برزت دار هاربر كولنز للنشر، بقوة وتأثير كبيرين، أخيراً، في ساحة النشر والتأليف في العالم. فأخذت تكتسح سوق النشر، ليس في الولايات المتحدة، بل في العالم أجمع. وذلك انطلاقاً من مقرها الرئيسي في نيويورك. ولعبت عوامل كثيرة، كبير الدور في احتلالها تلك المكانة، من بينها اعتنائها بإيلاء المعلومات والأخبار، أهمية حيوية. كما ركزت على المزاوجة في آليات العمل،ـ بين النشر والترفيه، وجعل جرعات الأخير، جزءاً من مكون المنتج المعرفي فيها.
كانت تسمية دار هاربر كوليز، في البداية، "هاربر وروو"، وهي دار نشر أميركية تأسست عام 1987، على أساس أعقاب شركة "هاربر وأخوانه" التي يعود تاريخ إنشائها إلى 1817. ومن ثم أنشأ الناشر الإنجليزي ويليام كولنز، مع أولاده، في بادئ الأمر، شركة كولنز للنشر في 1819. وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، غدت ملكاً للمدير التنفيذي لدار هاربر وكولنز: براين موري.
تتابعت مسيرة تطور الدار واحتلالها مكانة عالمية، لاحقاً، خاصة بعد أن باتت: دار هاربر وكولنز. وبذا نالت شهرة عالمية لا تضاهى. وافتتحت فروعاً عديدة، في كل من: الولايات المتحدة الأميركية، كندا، بريطانيا، استراليا، نيوزيلاندا، الهند. وتتميز الدار، حالياً، بكونها رائدة في طباعة مجموعة مؤلفات بارزة، قديمة وحديثة.
في إمبراطورية الإمبراطور
اشترى روبرت مردوخ، إمبراطور الصحافة والإعلام، سنة 1990، دار كولنز. ثم أدمجها بشركة هاربر. ومن هنا تغيّرت العلامة التجارية للدار. وأصبحت علامة مستقلة بنفسها. وفي مرحلة لاحقة،أعلنت هاربر كولنز، استحواذها على الناشر توماس نيلسون. وأسهم جميع ذلك في زيادة خبراتها، وتوسيع حجم وقوة سمعتها.
كما حرصت على مواكبة ومزاوجة ذاك، باستقطاب الكوادر الفاعلة، القادرة على تحقيق النجاح في ميدان النشر. كما حققت صيتاً كبيراً في سوق الأرصدة، خاصة بفعل إسهام روبرت مردوخ وشركته "نيوزكورب" للدعاية والإعلام، بكل ثقلها، في هذه الدار.
كما أن العديد من العائلات العريقة الأميركية، الأخرى في قطاع النشر، انسحبت من المجال. وهو ما انعكس إيجابياً عليها، وذلك عقب أن واجهت تلك الدور، ضغوطات كبيرة في الصمود أمام الأسواق الرأسمالية. في الوقت نفسه بدأت الأحوال الاقتصادية تسوء: فأمام موجة الإنترنت العارمة، أخذت الصحف تفقد قراء وزبائن الإعلانات المبوبة.
وكان لافتاً، في سياق متصل، نجاح الدار في تجاوز العقبات والنكبات المالية، بأقل الخسائر. ونجد، أن نظيراتها، التي تعود إلى أعرق العائلات الأميركية، دفعت أثماناً باهظة. أو أنها أقفلت. فعلى مر السنين، أدرجت تلك العائلات دور النشر الخاصة بها في البورصة. ولكنها، في النسبة الغالبة لم تنج من الخسارة، بينما فعلت هاربر كولنز، وحتى من دون أن تفقد السيطرة.
أسماء
مرت على الشركة أسماء كثيرة ومتعددة. وذلك طبقاً لحالة ومرجعية المالك، في فتراتها المتعاقبة. ويتقدم هؤلاء: جيمس هاربر وأخوه جون. وهما طباعان بالممارسة، بدآ عملهما فيها عام 1817. وفي 1820 التحق بهما أخواهما: جوزيف ويسلي هاربر وفليشر هاربر.
وفي 1833 تغير اسم الشركة إلى: "هابر وإخوته" . وكان مقر الشركة الرئيسي في مانهاتن. وشرع الأخوة في إصدار مجلة بعنوان "مجلة هاربر الشهرية الجديدة" في 1850. ثم باشروا مشروعات النشر عام 1857. كما أنشأوا دار هابر للشباب، سنة 1879.
جاءت، بعد ذلك، مرحلة هاربر ورو، التي استمرت من عام 1962 إلى 1990. ومن ثم تحولت إلى هاربر دولنز. وهي المرحلة التي تميزت بامتلاك روبرت مردوخ للشركة. وبعد أن أصبحت الدار ملكاً لشركة مردوخ، بدأت هاربر كولنز إطلاق النشر الورقي الشعبي من أجل المنافسة بقوة في السوق. وسميت الدار حينها، في الفترة من 1990 إلى 2000: هابر بيبر باك.
بين النشر والترفيه
خضعت الدار، منذ تسعينات القرن الماضي، إلى مجموعة خطط تطويرية، وبرامج عمل تحسين نوعي. إذ عمد معها، روبرت مردوخ، مالك الدار، إلى تبني آليات عمل تصويب وتصحيح، جذرية. فباشر، قبل انقسام المجموعة، في فصل الأنشطة الترفيهية عن تلك المتصلة بالنشر، التي تعاني من مشكلات. وأدخل عليها جملة تحسينات بنيوية.
فأوجد قسماً ترفيهياً يعمل بقيادة استوديوهات وتلفزيون فوكس. وحدد فيها قطاعاً متخصصاً في الصحافة والنشر: يشمل صحيفتي «وول ستريت جرنال» و«ذي تايمز». وكذلك: وكالة داو جونز المالية للأنباء ودار هاربر كولنز للنشر. وهذه الخطوة قد أنقذت هاربر كولنز، من الانهيار. إذ إن الترفيه يدعم النشر لكثرة خسارة الأخير. ولذلك أعيد رسم هيكلة الشركة لتسمح بتقسيم المجموعة إلى شركتين.
أزمة خانقة.. فنجاح
واجهت الدار، بعد فترة التجديد والإنهاض في تسعينات القرن الماضي، خطة وتهديداً جديدين، بفعل ظهور الكتاب الرقمي. إذ أدى ذلك إلى تكبّدها خسائر مالية كبيرة، لأن الكتاب الورقي لم يعد مدار اهتمام غالبية الشباب. كما أن قراءة الكتاب الرقمي أسهل بكثير من قراءة نظيره الورقي. ولهذا السبب، لجأت الشركة إلى استخدام الورق الرخيص الأسمر، من أجل تحمّل تكاليف النشر.
وأعلنت مجموعة "نيوز كورب" الإعلامية، المملوكة لروبرت مردوخ، في السياق، تسجيل خسائر قدرها 1.55 مليار دولار، في غضون الأعوام الأخيرة. وجاء الجزء الأكبر من الخسائر، نتيجة شطب 2.8 مليار دولار من قيمة صحف المجموعة في استراليا، وغيرها من مشروعات النشر. كما أسهم إغلاق صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد" البريطانية، في مضاعفة الخسائر.
ولا بد من الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من قيمة "نيوز كورب" حالياً، التي تنتمي إليها هاربر كولنز، يأتي من أنشطة الترفيه، بما في ذلك من قناة "فوكس نيوز" الإخبارية وشركة "فوكس القرن العشرين" للإنتاج السينمائي. وتبلغ قيمة مجموعة نيوز كورب، وهي أكبر مؤسسة إعلامية في العالم، نحو 60 مليار دولار. وأسهم تقسيم الشركة إلى قسمين منفصلين للنشر والترفيه، دعم شركة النشر التي أشرفت على الانهيار، بسبب التحولات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.
وكذلك الأزمة العالمية. وهو ليس بقرار سهل، لأن الخبراء الماليين الذين استعان بهم مردوخ، وجهوه نحو الطريق الصحيح في عمليات الاستثمار. وتضم المجموعة عدداً كبيراً من الصحف، منها: تايمز البريطانية، ومجموعة أخرى كبيرة، في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، إلى جانب دار نشر الكتب هاربر كولنز وعدد آخر من المؤسسات التعليمية. ورحب المستثمرون بخطة تقسيم الشركة التي عزلت قطاع الترفيه الأعلى ربحية عن قطاع النشر، الذي يعاني صعوبات.
الخوف من «أمازون»
يبدي القائمون على الدار، قلقاً كبيراً من انتشار الكتب الرقمية. فرغم الجهود التي بذلت لمواكبة هذه القضية، لا تزال تشكل هاجساً ومحل قلق لا يفتر. وفي الصدد، تؤكد فيكتوريا بارنسلي، رئيسة متاجر هاربر كولنز لبيع الكتب في بريطانيا، الخشية من موقع أمازون، أكثر من "غوغل"، الذي تسبب في ضجة، بسبب اعتزامه توفير نسخة رقمية من أي كتاب.
وذلك في الوقت الذي تركز فيه الدار على تطوير صناعة النشر، مشيرة إلى تضاعف المخاطر في المجال، بفعل سعي أمازون إلى تعزيز مبيعات الكتب القديمة، وكذلك فإن إتاحته للزبائن الاستفادة من مشروع مسح الكتب ضوئياً وإرسال صورها بالبريد الإلكتروني للزبائن المحتملين، الأمر الذي يعطيهم فكرة عما يحويه الكتاب ساعد في تعزيز مبيعات هذه الكتب بنسبة سبعة أضعاف في الولايات المتحدة.
«آبل» وطوق النجاة من تهديدات «الرقمي»
تفاوضت دار النشر هاربر كولنز مع شركة "آبل"، أخيراً، حول صفقة تتيح إمكانية شراء وقراءة كتبها الرقمية، على جهاز الحاسب اللوحي. وأكدت هاربر كولنز، التابعة لمجموعة "نيوز كوروبريشن"، والمملوكة للإمبراطور الإعلامي، روبرت مردوخ، أنها ربما تسوق كتبها عبر برنامج "آي تيونز"، المصمم من قبل شركة "آبل"، أو عبر متجر افتراضي لأعمال "آبل" على شبكة الإنترنت.
وتقرأ باستخدام الحاسوب اللوحي. ويتوقع البعض أن هذا التحالف بين "هاربر كولنز" و"آبل" يحتمل أن يلحق الكثير من الضرر بمبيعات الكتب الرقمية، التي تعمل على أجهزة "كيندل" لشبكة "أمازون" الأميركية المتخصصة في التسويق عبر الإنترنت. وتبقى أسعار الكتب الرقمية لـ"هاربر كولنز" تنافسية، وهي تعالج الخلل الحاصل في نشر كتبها الورقية.
وركزت الدار على أن تكون الوسائل العلمية التي أتاحتها شركة "آبل"، معززة للتعاون الاقتصادي بين الشركتين. ويرى خبراء النشر إن آبل قدمت طوق النجاة المؤكد إلى دار هاربر كولنز، وخصوصاً بعد فصلها عن الشركة الأم، بحيث أصبحت شركة الترفيه تدعم شركة النشر. ومن المؤمل أن تطلق هاربر كولنز مشاريع إضافية لتدعيم نشر الكتب الورقية، التي لا يمكنها التخلي عنها، لأنها أصبحت مادة أساسية في منتجاتها الثقافية التي يزيد عمرها على القرنين.
تهمة الإساءة إلى المؤلفين
اتهم الناشر الأميركي أندرو ويلي دار النشر الشهيرة هاربر كولنز، التابعة لمؤسسة نيوز كورب، بإساءة معاملة المؤلفين، خاصة كل من الكاتبين الشهيرين: مارتن آميس وفيليب روث. وتعرضت الدار لضغوط كبيرة وغير عادية، من قبل المؤسسات الثقافية والإنسانية والنقابات التي تدافع عن حقوق المؤلف، تحديداً بعد أن انتشرت أخبار التنصت الهاتفي، التي اتهمت بها مؤسسة روبرت مردوخ. اتهمت الدار بأنها تعامل المؤلفين بطريقة جافة وعقابية.




