وعي تام في قيمة كل كتاب مُباع، كما أن لديهم إمكانية رائعة في استخراج الكتاب المطلوب من أرفف وصفوف مليئة بمئات المؤلفات.
تاريخ
تعود منطقة الأزبكية، التي يُنسب إليها السور نفسه، إلى نحو سبعة قرون، واكتسبت اسمها نسبة إلى الأمير سيف الدين بن أزبك، الذي جمّل المنطقة وجعلها حديقة للقاهرة، ولا يزال جزء منها باقياً، الى الوقت الحالي: (حديقة الأزبكية)، التي كانت تضم (بركة الأزبكية) إلى أن جاء الخديوي إسماعيل فهدم البركة التي كانت مساحتها 60 فداناً؛ لإقامة دار للأوبرا، ذلك احتفالاً بملوك أوروبا الذين أتوا إلى مصر لتدشين افتتاح قناة السويس، ومن ثم قلصت مساحة الحديقة إلى 20 فداناً، وباتت مُحاطة بسور حديدي ظل كما هو إلى أن قامت ثورة يوليو في العام 1952، إذ هدم وأصبحت حديقة عامة. ومن ثم استبدل بسور حجري.
دور النشر البارزة في قفص الاتهام
يشدد مثقفون وكتاب، عديدون، على أن هناك مخاوف جمة من دهم أخطار كثيرة محيقة، لمكانة السور ودوره، في الوقت الحالي. إذ يرى أصحاب هذا الرأي ان ما يطاله من إهمال وإجحاف، ليس أمراً عشوائياً، وإنما عمل مقصود ومخطط، هدفه محو تاريخه وتغييب حضوره وذاكرته.
وذلك سعياً الى مرحلة أخطر في السياق، تتمثل في التقليل من شأنه وجعل النظرة إليه على أنه بات عبئاً، ومن ثم نقله أو إلغائه وهدمه، وكل ذلك خدمة لمشروعات وغايات ومصالح دور النشر الكبيرة، والتي هي من أكثر المتضررين من وجود هذا السور، الذي يبيع الكتب بأسعار زهيدة جداً، وهي إشكالية لطالما تكررت باستمرار طيلة الفترة الماضية، وظهرت من آن لآخر لتُشكل هاجساً لجموع المثقفين والقرّاء.
«حدس الثقافة» روح المهنة ودليل الزبائن
تميزت شريحة كبيرة من باعة الكتب الموجودين في منطقة سور الأزبكية، في الماضي، بسمات بارزة، يتقدمها كون أفرادها أميين لا يعرفون القراءة أو الكتابة.
ولكنهم، بحدسهم، كانوا يعرفون قيمة الكتب التي بين أيديهم، ومع التطور، بات هؤلاء أصحاب وعي وثقافة، إذ يجدهم الزائر للمكان، يساعدونه في إيجاد الكتاب المُناسب. يبدو غريباً جداً، حسب متخصصين في المجال، ان السور، بدلالاته وأدواره، لا يتبع الى وزارة الثقافة، ولكنه يتبع في الأساس الى محافظة القاهرة.
وهكذا، ومع مرور السنوات، وبوقوع السور في جوار مترو الأنفاق: "محطة العتبة" المزدحمة دائماً، انتشر في جواره باعة جائلون يحملون سلعاً مختلفة، غير الكتب.
ولدرجة أن أكشاكا موجودة في منطقة سور الأزبكية، لجأت الى بيع بعض السلع الأخرى، إلى جانب الكتب أو غير الكتب، الأمر الذي دفع جموع المثقفين لإبداء تخوفهم من إمكانية اندثار ذلك الصرح المهم، الذي شكّل لسنوات، مصدر وعي الشارع وجمهور المثقفين، وكذا مثّل بحق "جامعة للفقراء".





